تدحرج كاسيان هابطاً عند وصوله، ورفّت عصاه في الهواء فوراً.
"كونسورس أومبرا."
خفت العالم، وانقبض حوله، ثم اختفى مبتلعاً في ضباب المقبرة. انزلق اللون على جلده مخفياً إياه جهاراً نهاراً. دوّى الارتطام في أضلاعه. جرح الحصى كفّه حين انزلق متوقفاً خلف شاهد قبر معوجّ. احتبس أنفسه. سرت نفضة في جسده محرقة عروقه، كان سحره يرفس من داخل أضلاعه. ارتجفت أصابعه قبل أن يجبرها على الثكون. أمعن النظر حوله. قبور قديمة. تماثيل ملتوية. أضرحة محفورة الأسماء بنصفها بفعل الزمن.
أينما كانوا، لم يُستعمل المكان منذ عقود. المكان الذي يتجنبه الأشباح غالباً. التفتت نبتة رفيعة بكسل حول قدم ملاك مكسور. في الفسحة أمامهم، تدلى مينغيو كأرنب مصطاد. أمسك به مؤدي من تلابيب ردائه ضاغطاً بعصاه على عنقه.
"ما زلت أستطيع رؤيتك يا كاسي"، نادى بارتي بينما استقرّت عين مؤدي الصناعية باتجاه المكان الذي انحنى كاسيان خلف الحجر.
ضاقت ابتسامته لتصبح أكثر حدّة.
"كان عليك تخريب خطة السيّد، أليس كذلك؟ عملت بجهد لإحضار بوتر إلى هنا، مرتين، وأفسدتها أنت في المرتين".
أجابه حفيف خافت من تحت التراب، كالكرمات وهي تشتد حول الحجر. بقِي كاسيان منحنياً. تدفّقت نفضة أخرى تحت جلده. جزّ على أسنانه. أكانت هذه ردّة فعل الكأس؟ عقوبة لإيقاف البطولة؟ أكان يُعاقب؟ عضّ على لسانه بينما حرثت يده الحرّة التربة تحته.
"أتدري كم كان صعباً إدخال اسمه في تلك الكأس؟ خصوصاً بعد أن طردوا أبي من مكتبه".
زمجر بارتي وصوته يتردد بين شواهد القبور.
"اضطررت للتسلل عبر حمايات أكثر ممّا أستطيع عده لألقي عليها تعويذة الارتباك قبل أن يوقظوا اللعينة. جرعة تحول في نومي، وسحر حتى التخمة، وتلك الكأس اللعينة، العجوز لا تزال تعض إن استعجلتها. لكن لا. كان عليك لعب دور المعلم الذكي الصغير، أليس كذلك؟ كاسي روزيه اللعين، ما زلت تقف في الطريق كأنك تلعب دور جليسة أطفال هوغوورتس".
ضغط بارتي بعصاه أكثر في عنق مينغيو المذعور.
"أتدري كم لي أُبني هذا؟ كم انتظر؟"
انتفضت يده في الهواء كأنه أراد رمي شيء.
"أنت لا تحب الفتى حتى!"
خرج كاسيان من خلف القبر.
"أجل"، قال بصوت مستوٍ.
"لكنّي أُحبّك أقلّ".
كادت ركبتاه تخوران حين اخترقت موجة أخرى سرّته، وانكسر سحر ضد أضلاعه كسلك مفرط الشدّ. أخفاها بخطوة أخرى، متقدّماً قبل أن يراه أحد بحق الجحيم الذي يحدث لي؟ نظر بارتي إلى كاسيان بلمحة مباغتة، فوقعت عيناه على البياض عند صدغيه. ضحك بصوت قبيح وصاخب.
"أهذا ثمنه إذن؟"
سخر.
"تتدخل في البطولة ويبدأ نزع الزمن منك؟"
اتسعت ابتسامته.
"هذا مضحك. أراهن أنك لم تقرأ التفاصيل الدقيقة، أليس كذلك؟ ستُعاقب على خطاياك. هذه هي العدالة!"
حدّق كاسيان بضيق: "ألم تتدخل أنت أيضاً في البطولة؟"
أمال مؤدي رأسه. ومع ابتسامة بارتي المرتسمة على وجهه الملتوي، كان التعبير مقلقاً للغاية.
"أنا؟"
قال بلطف.
