تجمد كاسيان. تذكّر. قبل ثلاث سنوات، عندما تلاشت سحرته، أمضى تلك السنة في تعليم التعاويذ التي ابتكرها بنفسه للطلاب وبدأت الرؤى. شجرة بيضاء. امرأة في الأولى، اختفت قبل أن يتمكن من التدقيق فيها. وبعد ذلك الشجرة، في كل مرة تليها، تقول الشيء نفسه. تذكّر. تذكّر. ظن أنه فهم الأمر في النهاية. أن السحر لم يغادر قط في الواقع، وأن القصد والإيمان كانا جوهر الأمر كله، وأنه كان يؤدي تعاويذ طوال حياته دون أن يدري حقاً ما يفعل.
كان واثقاً تماماً من تلك النتيجة التي توصل إليها آنذاك. لم يعد كذلك الآن، واقفاً هنا والكلمة ذاتها تصدر عن صوت لمُميز له، صوت بدا وكأنه شيء ينبغي أن يعرفه لكنه عجز عن الإمساك به.
قال: "ماذا؟ ماذا يُفترض بي أن أتذكّر؟"
لم تجب المرأة.
"أتذكّر ماذا؟"
حينها انشق العالم وتولى شيء آخر مكانه. غابة خضراء لدرجة تؤلم العين لدى النظر إليها مباشرة، مشبعة إلى حد اللامعقول. تسلل الضوء عبر المظلة. كان واقفاً على حافتها، عند مدخل خط الأشجار مباشرة، وأول ما لاحظه هو الرائحة. المطر على لحاء قديم. شيء حلو يكمن تحته. كانت الغابة تتنفس. نادي شيء ما مكان ما عالياً فوقه، وأجاب شيء آخر من مكان أبعد. صرّت الأغصان وكأنها تتحاور، وكأن المظلة بأسرها في خضم حديث وقد دخل هو فيه لتوه.
تعيش أشياء هنا. شعر بذلك أكثر مما رآه. تحرك شيء في الشجيرات إلى يساره. عبر شكل بين شجرتين أمامه، باهت وضخم. التقط شكل قرون، واختفت قبل أن تستقر عيناه عليها. عبر زوج من طيور العنقاء من فوقه. أكبر من أي طائر رآه من قبل. ألقت أجنحتهما ظلاً على أرضية الغابة. رقت الأشجار مع ارتفاع الأرض قليلاً، ثم اجتاز آخر المظلة وتوقف. كانت البقعة الخالية ضخمة. وفي مركزها كانت الشجرة. لقد رأاها من قبل.
نسخة منها، على أي حال. في الرؤى، في السحر الذي عاد إليه قطعة قطعه خلال ذلك العام. كانت هائلة. عتيقة وباهتة، بلون لحاء البتولا لكنه أملس، يكأنها مضاءة من الداخل مكان ما. امتدت الجذور عبر الفسحة في كل الاتجاهات واختابت في الأرض، وحيث ظهرت مجددًا في الخارج، نمت الزهور على طولها في خطوط طويلة متصلة، بيضاء وذهبية. تفرعت الأغصان لتصبح عالية وعريضة لدرجة أن مظلة الشجرة كانت سماءً تخصها وحدها.
تعيش أشياء في الأعلى. تعشش طيور العنقاء في الأعالي. وأشياء أخرى عجز عن تسميتها. كانت الشجرة بأسرها تطن باستمرار. كانت المرأة عند قاعدتها. حافية القدمين. تحركت حول الشجرة بالطريقة التي قد يتحرك بها المرء حول شيء يحبه، بانتباه وألفة، تلمس اللحاء برفق وهي مرّة، تمد يدها دون تمدد لتلامس أصابعها غصناً منخفضاً، بالطريقة التي تحيي بها شخصاً. كانت قدماها صامتتين على الأرض المتقاطعة بالجذور.
لم يكن أي من ذلك استعراضياً. لم تكن تفعل ذلك من أجله. كانت موجودة فحسب، وكان هو يشاهد. فوقها، انحدر طائر عنقاء وحط على غصن فوقه مباشرة، طاوياً جناحيه. وتبعه ثان. ثم اثنان آخران، أعلى، وبدآ نداءً متداخلًا سرى عبر الفسحة، وأجابت الغابة من ورائه، وللحظة ارتبط كل شيء بكل شيء وكان هذا أكثر شعور بالحياة يختبره وهو واقف مكانه. ثم اسودّ أحد الأغصان. لم يلاحظ ذلك فوراً. كان غصناً واحداً، عالياً، على الجانب الأيسر من المظلة، وانتشر الظلام على طوله ببطء.
توقف اللحاء ببساطة عن كون ما كان عليه ليصبح شيئاً يبدو خاطئاً، باهتاً، رقعة من الفراغ في وسط كل ذلك الضوء. انطلق طائر العنقاء على الغصن فوقه بلا صوت. سكنت يدا المرأة على الجذع. سار الغصن الثاني على الدرب ذاته. ثم ثالث. تحرك نزولاً عبر المظلة، منتقلاً من الأغصان المتضررة إلى تلك التي تحتها وتجاورها، وحيث انتشر تغير الضوء. باهت اللحاء الباهت المضيء. أغلقت الزهور على طول الجذور في ذلك الجانب من الشجرة، منكمشة بالبتلات نحو الداخل.
