قال برايس بعد تبادُل عبارات المجاملة: "سألتني البارحة عن كيفية صنع المرهم".
سأل فاثوم وעיناه تلمعان: "نعم؟".
أخرج برايس مكبرة من جيبه وقال: "اليوم، أُعلمك علم الأحياء الدقيقة!".
سأل: "ما هو… علم الأحياء الدقيقة؟".
أوضح برايس: "دقيقة تعني صغير، والأحياء تعني حياة. علم الأحياء الدقيقة يدرس الحياة الصغيرة. هذه عدسة مكبرة، وهي مصنوعة من الزجاج. أستخدم العدسة المكبرة لأرى الأشياء الصغيرة".
قال فاثوم بلا إكتراث: "أستطيع رؤية الأشياء الصغيرة… أيضاً".
"التكبير يعني جعل الشيء الصغير يبدو أكبر، وهذا ما تفعله العدسة المكبرة، فهي تجعل الشيء الصغير أكبر بكثير".
قال فاثوم: "أنا… أفهَم"، مع أنه بدا متشككاً في فائدة الأداة.
وأضاف التنين رافعاً مخلبين ليشير إلى عيْنيه: "التنين يستطيع جعل الشيء الصغير يبدو أكبر أيضاً".
بدأ برايس ناظراً من العدسة المكبرة ليحملق في فاثوم: "نعم، أنت – انتظر ماذا؟".
"ألا يستطيع البشر جعل الشيء الصغير يبدو أكبر؟".
قال برايس ببرود وهو يتساءل عن عدد القدرات السخفاء التي يمتلكها التنين: "لا، البشر لا يمكنهم فعل ذلك. بعض الطيور تستطيع جعل الشيء الصغير يبدو أكبر، لكن ليس البشر".
طرف فاثوم عيْنيه مندهشاً، ثم سأل: "الطيور تستطيع قول كلمات إنجليزية؟".
نظر برايس باهتمام وقال: "بعضها يستطيع، لكنها ليست بارعة في التحدث بالإنجليزية. لماذَا تسأل؟".
بدا السؤال كأنه اقتطاع لا معنى له.
سأل فاثوم بارتباك: "إذا كانت الطيور ليست بارعة في التحدث بالإنجليزية، كيف عرفت أنها تستطيع جعل الشيء الصغير يبدو كبيراً؟".
قال برايس: "آه، البشر ينظرون إلى عيون الطيور باستخدام أشياء مثل العدسة المكبرة، عيون الطيور فيها شيء يساعد في جعل الشيء الصغير يبدو كبيراً".
أصدر فاثوم صوتاً عميقاً في حلقه وهو يتأمل هذا بينما وضع برايس العدسة لتثبت وحدها.
قال: "انظر إلى ورقة الشجر باستخدام العدسة المكبرة"، مستعرضاً كيفية استخدام الجهاز.
أطلق فاثوم هخرة ازدرد بها ورغم ذلك تحرك لينظر عبر العدسة: "لماذا أرى ورقة شجر؟ أرى… هَوْه…".
قطع فاثوم كلامه بصوت زفير غريب من الإدراك.
سأل برايس: "أنت ترى أشياء لم تكن تراها من قبل، أليس كذلك؟".
قال التنين وقد بدا عليه الذهول وبعض الصدمة: "…نعم".
كانت ورقة الشجر تلك تحمل بعض الأنماط الخافتة لكن المعقدة جداً والتي يستحيل رؤيتها بدون عدسة مكبرة.
أوضح برايس ثم تساءل متأخراً عما إذا كان بإمكان التنين استخدام منظار مقرب لتكبير ورقة الشجر أكثر: "تلك العدسة المكبرة تجعل الشيء يبدو أكبر بأربع مرات، وهذا يعني أنك إذا نظرت إلى شيء يبلغ طوله سنتيمتراً واحداً فسيبدو كأنه أربعة سنتيمترات".
سيسأل عن ذلك لاحقاً.