"كل ما فعلته هو سحب شخص لا علاقة له إلى وسط المتاهة قبل أن تبدأ المرحلة النهائية حتى. ثم جلست وأنتظر وصول البطل. بل كنت أنوي حمايته... بالتخلص منك".
أطبق كاسيان على فكيه.
"أفعلت كل هذا من أجل فولديمورت؟"
قال كاسيان ناظراً حوله.
"الرجل الذي لا يستطيع حتى الموت بلياقة؟"
أثار ذلك تشنجاً في عين بارتي.
"إياك وإهانة سيّدي يا كاسي".
أمال كاسيان رأسه.
"لمَ لا؟ وأين سيّدك العزيز؟ آخر مرة رأيته كان ملتصقاً بمؤخرة جمجمة كويريل، مثيراً للشفقة، عاجزاً. هُزم أمام ابن أحد عشر عاماً ثم تشتت كالتراب الذي هو عليه. بصراحة، توقعتُ أكثر".
احمرّ وجه بارتي كأنه ابتلع حمضاً. وقبل أن يستطيع الردّ، اخترق صوت أرجاء المقبرة.
"كفاك يا بارتي".
تجمّد بارتي في منتصف نفسه منزلاً رأسه ومستقيماً بظهر.
"حاضر، يا سيّدي".
خرج شخص من الظلال خلفه حاملاً أقبح طفل رآه كاسيان حتى تاريخه. شاحب، ضامر، شبه مكتمل، كلعظة لا تزال في مسودتها. لكن لم يكن هذا ما جمّد كاسيان. بل الرجل الذي كان يحمله. لوسيان. أمال رأسه قليلاً متفحصاً إياه.
"مرحباً أيها الأخ الأصغر".
بقيت عصا كاسيان في الهواء.
"لوسيان؟"
أمال لوسيان رأسه.
"ظننتك ستقدر الدراما. طالما امتلكت موهبة لها".
أمعن كاسيان النظر في المخلوق بين ذراعيه ثم عاد بصره إليه بحق الجحيم تفعل معهما يا لوسيان؟ أجنّ عقلك اللعين؟
وما بحق الجحيم الذي تحمله؟"
اختلج فم لوسيان.
"ما زلت تكثر الكلام".
"أنا مصدوم. دعني أتعامل مع الأمر".
فولديمورت فحيحاً: "كفى".
أحنى لوسيان رأسه.
"حاضر، يا سيّدي".
اصطكت أسنان كاسيان.
"لماذا؟"
قال: "لماذا تفعل هذا؟"
لم يجب لوسيان. بل وقف مكانه منكس الرأس. رفع كاسيان عصاه لكن الحركة تموجت عبر القبور خلف فولديمورت. خرجت أشكال في صف بطيء وقاتم. لوسيوس مالفوي، نوت الأب، كراب الأب، غويل الأب، وبالطبع آل سيلوين، وكلهم متلفعون برداء آكلي الموت.
"لا تقتله بعد"، قال فولديمورت بصوت كمسمار يخدش زجاجاً.
بصق كاسيان لعنة تحت منخريه. أدار سيّد الظلام رأسه باتجاه بارتي.
"أفشلت في إحضار بوتر؟"
سقط بارتي للأمام غارساً يديه في الحصى. رؤية مؤدي جاثياً على أربع أمام فولديمورت كانت مشهداً ملعوناً.
"عذراً يا سيّد"، قال بارتي.
"أفسدها كاسي".
تفرّست عينا فولديمورت بكاسيان.
"نجل. إنه يفسد أشياء كثيرة".
لم يجب كاسيان. بل تفحص الجمع بدلاً من ذلك. كان فولديمورت يرمقهم كأنه يختار أيهم يكسر أولاً. ثم انزلق بصر فولديمورت إلى مينغيو. تيبّس الفتى. انكسر صوته.
"لـ-لا تقتلني. جدي نائب مدير فنغتشوانغ. بإمكاني الانضمام إليكم".
كاد كاسيان أن يئنّ. أمال فولديمورت رأسه دارساً إياه وكأن الفتى كومة طين أسقطها أحدهم عند قدميه.
"لا أطلب ولاءك. وفنغتشوانغ..."
تحول صوته الخشن إلى همس، "...يخصّ مارودر الفنغ شوي".
مال لوسيوس نحوه قليلاً.