اصفرّ الطحلب تحتها عند الأطراف. أحد طيور العنقاء، وهو أصغر حجماً، أدنى في المظلة، لم يفرّ في الوقت المناسب. ومع بلوغ الظلام له، تغير. تذبذب بياض ضوئه. انطفأ. عاد داكناً، وتحول الذهب تحته إلى شيء أقرب إلى لا شيء يمكن التعرف عليه. تغير نداءه. بدا ما صدر عنه خاطئاً، كعزفة نشاز، وعندما أقلع من الغصن ودار حول الفسحة. لم يتطابق الظل المتحرك تحته مع الضوء. بدأت الكائنات الأخرى على حافة الفسحة تتفاعل.
لم ينجح جميعها في الفرار. استدار بعضها نحو الظل الذي ألقته الأغصان المسودة، وتغيرت هي الأخرى، تدريجياً. كانت يدا المرأة، المضروبتان باستمرار على اللحاء، ترتجفان. سحبت يديها عن اللحاء واستدارت لتواجه جانب الشجرة المسود، ورأى كاسيان تعابير وجهها لأول مرة. كان وجه شخص يعلم أن هذا قادم وكان يخشاه على أي حال. ارتفعت يداها. تحفران رموزاً في الهواء. انبثقت من أصابعها في خيوط من ضوء ذهبي باهت، تلولب نحو الخارج من نقطة مركزية، وتتداخل فوق بعضها في أنماط متراكبة بلا إبطال، يغذي كل منها الآخر.
استجابت الشجرة. سطع اللحاء في الجانب السليم من الجذع، وتدفق الضوء في داخله صعوداً عبر الأغصان، وحيث بلغ الضوء حافة السواد دفع بها. لم يتراجع الظلام، لكنه تباطأ، متخبطاً في انتشاره، ومكبوحاً بضغط ما كانت الشجرة تصبه في الحد الفاصل بينهما. واصلت المرأة الرسم. تضاعفت الرموز، كوكبة معلقة في الهواء حولها، تدور حول الجذع على ارتفاعات متفاوتة، وكل رمز أضافته قوى الهيكل بأسره.
تساقط الضوء الذهبي الذي ألقته عبر الجذور والزهور والطحلب ليجعل كل ما تلمسه يبدو أكثر تشابهاً مع نفسه، وأكثر حضوراً، وأكثر حقيقية. بدا للحظة وكأنه قد يصمد. توقف السواد عند الحد. صفا أحد الأغصان العليا، مستعيداً لحاءه الباهت، ومخترقاً بالضوء كأن الشجرة تتذكر ما كانت عليه. كان الظلام ينتشر نحو الخارج على طول الأغصان. انكمش الآن. تراجع قليلاً ثم انطلق نزولاً عوضاً عن ذلك، دافعاً على طول الجذع نحو نظام الجذور في الأسفل.
رأت المرأة ذلك. غيرت وضعيتها، راشمة رموزاً جديدة في الأسفل، وموجهة الهيكل الذي بنته مجدداً، وأجابتها الشجرة، ليتدفق الضوء نزولاً الآن، جاريات على طول الجذور في خطوط ساطعة، وتتفتح الزهور على طولها مع بلوغ الدفء لها. وقف كاسيان على حافة الفسحة ويداه إلى جانبيه، مراقباً ما كان في جوهره حرباً تدور في حركة بطيئة، وشعر بعجز من يشهد شيئاً قد حدث بالفعل، وانتهى قبل وصوله بكثير، شيئاً يُعرض عليه لا يُدعى إليه.
في الأعلى، في المظلة، كان طائرا العنقاء اللذان تغيرا يدوران. جاءت ندائهما على فترات غير منتظمة، ليتكرر ذلك الصوت النشاز الخاطئ، وحيث حط الصوت تراجع الضوء. انفصل أحد الرموز الملولبة التي رسمتها عن التشكيل وتمدد. معادلاً تشكيل نفسه إلى شيء أوسع، سطح مستوٍ من الضوء اجتاح الأعلى والتقط كلا الطائرين على حافته. أبطأ التلامس سرعتهما لكنه عجز عن تدميرهما، دافعاً بهما مجدداً إلى الأغصان العليا، فرحلا، على مضض، وأصبح دورانهما أكثر اضطراباً.
خبا ذلك الأخضر على الجانب الأيسر من الفسحة، لتتحول الشجيرات هناك إلى الرمادي وتسكُن. كان الخط الفاصل بين النصفين مرئياً من حيث يقف كاسيان. صورة فوتوغرافية ممزقة من المنتصف. سطعت رموز المرأة بشكل أوضح. تراجع الظلام عن اثنين من الأغصان العليا. تنهدت المرأة. ثم اتخذ الظلام شكلاً. حدث ذلك في الجانب الفاسد، حيث تحولت الأشجار إلى الرمادي وصارت الأرض سوداء. تكثف، متجمعاً كالظل من الشجيرات، ومن المظلة الخافتة في الأعلى، مسحوباً من الظلام المحيط.