قال وهو ينزع الغطاء الواقي للمجهر: "أريك هذا لكي تفهم التكبير، ولكي تفهم هذا أسرع".
بدا فاثوم مهتماً بالجهاز إلى حد ما، مع أن برايس شك في أن السبب يعود إلى الأجزاء المعدنية اللامعة.
"ماذا يصنع هذا؟".
صحح برايس: "لا يصنع، يفعل. هذا يتيح لك رؤية أشياء بالغة الصغر".
"مختلف عن العدسة المكبرة؟".
أكد برايس: "أشياء بالغة الصغر. يُستخدم هكذا"، قال مستعرضاً وهو يضع عيْناً واحدة على العدسة العينية.
وأوضح: "أضع ورقة الشجر تحت المجهر".
للدقة أكثر كانت شريحة رقيقة من ورقة شجر، لكن ذلك لم يكن مهماً. أصدر فاثوم صוטاً عميقاً في حلقه وهو يتحرك لاستخدام المجهر. شعر برايس بأنه متشكك في النظر إلى أوراق الشجر، لكنه بات أعقل من أن يعترض الآن.
اقترح برايس: "أغلق عينك اليسرى".
تذمر فاثوم، لكنه أغمض عينه. وجد نفسه مضطراً لإمالة رأسه بزاوية غريبة لكي تحوم عينه على بعد سنتيمتر أو سنتين فوق العدسة العينية، إذ إنه لم يُصمّم خصيصاً للاستخدام التنيني.
تذمر قبل أن يتلاشى صوته: "لا أرى…".
قال برايس بغرور: "رائع جداً، أليس كذلك؟".
سأل فاثوم بصوت أخفض بكثير مقارنة بصوته المعتجل المعتاد: "ما هذا…؟".
قال دافعاً برأس التنين برفق بعيداً عن المجهر: "هذا تكبير بأربعين مرة. دعني أُريك تكبير بمائة مرة".
بدا فاثوم مصدوماً بعض الشيء ولم يقاوم، مما سمح لبرايس بتدوير العدسة وإعادة بؤرة الصورة. كرَّر هذا لتكبير بأربعمائة مرة وألف مرة، مستخدماً زيت الغمر للأخيرة.
نادى برايس عندما أبعد فاثوم نظره عن العدسة العينية مشيراً إلى الصورة في كتاب مدرسي تظهر خلايا نباتية بتفاصيل دقيقة: "هنا. هذه صورة ورقة شجر في المجهر".
سأل فاثوم ناظراً ويبدو عليه الارتباك الشديد: "ما مدى صغر هذا؟ ما هذه… المستطيلات؟".
قال برايس ببطء ووضوح: "تصحيح: «ما مدى صغر هذا»، وهذا تكبير بأربعمائة مرة، مما يعني أن هذه المستطيلات أصغر بأربعمائة مرة مما تراه أنت. هذه المستطيلات هي «خلايا»، وكل الحياة عبارة عن خلايا. أنا وأنت والراابتور، جميعنا نمتلك خلايا كثيرة جداً بالداخل"، موضحاً بإشارات يده.
كدس فاثوم هامساً وهو ينظر إلى نفسه مطأطئاً كأنه يتوقع رؤية مستطيلات بداخله: "أنا… أمتلك مستطيلات بداخلي؟".
صحح برايس مقلباً الصفحة ليصور خلية حيوانية: "لا، الخلايا الحيوانية مثلي ومثلك دائرية. الخلايا هي أصغر حياة، ولا توجد حياة أصغر من الخلايا".
سأل فاثوم بنبرة غير متأكدة: "أنت تقول… إنني… لست واحداً؟".
سأل برايس مرتبكاً: "لست واحداً؟".
احتج فاثوم بصوت يشبه الشكوى: "التنين واحد، الإنسان واحد، الحيوان واحد. الخلايا كثيرة، ليست واحدة".
هز برايس كتفيه: "نعم ولا؟".
لم يكن الأمر مثالياً حقاً لإجراء نقاشات فلسفية بلغة إنجليزية محدودة، لكنهما على الأقل اقتربا كثيراً.