"يا سيّدي، لقد قُتل مارودر الفنغ شوي".
توقف فولديمورت مُميلاً رأسه قليلاً.
"قُتل؟"
أعاد بصوت مقطر بالازدراء.
"مارودر الفنغ شوي لا يُقتل".
جعلت طريقة قوله للأمر يبدو سخيفاً، كمن يدعي أنه سبق الريح أو لعن المحيط. تيبّس لوسيوس. وتحرك آخرون بانزعاج. لم يكن الأمر منطقياً. ففي النهاية، اختفى الرجل منذ سنوات. وتقارير دولية، واستخبارات سحرية، وحتى مذكرات الوزارة أكدت ذلك. تحول مارودر الفنغ شوي إلى رماد. بدأت الجلبة حين ادعى لوكهارت قتله. لكن حين انفضحت أمر لوكهارت، ولم يظهر أي أثر للمارودر مجدداً، ظن الناس أن الأمر صحيح فقط وأن لوكهارت سرق الفضل.
وقبل أن يتسنى لأحد النطق، تقدّم مينغيو.
"إنه ليس ميتاً!"
قال مسرعاً.
"جدي والمارودر يعملان معاً. إنه يتخفى".
أصدر فولديمورت صوتاً خفيفاً كأنه يتذوق شيئاً غريباً على لسانه.
"إذن فالأمر أسوأ"، قال بهدوء.
"لديّ دمبلدور يتشمم عند أبوابي أصلاً. لست بحاجة لجي يتربّص بي أيضاً".
نظر إلى مينغيو مطولاً.
"لذا لا يمكنني توظيفك".
ثم ألقى نظرة على حلقة الأشخاص المرتدين رداءً مفكراً.
"لكن لا يمكنني قتلك أيضاً. ليس ما لم أخرس كل شخص هنا".
مرر نظره على الحلقة ببطء. وكأنه كان يفكر جدياً بقاتل كل من هناك.
"لا"، قال في النهاية.
"أبكر من أن أدعو الصين للحرب".
رفع ذقنه.
"بارتي. اجعله يوقع عقداً دمويّاً. سنطلق سراحه لاحقاً".
لوّح بارتي بعصاه فانقبضت حبال حول ذراعي مينغيو وجذعه شارّة إياه للخلف نحو شاهد قبر مائل. لم يقاوم الفتى، كان مشغولاً بمحاولة عدم الإغماء.
"والآن"، قال فولديمورت بهمس، "لنستأنف".
اصطكت أسنان لوسيوس.
"وماذا بشأنه يا سيّدي؟"
لم يكلف نفسه عناء التظاهر حتى. كانت يده الحاملة للعصا ترتجف مصوبة مباشرة نحو كاسيان. لم ينظر فولديمورت إليه.
"أعلم أنك تكرهه أيضاً يا لوسيوس. لكني قطعت وعداً".
كان صوته بارداً.
"لوسيان سينهي أخاه".
أحنى لوسيوس رأسه مخفياً بالكاد التواء فكه.
"حاضر، يا سيّدي".
"لكن من دون بوتر..."
تابع فولديمورت. تكلم لوسيان بتردد متوخياً الحذر في كل كلمة.
"يا سيّدي، لتغفر جرأتي. الطقس تتطلب دم عدوك، أليس كذلك؟"
رفع فولديمورت بصره عن يدي لوسيان.
"تكلّم".
خفض لوسيان رأسه.
"إنه لقاؤنا ببارتي... وكمهدية للمناسبة، أحضرت شخصين قد يبهجانه".
ابتسامة خافتة سحبت فمه.
"إنهما خصماك أنت أيضاً بالمناسبة".
همهم فولديمورت.
"أحضرهما".
تجمّد كاسيان حين دفع أحد آكلي الموت كرسيين متحركين إلى الفسحة. فرانك وأليس لونغبوتوم. جلسا بتصلّب على مقعديهما، شاحبين تحت ضوء القمر وعيناهما فارغتان. بلا أي ومضة تعارف. ولا حتى اختلاج. أطبقت أصابع كاسيان بشدة على عصاه حتى سُمِع صرير الخشب.
"يا سيّدي"، تقدّم لوسيان بجوار الكرسيين بصوت عالٍ جداً ولأجل مصلحة المتجمعين بوضوح، ملوحاً كأنه يكشف عن تحفة فنية ومتأكداً من سماع لوسيوس والآخرين لكل كلمة.