كان الشكل الذي برز طويلاً. ضخماً، في الواقع. بدا الجسد شاذ النواحي في تناسباته، والأطراف أطول من اللازم. تاج، من الأشواك والظل، مستقر فوق قمة هيئة الشخصية، وحيث التقط القليل من الضوء المتبقي على ذلك الجانب من الفسحة عكسه مشوهاً. سكنت المرأة. كان التشكيل الذي بنته يدور ببطء حول الجذع، محفاظاً على الحد الذي حفرته بين الجانب السليم من الشجرة والظلام، لكن يديها هبطتا إلى جانبيها وكانت تنظر إلى المخلوق عبر الفسحة بتعبير عجز كاسيان عن إيجاد كلمة له.
تعارف، ربما. الحزن الخاص لشخص ينظر إلى شيء اعتاد أن يكون مختلفاً. وقف المخلوق عند خط الأشجار وتجمع الظلام متدفراً نحوه، منتشراً عبر الأرض في أمواج، وحيث بلغت كل موجة، انكمشت الفسحة. انثنى الحد الذي كانت رموز المرأة تمسكه نحو الداخل تحت وطأة الضغط، واستطاع كاسيان رؤية الجهد الذي يكلف الشجرة للحفاظ عليه، إذ بات الضوء في اللحاء أخفت الآن. نصف الغابة قد زال. فهم ذلك الآن.
الجانب الأيسر من الفسحة، والأشجار الفاسدة من وراءه، والربع بأكمله من الغابة الذي كان يضج بالضوضاء والحياة والحركة... هادئ. ساكن. مُبتلع. استدارت المرأة عائدة نحو الشجرة. ضغطت يديها على الجذع مجدداً. توهج اللحاء تحت يديها بياضاً. سري الضوء صعوداً، غامراً الأغصان المتبقية، وللحظة كانت الفسحة متألقة، ساطعة بوجع، متراجعة بالمخلوق عند خط الأشجار عائداً إلى الظلام الذي صنعه.
ثم بدأت الجذور تتحرك. انتشلت نفسها من الأرض، الأكبر حجماً أولاً، مرتفعة في أقواس فوق الأرض ثم تنحني، متخذة شكلاً، وتجد أطرافها بعضها البعض وتلتحم معا. ما برز كان قوساً، هائلاً، متشكلًا من جذور الشجرة الحية، مرتفعاً فوق رأس المرأة ومنحنياً ليشكل إطاراً. حدق كاسيان فيه. كان يعرف ذلك الشكل. لقد وضع يده عليه للتو، واقفاً في حجرة دائرية في قسم الألغام مع نيكولاس وبيرينيل يراقبانه من الأعلى.
خطا خطوة إلى الأمام قبل أن يستطيع كبح نفسه. لم يفعل شيئاً. لم تتغير المسافة. تراجعت المرأة خطوة عن الجذع وواجهت القوس. رفعت يديها الاثنتين نحو فمها، وتنفست. ما خرج منها أصاب القوس وانتشر فوقه بالطريقة التي ينتشر بها الدخان على الزجاج، مالئاً الإطار، وحيث استقر تموج الهواء داخل القوس ورّق ليصبح شيئاً موجوداً وغير موجود في آن واحد. الحجاب. تحرك المخلوق عند خط الأشجار.
تقدم للأمام، وصارت الأرض تحته سوداء مع كل خطوة، وتدحرج الظلام أمامه عبر أرضية الفسحة. توهجت رموز المرأة ضده، ليرمي التشكيل الذي بنته الضوء في كل الاتجاهات، لكن الضغط كان هائلاً الآن، وانثنى الحد بوضوح. كان المخلوق ضخماً عن قرب. التقط التاج فوقه الضوء من الحجاب ولوّاه، وتساقطت الظلال التي ألقاها في كل الاتجاهات، متعددة ومتناقضة، كأنه موجود في عدة أماكن في آن واحد.
تنحت المرأة جانباً. انتقلت إلى يسار الحجاب، وانفتح الفراغ بين المخلوق والقوس، وتدفق الظلام للأمام، مندفعاً نحوه واشتعل الحجاب لدى اصطدامه، ساطعاً، أبيض، ذات الضوء الذي يعيش في لحاء الشجرة متحولاً إلى الخارج، عنيفاً، فاصطدم المخلوق به وصرخ. هز الصوت الفسحة. هز الرؤية. هز أي مكان واهٍ كان كاسيان واقفاً فيه. تراجع كاسيان، ملتوياً حوله طرف الرؤية كشيء على وشك التمزق.
انصبّ الظلام في الحجاب واستمر في الانصباب، مسحوباً للداخل وعبره، وذهب المخلوق معه، التاج والظل... اشتعل الحجاب ثم سكن. كانت الغابة نصف حطام. وقفت المرأة بجانب القوس ويدها إلى جانبيها ورأسها منحني، وكانت الشجرة فوقها ندية وخافتة.