تساءل عما إذا كان كون المرء «واحداً»
جزءاً من ثقافة التنين نظراً لمدى اهتزاز فاثوم.
قال مالئاً دلوان بماء البحر ومظاراً إياه لفاثوم: "هنا، انظر إلى هذا".
قال فاثوم ويبدو كأنه يتوقع أن يريَهُ برايس حقيقة غريبة عن الماء: "…هذا ماء".
قال برايس رافعاً إصبعاً: "نعم، لكنك لا ترى ما يوجد في الماء".
اتسعت عيناه فاثوم هامساً: "الماء يحتوي على خلايا؟ الماء حي؟".
قال برايس: "لا، لا. حسناً، توجد خلايا في الماء المالح، لكنها ليست ماء"، واضعاً قطرة ماء على شريحة زجاجية ومزلقاً إياها ببراعة إلى مكانها.
قال بعد ثوانٍ من تحريك الشريحة: "انظر الآن".
عادةً ما كان يمتلك المقابض الميكانيكية ليثبت الخلايا شديدة الإثارة للاهتمام بدقة في مكانها، لكنه لم يحتاج إلى ذلك لهذا المثال. نظر فاثوم في العدسة العينية مرة أخرى وسقط فكه مفرطاً في الانفتاح.
سأل ناظراً إلى عدد لا يححصى من الكائنات الصغيرة التي تتلظى حول الماء: "هذه… حياة؟ حيوانات صغار؟".
"نعم! هذه حيوانات بالغة الصغر، لكنها ليست خلايا".
"ليست خلايا؟ لكنك تقول إن الخلايا هي كل الحياة".
"نعم، هذه ليست… خلايا مفردة، هذه حيوانات صغيرة مكونة من خلايا كثيرة جداً. المجهر على تكبير بأربعين مرة الآن. توجد حياة صغيرة في كل مكان"، مشيراً بإشارة واسعة.
سأل فاثوم مبدياً ذعراً متصاعداً وهو ينظر إلى نفسه كأنه يرى مخلوقات دقيقة تزحف في كل شبر منه: "حسناً… حياة صغيرة على الرمال؟ على الأشجار؟ عليَّ أنا؟".
قال برايس محركاً ذراعيه بطريقة رجا أن تكون مهدئة: "حسناً، نعم، لكنها غير ضارة، لا تؤذيك".
تمنى ألا يكون قد حوّل التنين إلى مهوس بالنظافة.
"الحياة الصغيرة موجودة في الماضي أيضاً، لا تؤذيك".
طلب فاثوم وقد هدأ قليلاً: "ما حجم الحياة الصغيرة؟ ما حجم الخلايا؟".
أوضح برايس: "الميكرومتر الواحد هو جزء من مليون جزء من المتر، مما يعني أن مليون ميكرومتر تساوي متراً واحداً. الخلايا النباتية يترواح طولها بين عشرة ومائة ميكرومتر. الحياة الصغيرة في الماء أكبر بكثير، لا أعرف ما حجمها. أصغر حياة هي البكتيريا، والبكتيريا يتراوح طولها بين واحد وعشرة ميكرومترات".
توقف فاثوم برهة وسأل: "ما حجم خلاياي؟".
"تصحيح: ما حجم خلاياي؟ وأنا لا أرى خلاياك، لكن خلاياك خلايا حيوانية، والخلايا الحيوانية غالباً ما تكون بين عشرة وثلاثين ميكرومتر".
ضيق فاثوم عينيه: "الخلايا النباتية، البكتيريا، الخلايا الحيوانية، مختلفة؟".
أكد برايس متغاضياً عن الأوليات الآن: "نعم، مختلفة جداً. أنواع الحياة الأربعة هي النبات والحيوان والبكتيريا والفطريات".
"أنواع؟".
أوضح برايس تارساً دائرة حول كومة صخور سوداء وأخرى حول كومة صخور بيضاء ثم دائرة كبيرة حول كليهما: "مثل… الصخور السوداء والصخور البيضاء، بعض الصخور سوداء، بعض الصخور بيضاء، أنواع مختلفة. صخور. الصخور مصطلح، والأنواع توجد داخل المصطلحات".