"هذان..."
قال بمرح يكاد يكون، "حطمهما بارتي. عُذّبا، الليلة التي رفـ- لقد حزن".
انقلب معدة كاسيان. تابع لوسيان.
"بحث في منزلهما عن أدلة. اصطاد أي أثر لك. لم ينم، لم يتوقف. كان إخلاصاً، نقياً وصافياً".
وقف بارتي جانباً مُميلاً رأسه. وبدا سعيداً برواية لوسيان. وحين أدار فولديمورت رأسه قليلاً ليلمحه، استقام بارتي أكثر. كأن حطام آل لونغبوتوم المكسور كان أوسمة تُثبت على صدره. فحص فولديمورت آل لونغبوتوم للحظة ثم التفت بفضول خفيف.
"تبدو عقولهما تالفة"، قال.
"ماذا فعلتم؟"
لم يتغير وجه بارتي.
"كنتُ... تائهاً يا سيّدي"، قال ببساطة.
"لقد ذهبت. ظننتُ أنهما يعلمان شيئاً، أي شيء. احتجت إجابات".
رسم ابتسامة خافتة.
"لذا واصلت إلقاء كروشيو مراراً وتكراراً. حتى توقفا عن الصراخ".
قالها كأن الأمر بديهي. كأن أي أحد كان سيفعل المثل. همهم فولديمورت غير مسرور ولا غاضب.
"بلا عقل، يكون الخبث ضئيلاً".
تقدّم لوسيوس مسرعاً.
"يا سيّدي، إن سمحت-"
أدار فولديمورت رأسه. انحنى لوسيوس بخفة.
"الروزيه هنا. وهو مسلح. خطر. وإن كنت تبحث عن عداوة-"
"لا"، قاطعه فولديمورت.
"لا أشعر بأي عداوة منه. غالباً ما تكون تعويذة تحجبها. مثير للاهتمام، لكنه لا يستحق المخاطرة".
صمت لوسيوس. تحرك نوت الأب بجواره.
"إذن فلنجد غيره. شخصاً مناسباً. بوتر حتى..."
"ليس لدينا وقت"، قال فولديمورت بحزم.
"قد يحاول دمبلدور إيجادهما".
عاود النظر إلى آل لونغبوتوم.
"سيكون الأمر أنظف لو عاد الوعي إليهما. بالقدر الكافي ليكرها على الأقل. لكنت فعلت لو امتلكت قوتي. لكن... دمهما سيقضي الغرض حالياً، جزئياً على الأقل".
"أسيجدي نفعاً حقاً يا سيّدي؟"
سأل غويل ناظراً للزوجين.
"الدم دم"، تأمل فولديمورت.
"لكن الدم الذي يقاوم يحرق بسخونة أكبر".
جف حلق كاسيان. طقطق فكه حين أجبره على الانغلاق. ابتلع بصعوبة وحلقه يحترق. لو استمر هذا بالتصاعد، فلن يهم من يقتله أولاً، فربما تتولى البطولة الأمر عنهما.
"تركتهما هكذا. حطمت عقولهما حتى نسيا كيف يبكيان. والآن تعرضهما كدمى حفلات؟"
قال ناظراً ببرود إلى بارتي ولوسيان. هزّ لوسيان كتفيه.
"أفضل من إهدارهما في ممر مستشفى ما، ألا تظن؟"
أمال بارتي رأسه والتوى فمه كأنه يمضغ شيئاً حامضاً.
"هيا بحقك، لا تصبح ليّناً الآن يا كاسي. اعتدت حب تعذيب الأصغر منك. إن استطعت إيجاد شخص أصغر منك أصلاً".
ضحك لوسيان بخفتة. لم يفعل كاسيان. انتفضت عصاه صعوداً، لكنه لم يبلغ مداه. تحرك ستة آخرون أسرع، مصوبين عليه كأنهم ينتظرون ذريعة. بدا لوسيوس كمن سينفجر عرق لمجرد استنشاق الهواء ذاته. برمشة عين، سينهضون جميعاً عليه. ترك ذراعه تسقط.
"لنبدأ. لن ينهي دمهما الأمر، لكنه سيبدؤه. وما إن أستطيع الوقوف، فستجلبون شيئاً يكرهني حقاً".