تراجع فولدمورت إلى المقعد الوثير وتحركت القطعة النقدية ببطء بين أصابعّه. دسها باثايل في راحته قبل أشهر بكل أبّهة رجل يسلم بقايا نقود معدنية، ومع ذلك حملت ما تبقى من محتوى الهوركروكس الخاص بناغيني. انتظر وترك الجزء يستقر ويقوى ويلتحم. وأوفى باثايل بوعده. رتق الطقس التشققات في روحه. دوت خطوات. تجول مارودر داخلاً ومعه كأس من شيء كهرماني.
سأل مبتسماً: "حسناً؟ كيف حال مريضنا؟"
رفع فولدمورت بصره.
"أستطيع استشعاره. طاقة تتحرك بصفاء. أقوى من ذي قبل. أنا قريب من ذروتي بالفعل".
شعر بالقوة. قوة حقيقية. لا ذلك الشيء النحيل الهش الذي كان عليه منذ إحيائه. قبل سنوات، وحين اكتشف نظرية الهوركروكس للمرة الأولى، ظن أنه عثر على قمة العبقرية السحرية. نحت هاربو الشرير ثغرة في الموت نفسه. طريقة للقبض على الحياة بكلتا اليدين ورفض تركها. حلم فولدمورت بالقهر. بعد عودته وإدراكه أنه نحت نفسه حتى نحل. تمددت روحه مثل قماش قديم. هشّة. تتسرب. فات الأوان للتراجع. كان الانضمام إلى العهد مهيناً، لكنه أكد كل ما شك فيه.
كانت نسخته من الخلود فجائية. هاوية. ثمة فنون أقدم وطرق أفضل للنجاة. وعلى الأقل ألقى القدر، أو باثايل، بحبل نجاة قبل أن يذوي تماماً.
همهم مارودر: "جيد. سنحتاج إلى جاهزيتك للخطة الأخيرة".
أومأ فولدمورت وشزرت أصابعه على القطعة النقدية. غذاه باثايل بخيط مغر من النصيحة قبل مغادرته، وبإمکانه الازدداد قوة بعد. الإصلاح هو الخطوة الأولى. التغذية هي الخطوة الثانية. التغذية. كلمة بريئة جداً لما يقصده باثايل، أعمار خلود. تُكنز وتُسمن عبر القرون. قتل باثايل كايد ثورن وتجرع كل سنة تشبثت بها الساحرة. يستطيع فولدمورت فعل المثل. بضع وجبات كهذه وسيعيش طويلاً بما يكفي ليتجاوز أي عالم أراد مارودر بناءه من الأنقاض.
لكنه احتاج أولاً إلى ما اصطاده قبل سقوطه. عصا البلسان. تتبعها حتى غرينديلفالد قبل سنوات. لم يكن قوياً بما يكفي آنذاك. لكنه صار كذلك الآن. ومع ذلك احتاج إلى طريقة للدخول. رفع بصره إلى مارودر.
"قبل كل شيء، أحتاج إلى غرض".
رفع مارودر حاجبك.
"أحقاً؟ شيء لطيف؟"
قال فولدمورت: "شيء شخصي".
ولم يفصل.
"أتساعدني أم لا؟"
ضحك مارودر مسروراً.
"بالطبع. إلى أين نحن ذاهبون؟"
ترك فولدمورت القطعة النقدية تستقر على راحته، يزنها كأنه يقرر من أين يبدأ.
"سرق غرينديلفالد شيئاً من سلالتي. شيئاً ملكاً لسازار سليذرين. أنوي استعادته".
كانت القصة قابلة للتصديق، ومبنية على نوع الغطرسة التي توقعها الناس منه. وارث مٌهان. إرث مسروق. سيبتلعها أغلبهم كاملة. همهم مارودر مسروراً بوضوح. عرف الحقيقة بالطبع. دعا فولدمورت لهذا السبب تحديداً. لم تكن صلة سليذرين أسطورة، ووجد بعض الأعضاء تلك السلالة أثمن من تفويتها. لم يلحظ فولدمورت التحول في وضعية الرجل، بل انصرفت أفكار مارودر إلى أن خط سلالة سليذرين مهم لتصاميم العهد الأقدم، ودخل فولدمورت حظيرتهم مباشرة دون إدراك كم من الأبواب يفتحها دمه.