تحرك فاثوم بضجر سائلاً: "كيف يصنع هذا مرهماً؟".
أوضح برايس مسترضياً: "تصحيح: كيف يصنع هذا مرهماً؟ وهذا معقد، سأعلمك بسرعة. البكتيريا تصنع المرض، البكتيريا تخرج من الجسد وتدخل في الجسد و–".
قاطع فاثوم يبدو عليه الارتباك بعض الشيء: "لا. الأشياء الميتة تصنع المرض".
أمعن برايس التفكير في كلماته التالية بحذر. حين طُرِحَت نظرية الجراثيم أول مرة… لم تُلْقَ ترحيباً. كان الناس، بما في ذلك الأطباء، يؤمنون بشدة أن الروائح الكريهة -المعروفة بالهواء الفاسد- هي المسؤولة عن المرض لدرجة أنهم رموا الطبيب الذي دفع باتجاه غسل اليدين في مصحة مجانين.
قال ببطء: "…الأشياء الميتة تحتوي على الكثير من البكتيريا".
أصدر فاثوم صوتاً غاضباً عالياً ونظر إلى الأشجار، ثم إلى المحيط، وأخيراً إلى المجهر.
قال أخيراً ويبدو وكأنه ينتزع كل كلمة بجهد كبير: "أنت… تعرف أشياء… لا أعرفها… كيف تصنع البكتيريا المرض؟".
ابتسم برايس مسروراً لرؤية أن فاثوم يستطيع على الأقل تنحية غروره جانباً.
لقد فشل كثير من البشر في فعل ذلك، على الرغم من كونهم «متضارين».
قال برايس متوقفاً ثم موضحاً: "البكتيريا من خارج الجسد تدخل داخل الجسد، تحدث ضرراً. السليم ليس مريضاً. عندما تكون سليماً، جسدك يمتلك الكثير من البكتيريا الجيدة، وتساعد الجسد".
سأل فاثوم نافضاً جفنه الثالث ناظراً إلى نفسه باضطراب جلي: "الكثير من البكتيريا في داخلي؟ أنت تقول إنني أمتلك خلايا حيوانية كثيرة جداً، لا تقول إنني أمتلك خلايا بكتيريا في داخلي!".
ناد برايس محاولاً أن يبدو مقنعاً: "هذه البكتيريا جيدة!".
سأل فاثوم بتعب وقد تقبل البكتيريا على ما يبدو الآن: "…كيف يصنع هذا مرهماً؟!".
قال برايس محاولاً صياغة تفسير لا يصيب فاثوم بأزمة وجودية: "حسناً، أه… الفطريات هي الفطر، مثل هذا"، فاتحاً كتاب الأحياء على صفحته المعلمة بعلامة مرجعية.
"أتعرف هذا؟".
أومأ فاثوم: "نعم، أعرف أشياء هكذا. بعضها طعمه سيء، بعضها طعمه جيد، وبعضها يجعلني أشعر بالمرض"، مضيفاً باستياء طفيف.
صحح برايس: "تصحيح: يجعلني أشعر بالمرض".
كان يعلم أن الفطريات سيئة السيتة بخصائصها الهلوسة (التي تكاد تكون معدومة)، لكنه تخيل بقشعريرة حجم الخراب الذي سيلحقه تننين مهلوس.
وأضاف: "الشيء الذي يجعلك تشعر بالمرض إن أكلته هو «سم»، بعض الفطريات سامة".
قال فاثوم: "أفهَم، بعض الحيوانات سامة".
محافظاً على تركيزه على الموضوع، قال برايس: "نعم، تخبرني لاحقاً. الفطريات تستطيع قتل البكتيريا، وتصنع… أشياء صغيرة جداً جداً لقتل البكتيريا"، متغاضياً عن «المواد الكيميائية»
الآن.
