اعتدل كاسيان في وقفته مبتعداً عن المِرجل، كان شعره يمارس فوضى عارمة؛ خصلاتٌ تقف، وأخرى تلتف في أماكن غريبة، وبريقٌ غامضٌ لا مكان له هنا يتسلل بين طياته.
استقرّت نظّارات حماية من طراز «مغل»
سميكة على جبهته، إحدى عدستيها ملطخة بالسخام، والأخرى يغشاها ضبابٌ من بخارٍ ما انبعث لتوّه من المِرجل.
تدلّت معطف المختبر فوق رِدائه، تلطخه بقعٌ خضراء، وشيءٌ يشبه الهلام أو قشور «باسيليسك»
محترقة. ربما كلاهما. لم يجرؤ أحدٌ على السؤال. ارتدى قفازات مطاطية صفراء فاقعة، من النوع المعتاد لغسل الأطباق، وقد ذاب نصف إصبع أحدها. كانت حذاؤه محمية بتعويذات ضد الانسكابات، ومع ذلك، كان ثمة شيءٌ يغلي بضعف على أحد نعليه. بدا، بصراحة، كعالم مجنون ودود من الحي، من النوع الذي لا تمانع وجوده في نهاية الشارع، طالما ظلّ دخانه في جانبه من السياج.
قال وهو يمسح أثر شيءٍ مجهول عن خدّه بظهر معصمه: "أخيراً، ظفرنا به".
أما باثشيدا، فكانت تجسيداً للهدوء المنسّق والخطوط النظيفة. رداءٌ وعصا سحرية فقط. كان السحر يغلفها كأنّه مئزرٌ غير مرئي.
أومأت وهي تحرّك المزيج ببطء: "يبدو ذلك".
تصاعدت رائحةٌ كأن شيئاً ما مات مرتين.
"لم أتخيل يوماً أنني سأكتشف الرائحة التي تثير غثياني بهذه الطريقة".
نزع كاسيان القفاز وتركه يسقط ببلل على الطاولة.
"أشعر وكأنني استنشقت أقداماً عتيقة لساعة كاملة".
"لقد فعلت".
"رائع".
نخس جانب المِرجل بطرف عصاه. أصدر المِرجل فحيحاً رداً عليه، وتصاعدت فقاعاتٌ من مادة لزجة كثيفة. تماوج السطح، ثم قذف شرارة بنفسجية ارتطمت بالأرض وحاولت الزحف مبتعدة.
وجّهت باثشيدا عصاها نحوها: "توقفي".
تجمدت الشرارة. أزّت. خمدت. نظّف كاسيان نفسه بتلويحة من عصاه. انكمش شعره قليلاً، واستعاد وجهه لونه المعتاد، وتلاشت بقايا القفاز عن أصابعه.
تمتم وهو يحدّق في المِرجل: "سنصلح ذلك الجزء لاحقاً".
ثم ابتسم.
"لآن، هنيئاً لنا، لقد وجدنا كاشفاً لجرعات العشق".
ابتسمت باثشيدا أيضاً، لكنها لم تقترب. كانت الرائحة لا تزال مقززة.
كانا يعملان على هذا منذ سنوات، يعبثان بالمضادات، ويبنيان سلاسل المقاومة، ويجادلان في نظريات الجرعات التي لم تُحدّث منذ أن قرر أحدهم أن «أمورتينتيا»
لا تحتاج إلى رقابة لأن "الحب الحقيقي يقهر كل شيء".
لم تحظرها الوزارة قط، بل اكتفت بلصق بطاقة تحذير عليها وتركت المتاجر تبيعها كأنها علكة رومانسية. لذا، قرر كاسيان وباثشيدا تولي الأمر بأنفسهما. قضى كاسيان أشهراً في تدريس كل شيء، ولم يتبقَّ سوى جعل الطلاب يستنشقون حسرة القلب في زجاجة.
بين التاريخ، والنظرية، وعدد من تدريبات الترياق الحقيقية، قدّم دروساً عن «أمورتينتيا»
أكثر مما قدّمه معظم سادة الجرعات طوال مسيرتهم المهنية. كلما درّس أكثر، زادت حدّته، وتصاعدت مهارته بسرعة.
بحلول الوقت الذي بدآ فيه اختبار الانعكاسات، كان كاسيان قادراً على تفكيك بنية «أمورتينتيا»
في نومه وتمييز رائحة مكوناتها من رواقٍ بعيد.
"أن تتحول الآثار الجانبية لـ «أمورتينتيا» - تلك الرائحة التي تحبها أكثر من أي شيء - إلى شيءٍ يثير غثيانك..."