وضع مارودر كأسه، وقال وكأنه يتحدث بود: "غرينديلفالد. لم أسمع هذا الاسم منذ فترة. كان معارفاً قديماً، كما تعلم. جزءاً من حلقتنا الصغيرة لفترة وجيزة. لم يدم الأمر".
أومأ فولدمورت. عارفاً مسبقاً بولاء الرجل المؤقت.
"ثم أسقطه دمبلدور و انقلب كل شيء. كاد يجر الحراس والعهد إلى حرب".
ألوح مارودر بيده.
"وقت فوضوي. ناس يختارون الجوانب لأسباب خاطئة تماماً، بلدان تتوخى الحذر حول الحدود، سياسة تغلي كمرق سيء".
ضيق فولدمورت عينيه.
"ولم تنفجر لأن...؟"
ابتسم مارودر واسعاً.
"لأنها لم تكن سياسية. كانت شخصية. اتضح أن الاثنين كانا قريبين نوعاً ما في تلك الأيام".
أطلق ضحكة خفيفة، كأن أعظم صدام سحر في القرن لم يكن سوى خصام عشاق خرج عن السيطرة. لم يضحك فولدمورت. استند إلى الوراء. دمبلدور وغرينديلفالد. شخصية. أمر مثير للاهتمام. مثير للاهتمام حقاً.
* * *
خطا كاسيان إلى المكتب وتوقف في منتصف الطريق. جلس دمبلدور خلف مكتبه، وبدا كأن أحدهم سرق حلواه. عقد كاسيان حاجبيه نحوه.
"حسناً. من مات؟"
رفع دمبلدور يده وأشار إلى المقعد المقابل. سقط كاسيان فوقه.
"إن كنت أنا، فقد تأخر الأمر طويلاً".
أطلق دمبلدور نفساً طويلاً.
"لم يمت أحد. بعد".
شبك يديه وانجرفت نظراته نحو النافذة قبل أن تعود.
"يرى المعلم فلامل أن الوقت قد أحان لنقوم بزيارة صديق قديم لي. غيليرت غرينديلفالد. قد يملك معلومات نحتاجها".
حدق كاسيان.
"حقاً؟"
أومأ دمبلدور مع تنهيدة.
"ربطتْه صلة وثيقة بالعهد لفترة قصيرة، قبل أن يفسد كل شيء. حين واجهته، كان مارودر أحد أعلى الأصوات اتهاماً لي بكسر الاتفاق اللفظي بين العهد والحراس".
فرك كاسيان فكه.
"والآن سنطرق بابه لأن... ماذا؟ ربما سمع شيئاً عتيقاً قبل أن تفجره طائراً عن سفح جبل؟"
قال دمبلدور: "هذا، ولأنه قد يملك معلومات عن خطط مارودر".
قرع كاسيان بأصابعه بخفة على المكتب.
"إذن يظن نيكولاس أن مارودر أثار ضجة بسبب 'تدخلك' لأنه وغرينديلفالد كانا في جيب بعضهما البعض؟"
أومأ دمبلدور متنهداً.
"تلك هي النظرية. لم تكن طموحات غرينديلفالد صغيرة، إذ سعى وراء أمور تتجاوز أوروبا بكثير، وكان متجهاً نحو أمريكا الوسطى قبل أن أوقفه في الولايات المتحدة. يشتبه المعلم فلامل في أنه كان يلاحق خيطاً بينما كان مارودر في اليونان".
قطب كاسيان جبينه.
"لكن مارودر أخبرني أنه لم يكن يعلم بأمر يوكاتان إلا بعد أن ختمنا المعبد في اليونان".
قال دمبلدور: "ربما لم يكن يعلم ما كان هناك، لكنه ربما امتلك الجغرافيا. تلميحاً. شائعة. ما يكفي ليدفعه نحو المنطقة دون فهم أهميتها".
استند كاسيان إلى الوراء في المقعد.
"إذن كان غرينديلفالد ومارودر يحفران في نصفين متقابلين للخريطة، كلاهما خلف أجزاء من الرعب نفسه، ولم يكلف أي منهما نفسه عناء إخبار أي شخص آخر".
همهم دمبلدور: "بدقة".
أطلق كاسيان صفيرة خفيفة.