رافعاً أنبوب المرهم، قال: "أتعلم كيف أخذ أشياء صغيرة جداً جداً تقتل البكتيريا، وأضعها هنا. الأشياء الصغيرة جداً جداً التي تقتل البكتيريا هي «مضادات حيوية»، المضادات الحيوية لا تقتل الخلايا البشرية، بل البكتيريا فقط. هذا المضاد الحيوي الذي وجدته يُدعى «بنسلين»".
قال فاثوم مقطباً عابساً ومسطحاً أشواكه: "…معقد".
قال برايس مستحضراً السنوات التي قضها في عزل البنسلين ثم البحث عن طريقة لإنتاجه بكميات كبيرة: "نعم".
سأل فاثوم: "…البنسلين في المرهم يساعد في الشفاء؟".
"نعم، الشيء الذي يساعد في الشفاء هو «دواء». البنسلين نوع من الدواء".
"سؤال: الشيء الذي يساعد في الشفاء هو «معالج»؟".
وضّح برايس: "آه… هكذا، لكن لا. الشخص الذي يساعد في الشفاء هو معالج، والشيء الذي يساعد في الشفاء هو دواء".
تأمل فاثوم هذه المعلومات للحظات.
"أنت تصنع مضاداً حيوياً، تصنع البنسلين؟ لماذا لا يصنعه خمسون مليون إنسان إن كان يعالج المرض؟".
أجاب برايس مسروراً لأنه علّم فاثوم معنى «إن»
سابقاً: "أنا أجد، بشر آخرون يساعدونني، الوقت من اليوم الذي أجد فيه إلى اليوم الذي يُستخدَم فيه المضاد الحيوي هو عشر سنوات".
سأل فاثوم: "وقت طويل، لماذا عشر سنوات؟".
تنهد برايس: "…صعـ…ـب جداً جداً".
"المرض يقتل تنانيناً كثيرة، أنت تحمي، تعالج بشراً كثيرين جداً؟".
كشر برايس وأدار وجهه بعيداً قبل أن يجيب: "…نعم".
سأل فاثوم متعرفاً على المشاعر: "…لماذا أنت حزين؟ أنت… ارتكبت خطأ، عالجت بشراً سيئين؟".
تخمين جيد جداً، لكن…
"لا".
ألح فاثوم: "لماذا؟".
حك برايس عينيه وقال: "…المضاد الحيوي يستغرق وقتاً طويلاً للصنع… الجزيرة شهدت مرضاً سيئاً جداً جداً، أناس كثيرون جداً ماتوا".
سأل في المرة الأولى التي يسمعه برايس يقول فيها شيئاً بهدوء: "…كم عدد؟".
تلا برايس الأرقام المحفورة في عقله مثل ندوب عمر، وتدفقت الأرقام بثبات على الرغم من ارتجاف صوته: "خمسمائة واثنان وأربعون ألفاً وستمائة وتسعة وثلاثون".
سأل فاثوم بهدوء: "…هذا… رقم على مقياس الوقت؟"، فأطرق برايس رأسه إجابةً.
نما الصمت بينهما إلى أن كسره فاثوم سائلأ: "كم بشراً عالجت؟".
أجاب برايس دون أن يرفع رأسه: "…الملايين، على الأرجح. لا أعرف".
صمت فاثوم مرة أخرى، وسر برايس أن أتيحت له بضع لحظات لتهدئة نفسه قبل السؤال التالي.
"أنت… تمتلك عائلة؟".
أخذ برايس نفساً عميقاً واستجمع نفسه وقال: "لا. نعم. أنا أمتلك… كان عندي صديق، صديق جيد جداً جداً. الصديق كان يُدعى «رايت»… رايت كان لديه طفل، اسم الطفل كان جون. أنا… ساعدت في رعاية الطفل".
توقف برايس لبرهة قبل أن يتابع: "الص صديق ورفيقته دانييل مرضا، وماتا منذ سنوات عديدة".
سأل فاثوم بهدوء حين لم يتابع برايس: "…الطفل لم يمت؟".
هز برايس رأسه بلا إجابة.