جعد كاسيان أنفه.
"مذهل. ومقزز. لكنه مذهل".
غطّى أنفه بيده.
"رائحته عندي تشبه الدبس المحروق، والرقّ المبلل، و... أيّاً كان ما كان يخفيه خزانة الجرعات تلك الفصل الماضي. أشعر بالإهانة على المستوى الشخصي".
كانت تلك باقة الروائح التي يتجنبها في حياته؛ سكر محروق، كتب قديمة تركت في قبو، وذاك الأثر الطبي الغريب من فصل دراسي لم يقم هو بتفجيره بالتأكيد.
أومأت باثشيدا وهي تلوّح بيدها أمام وجهها قليلاً: "تفوح هنا رائحة حبرٍ عتيق وكرنب دافئ. أظن أن خزانة ملابس جدتي عادت لتطاردني".
مال بالمِرجل قليلاً، يراقب المزيج وهو يستقر.
"هذا جيد في الواقع. استجابة نفور قوية. يعني أنه يعمل".
"أو يعني أنني سأتقيأ في حذائك".
رمقه كاسيان بنظرة.
"أنتِ امرأة بالغة. صوّبي نحو المغسلة".
تجشأ المِرجل مجدداً، وقذف هذه المرة شيئاً بدا بريبة كقلب نصف مذاب. أزّ على الحجر بفرقعة.
أشار كاسيان إليه: "الرومانسية".
لم تجب باثشيدا. كانت تدون ملاحظاتها بالفعل، وشفتها مضغوطتان بإحكام. مال فوق كتفها.
سألت: "إذن، نقدّم الأوراق؟".
ابتسم كاسيان: "بالطبع".
وهكذا وُلد «حمام الورد».
بدا الاسم رقيقاً. وعد برائحة حلم.
لكن المنتج، في المقابل، كان قادراً على طرح «تُرول»
أرضاً.
عندما بدأ الاسم يتردد في أرجاء «النبّي»، ظن الناس أنه خط عطور جديد.
شيئاً راقياً. فرنسياً على الأرجح. وباهظ الثمن بالتأكيد. من النوع الذي تهديه لعشيقتك إذا كنت ساحراً ذا أخلاق مشكوك فيها وفائض من الذهب. لم يتوقع أحد أن يكون كاشفاً لجرعات العشق.
وأقل من ذلك، أن يكون من تطوير كادر «هوجوورتس».
لم يتعجل كاسيان وباثشيدا الأمر. تركا الشائعة تتخمر.
دفعا لبعض النمامين ليهمسوا في الزوايا المناسبة، وألقيا إعلاناً مجهولاً واحداً في «أسبوعية الساحرات»، لم يحتوِ إلا على بتلة ورد وعبارة: "استنشق الحقيقة".
بحلول الأسبوع الذي سبق عيد الحب، تحوّل الترقب إلى حالة من الهوس الصغير. أثناء العشاء، وقف الاثنان عند الطاولة الرئيسية. سكنت القاعة في ثوانٍ.
طلاب «هوجوورتس»، والمدارس الخمس، والضيوف، والأساتذة، الجميع التفتوا ليحدقوا.
قدّم كاسيان ابتسامة ساحرة، ويداه غائرتان في جيوبه.
"مساء الخير. إذا كنتم تتساءلون لماذا قررت أنا وأستاذة الرونات القديمة الموقرة مقاطعة وجبتكم، فلا، نحن لن نهرب معاً. لكن لدينا إعلان".
رفع زجاجة صغيرة. بلون وردي شاحب.
"هذا، يا طلابي الأعزاء وأساتذتي المصدومين، هو أول كاشف لجرعات العشق معتمد قانوناً، ومعترف به وزارياً، وذو رائحة كريهة تماماً".
كان الصمت الذي أعقب ذلك مدوياً لدرجة أن كاسيان انتفض، كأن أحدهم أسقط شوكة على طبق في قلب جنازة. ثم اندلع الضجيج، وهمسات تتطاير في القاعة، وهتافات ترتفع من بعض الزوايا الشجاعة، وشهقاتٍ صريحة. لم يكن حال طاولة الأساتذة أفضل كثيراً. منح كاسيان القاعة ابتسامة مشمسة.
"طريقة الاستخدام بسيطة وممتعة. قطرة واحدة في كوب ماء، وفويلا، إذا كان أي شيء قريب مسموماً بجرعة عشق، سيتفاعل. يعكس الأثر الجانبي".