"رائع. إذن سنطلب الآن من سيد الظلام السابق لأوروبا ما يتذكره من سنة استراحة في دراسات الكوارث القديمة".
بدا دمبلدور متألماً.
"لن يكون الأمر لطيفاً".
هز كاسيان كتفيه.
"ما هي الخطة؟ أنت تتحدث، وأنا أقف خلفك وأحاول ألا أتعرض للعنة من رجل يرتدي سترة سجن صوفية؟"
نهض دمبلدور ومسد رداءه.
وقال: "سأتحدث معه. طالما كانت لديه طريقة لتجاوز حذر الناس. احذر نفسك".
أطلق كاسيان سخريّة.
"عقلي منيع، أيها الناظر. لا تقلق".
منحه دمبلدور نظرة.
"لم أكن أقصد فن سحر العقول".
تأفف كاسيان.
"أعلم. سأكون حذراً".
التقط دمبلدور كتاباً من رفّه.
"اثبت".
التويا خارج العالم بصوت فرقعة. ظهرا بجانب مهار الطريق الجبلي المؤدي إلى نورمنغارد، حجر أسود، وريح باردة، وذلك الهدوء الغريب الذي لازم السجن القديم دائماً. بدا المكان شامخاً فوقهما، طويلاً ونحيفاً، كأن أحدهم نحت برجاً من شظاة ليل واحدة. فتح كاسيان فمه ليتحدث. اخترقت طفرة من الحرارة الهواء قبل أن يستطيع. التفت لهب إلى الوجود على بعد عشر خطوات أمامهما. تقدم مارودر أولاً.
تبعه فولدمورت. تجمد كاسيان في منتصف نفسه. سكن دمبلدور بجانبه. طرف مارودر.
"أوه".
رفع كاسيان يداً.
"مساء الخير".
حدق بهما فولدمورت. وانتقلت نظراته من كاسيان إلى دمبلدور. تنحنح كاسيان وعيناه تنتقلان بين الرجلين اللذين لم يكن مفترضاً وجودهما هنا قط.
فقال بنبرة ساطعة بما يكفي لتثير الشك: "إذن، ماذا تفعلون هنا بالضبط؟ سياحة قصيرة؟ أم أن غرينديلفالد صديق مراسلة سري لكما؟ أتجلبان له البسكويت؟ أأساور صداقة؟ أردية متطابقة؟"
كان بإمكان نظرة فولدمورت الحارقة أن تقشر الحجر. لو كانت النظرات تقتل، لصار كاسيان رماداً على الجرف. من جهة أخرى، انتعش مارودر كأن كاسيان سأله عن الطقس.
"صديق؟ ليس تماماً. نحن هنا لأن توم يحتاج إلى شيء من غيليرت".
ارتفع حاجب دمبلدور عالياً لدرجة كادت تنفصل عن وجهه. أدار فولدمورت رأسه ببطء نحو مارودر، بالطريقة التي قد يلتفت بها ثعبان ليتفحص أي أحمق استند إلى ذيله. كشر مارودر، لا اعتذاراً بل تسلية.
"عفواً. ما كان لي أن أقول ذلك بصوت عالٍ، أليس كذلك؟"
طرف كاسيان نحوه.
"تومي يحتاج شيئاً من الشرير الكبير؟"
رفع مارودر إصبعاً.
"مه، لقد فقد ذلك اللقب".
منحه كاسيان نظرة مسطحة.
"هذا لا يجعله أقل جنوناً".
اختلج فك فولدمورت. مهما بلغ ضبط النفس الذي امتلكه، فقد كان يبذل جهداً شاقاً. تأرجح مارودر على عقبيه، عفوياً كعادته.
"على أي حال. بالحديث عن حقائق محرجة، سؤال سريع".
أشار بين كاسيان ودمبلدور.
"كم عدد هوركروكسات توم التي دمرتموها أنتم يا جماعة؟"
طرف كاسيان.
"هوركروكساته ماذا؟"
قال مارودر ببطء أشد، كأن كاسيان مصاب بثقل في السمع: "هوركروكسات. كما تعلم، أجزاء روح في جرار، مجوهرات، وتحف متنوعة. حططم بعضها الآن، أليس كذلك؟"
قطب كاسيان جبينه نحوه.
"هذا لا يبدو حقيقياً".