قال متحدثاً بهدوء شديد لدرجة اضطرت فاثوم لمد أشواك أذنيه بوضوح للاستماع: "قبل أن يموت الصديق، قلت له إنني سأرعى جون الذي كان في السادسة من عمره. أنا… وعدت بحماية طفله".
سرده برايس وصوته يوشك على التصدع: "وجدت الدواء منذ سبعة عشر عاماً، مات رايت منذ اثني عشر عاماً، مرض سيء جداً منذ عشر سنوات، صنعت المضاد الحيوي منذ سبع سنوات، عملت ببطء شديد، مات ناس كثيرون. جون مريض. أصدقاء مرضى. ماتوا منذ سبع سنوات. لم أكن أصنع الدواء بسرعة كافية. الكثير من الناس م-ماتوا".
انطلقت الكلمات قسرًا قبل أن ينكسر صوته، وبدأت الدموع تتقاطر على الرمال.
كان فاثوم حائرا. لم تكن التنانين مخلوقات اجتماعية، بالمعنى الدقيق. كانت مكانة كل تنين بين أقرانه ذات أهمية حيوية، لكن ذلك لم يكن يعني أنهم يتفاعلون كثيرا. في الواقع، نادرا ما كانوا يفعلون ذلك إلا للتجارة أو القتال أو التزاوج، وكان التزاوج الأخير نادرا على نحو استثنائي. ونادرا ما كانت لهم صداقات حتى، إذ كان كثير من التنانين يقضون معظم حياتهم وحيدين. لم تكن التنانين تبكي قط إلا إذا فقدت شخصا عزيزا عليها، ولم تكن تذرف دموعها أمام تنين آخر أبدا...
أو هكذا لم يسمع فاثوم من قبل. ما لم يفهمه حقا هو سبب مساعدة غاروم في تربية صغير تنين آخر. كان شبه متأكد من أن هذا الصديق ذكر، لكن الوقت لم يكن مناسبا للسؤال.
ولماذا كان يبكي على أناس لم يكونوا «أصدقاءه»
ولا من عائلته؟ أمال فاثوم رأسه مفكرا. كان هؤلاء البشر مختلفين عن التنانين بوضوح، لكن أن يكونوا متخلفين إلى هذا الحد... أو لعل غاروم غريب حتى بمعايير البشر. أم لعل عدد الموتى هو ما كان يقلق غاروم؟ لقد مات أكثر من خمسمائة ألف بشري، أي أكثر من خمسمائة ضعف عدد كل تنين موجود! حاول فاثوم أن يتخيل هذا العدد الهائل من التنانين الموتى، لكنه فشل. لو كان فشله قد تسبب في موت هذا العدد الكبير من التنانين الذين لم يلتق بهم قط، لظن أنه يستطيع فهم هذا البشري على نحو أفضل قليلا.
قال فاثوم أخيرا: «أنت... وقت ما تلاقي دواء، تسوي دواء، عشر سنين. وقت طويل».
رفع برايس رأسه، لكنه لم يرد. كان الجزء من عينيه الذي يكون أبيض عادة محمرا الآن على نحو غريب.
قال فاثوم: «أنت تقول... «وعد».
هذا شيء تقول إنك تسويه في المستقبل، صح؟»
أصدر برايس أصواتا غريبة، كأنه يزيل عائقا من حلقه، ثم أجاب: «نعم... الوعد هو أن تقول إنك ستفعل شيئا».
التقط برايس غصنا.
«إذا فعلت الشيء، فهذا «وفاء بالوعد».
إذا ما فعلته، فهذا «نقض للوعد».
هذا سيئ».
أومأ فاثوم برأسه.
«التنين عنده وعود أيضا. أنواع وعود مختلفة».
رمش برايس، ثم اعتدل في جلسته. وكان فاثوم شبه متأكد من أن ذلك يعني أنه صار يصغي بانتباه أكبر.
شرح قائلا: «النوع الأول من الوعد ينتهي عند شروق الشمس. النوع الثاني وعد بفعل شيء، مثل تجارة شيء. النوع الثالث من الوعد... ما ينتهي».
ثم سأل: «أنت وعدت وعد النوع الثالث؟»
قال البشري ببطء وتردد: «نعم...؟»
قال فاثوم محاولا طمأنته: «أنت... أنت ما خليت البشر يمرضون».
«...حين... حين مرض جون، طلب مني أن أذهب لرؤيته».
خفض برايس رأسه.
«أنا ما ذهبت لرؤيته. كنت أعمل على صنع المضاد الحيوي».
قال ذلك من دون أن يلتقي بعيني فاثوم.
سأل فاثوم: «أنت صنعت المضاد الحيوي وأعطيته إياه؟»
«نعم، أنا... نعم».
بالكاد استطاع برايس أن يخرج الكلمات.
«لكن ما كان عندي وقت لأراه. ما كنت هناك حين مرض. ما كنت هناك حين مات».
تراجع فاثوم برأسه، وقد انكمش ألما. كان موت الصغير مأساة حقا، وبدا أن برايس يعد هذا الصغير كأنه صغيره هو.
قال فاثوم بثقة: «وعد التنين هو أنك تفعل كل شيء تقدر عليه. تفعل كل شيء تقدر عليه، فلا تنقض الوعد. أنت ما تقدر تسوي الأشياء اللي ما تقدر تسويها».
زفر برايس وأغمض عينيه.
قال: «ما زال أناس كثيرون يموتون».
لكنه بدا أقل انكسارا بقليل.
قال فاثوم، من دون أن يعرف الكلمات الصحيحة بالإنجليزية: «...التنين يفكر: إذا... نعرف التنين الميت، التنين الميت ليس... ميتا تماما. لو كان الصديق رايت حيا، أفكان يراك سيئا؟»
أجاب برايس على الفور: «لا».
ثم قال، وعلى شفتيه شبح ابتسامة حزينة: «لا... لم يكن ليفكر هكذا».
خلص فاثوم بنبرة حاسمة لا تقبل الشك: «إذن أنت جيد. والأشخاص الآخرون، وعددهم خمسمائة واثنان وأربعون ألفا وستمائة وثمانية وثلاثون، مثل أفراد الطاقم. أنت فعلت كل شيء تقدر عليه لتحميهم».
قال برايس وهو ينفض الغبار عن نفسه: «...شكرا. ساعدتني قليلا».
راقب قرون الأبواغ وهي تتمايل عبر السماء، تحملها هبة ريح شاردة، وبدا كأنه انتصب أكثر.
«أنا بخير الآن. ماذا ينبغي أن أعلمك بعد ذلك؟»
بدا فاثوم متشككا قليلا في طمأنينته، لكنه تحمس حين عرض برايس عليه ذلك.
«كيف تسوي مرآة؟»
ابتسم برايس.
[مدخلة يوميات]
اليوم 33، حين أنظر إلى حياتي الماضية، يبدو لي أن إنجازاتي كلها مطمورة في ظلال الفشل. لم تكن أسئلة فاثوم مريحة الإجابة، لكن لا أظن أن في وسعي أن أفعل شيئا حيال ذلك. كنت... مضطربا في ذلك الوقت، لكنني أتذكر الآن أن فاثوم بدا وكأنه يطرح بعض الأسئلة الغريبة. لا بد أنه مشوش بشأن البشر وعاداتنا. ينبغي أن أعلمه ذلك غدا. ما قاله لي فاثوم اليوم ليس أكثر من الكلام الذي قلته لنفسي، أو على الأقل ليس شيئا لم أفكر فيه بيني وبين نفسي.
وبصراحة، يواسيني حرص فاثوم على مواساتي أكثر مما تقنعني قوة حججه، لكنني أقدر الأمر كله مع ذلك. من الغريب كم تصبح الكلمات أكثر مواساة حين تصدر عن شخص آخر. تحديث حالة الجرح: تقلص الجرح سنتيمترا آخر، وتراجع تغير اللون المحيط بحوافه بدرجة ملحوظة.