والتفت إلى دمبلدور، "أسمعت قط بمثل هذا الشيء السحري؟"
ضحك مارودر.
"روزير، ارجوك. تبدو كشر يتة رجل يعرف تماماً عدد ما حطمه. ربما تحتفظ بسجل في مكان ما. وربما قائمة مرتبة بدقة. مرتبة أبجدياً".
بسط كاسيان يديه.
"لم أسمع بهذه الكلمة طوال حياتي".
خلفه، ضغط دمبلدور بإصبعين على صدغه. تزحلق تحديق فولدمورت من مارودر إلى كاسيان، ثم إلى يدي كاسيان، كأنه قد يلمح دليلاً على جريمة تحت الأظافر. وهس بين أسنانّه.
"أنت تكذب".
ارتدى كاسيان أكثر تعابير السخط لديه.
"ما كنت لأفعل أبداً. إن كنت قد أخفيت روحك في أثاث، فهذا أمر بينك وبين معالجك النفسي".
أطلق مارودر ضحكة حادة.
"أرأيتم؟ لهذا السبب يعجبني، يا توم. لا يمكنك إخافته. يعاملك كأنك مجرد مجنون آخر".
بدا فولدمورت على وشك رمي مارودر عن الجرف. تدخل كاسيان قبل أن يرتكب سيد الظلام جريمة قتل.
"حسناً إذن. أنتما هنا للدردشة مع غرينديلفالد. ونحن هنا للدردشة مع غرينديلفالد. لعلنا نتناوب؟ آخذ تذكرة؟"
تمتم دمبلدور: "كاسيان".
"ماذا؟ أنا أجعل الأمر فعالاً".
تضيّقتا عينا فولدمورت لتصبحا شقين.
"لن تتخذا أي إجراء".
نقرت كاسيان على ذقنه.
"أمر مضحك، حقاً. لأن ظهوركما هنا بلا موعد يبدو كتدخل ملحوظ".
قطع مارودر طريقهما قبل أن تخرج عصا فولدمورت.
"كفى تباهياً. نريد جميعاً معلومات. يحب غيليرت الجمهور. يمكننا تسوية هذا دون إطلاق لعنات".
هز كاسيان كتفيه.
"يناسبني. رغم أنه إن تعرض أُناس للعلعنة، فأنا أصوت لنبدأ بالرفيق الذي يحتفظ بأرواح احتياطية في درج جواربه. لا يبدو عاقلاً".
استنشق فولدمورت الهواء عبر أنفه الجزئي كأنه يعد حتى عشرة. ابتسم مارودر.
"رائع. عظيم. الآن، ألن نذهب جميعاً لنفسد ظهيرة مجرم حرب عجوز جداً وممل جداً؟"
رفع دمبلدور عصاه. البيضاء كالعظم. سقط وجه مارودر.
قال مارودر بضيق حقيقي: "وه، هيا. اعتقدت أننا اتفقنا على أن تتوقف عن تلويح تلك القطعة في وجهي".
ألقى نظرة على كاسيان كأن كاسيان سيحكم المباراة. هز كاسيان كتفيه.
"إنه رئيسي. لا يحق لي التصويت".
تنهد مارودر.
"مأساوي. كانت لدي آمال عريضة فيك".
لم يطرف دمبلدور حتى.
"هذه القلعة تحت حماية الحراس. لماذا، بحق الجحيم، ظننت أن بإمكانك التنزه هنا وإجراء دردشة مع غيليرت؟"
دقت عينا مارودر.
"استرخِ. لسنا هنا لإيذاء حبك القديم".
أصدر كاسيان صوتاً خافقاً باهتاً. تجاهله دمبلدور تماماً. أمال مارودر رأسه نحو فولدمورت.
"يحتاج توم إلى إجابة. هذا كل ما في الأمر. زيارة سريعة، سؤال أو سؤالين، ولن يمت أحد. إلا إذا كان مزاجه متعكراً، لكننا سنتعامل مع الأمر".
لم يبدو فولدمورت مبتهجاً بالحديث نيابة عنه، لكنه لم يصحح له أيضاً. شبك كاسيان ذراعيه.
"حسناً. هذا مريح".
عصفت الريح حول الحافة، تجذب العباءات. أربعة رجال. مجموعتا نوايا. موعد عرضي سيء للغاية.