بدت «ماكسيم»
مذعورة: "أي أثر جانبي؟".
قالت باثشيدا وهي تبتسم بالفعل: "الرائحة".
أومأ كاسيان: "يقلب الآية تماماً. أيّاً كانت الرائحة التي تتظاهر الجرعة بأنها هي، ستصدمك برائحة الخوخ المتعفن، أو جوارب جدتك المفضلة. يعمل فوراً، ولا، قبل أن تسألوا، لا ينفجر. لقد اختبرنا ذلك".
نهض «سنيب»
بحدة جعلت كرسيه يصرّ.
"سأكون أنا الحكم في ذلك".
بدا مهاناً شخصياً في كل مرة يخترع فيها أحدهم جرعة دون استشارته أولاً. بتلويحة من عصاه، انطلقت زجاجة من مكان ما أسفل القلعة واستقرت في يده. نزع السدادة، وكان التأثير فورياً؛ استنشق نصف القاعة الهواء كأنهم دخلوا مخبزهم المفضل، أو مرجاً، أو متجراً للعطور. أيّاً كانت الرائحة التي أرادت الجرعة منهم شمّها، فقد قدمتها.
كاسيان، الذي كان يبتسم كأنه انتظر هذه اللحظة بالذات، مدّ زجاجة «حمام الورد».
"تفضل، يا سيفيروس. لنفسد بعض الأمسيات".
لم يبتلع «سنيب»
الطُعم. خطف الزجاجة، وأسقط قطرة في كوب ماء، فتشققت القاعة بصوت حاد صغير، كأن جليداً ينكسر. ضرب التفاعل القاعة دفعة واحدة. كل طالب كان في منتصف استنشاق لذيذ، اختنق. انحنى البعض.
وضعت طالبة من «هافلباف»
يدها على فمها.
شهق أحدهم في «رافينكلو»: "جوارب «ميرلين»، ما هذا؟".
اجتاحت الرائحة القاعة كموجة؛ تعفن، حساء كرنب، حسرة قلب، أيّاً كان ما يبغضه كل شخص أكثر من غيره. لم ينجُ أحد. حتى الأساتذة تراجعوا. راقب كاسيان كل ذلك بابتسامة عريضة، في غاية الغبطة.
"ها هي ذي".
وقف «سنيب»
متصلباً فوق الكوب. لم يتحرك وجهه، لكن أدقّ ارتعاشة في فكه أشارت إلى أنه شمّ شيئاً من الجحيم الشخصي الذي اختاره له الترياق.
تنحنحت باثشيدا: "كما ترون، الترياق يعمل. فوراً".
وضعت «بومفري»
يدها على أنفها: "يا «سيرسي» اللطيفة، حذرينا في المرة القادمة".
هز كاسيان كتفيه: "لو شممتِ ورداً، لاتهمتِنا بالكذب".
حول القاعة، كان الطلاب لا يزالون يصارعون الرائحة العالقة. تلاشت ابتسامة كاسيان عن وجهه. نظر إلى القاعة، بملامح جامدة.
قال بنبرة هادئة أكثر مما ينبغي: "أكره أن الناس يحتاجون لجرعة من أجل هذا. في عالم سوي، لم يكن أي من هذا ضرورياً. لكننا هنا".
تحرك بضعة طلاب، يحاولون تجنب التقاء الأعين معه. جلس آخرون متجمدين، وأيديهم مضغوطة على أنوفهم.
تابع كاسيان: "ستُباع هذه بسعر التكلفة. بلا ربح. ولا حتى «كنوت» واحد. إن كان لي أن أفعل، سأقوم بتهريب صناديق منها إلى المدارس مجاناً. والمتاجر أيضاً، بمجرد أن نرتب خطوط الإمداد".
شبكت باثشيدا ذراعيها، تراقب الطلاب.
قال كاسيان: "لقد ضغطت أنا والأستاذة «بابلينج» من أجل هذا لأن جرعات العشق مقززة. ومن يستخدمونها أسوأ".
ساد القاعة صمت.
تابع كاسيان: "الآن وقد أصبحت هناك طريقة لاكتشافها قبل أن تصل إلى مشروبك، دعوني أكن واضحاً بشكل مؤلم... إذا ضُبط أي شخص هنا بهذا الشيء، يستخدمه، أو يخمّره خارج الفصول، أو يضعه في أي شيء حتى لو كان عصير اليقطين، سيكون الطرد أقل مشاكلك".
أطلق أحدهم بالقرب من طاولة «سليذرين»
زفيراً خائفاً صغيراً. سمع كاسيان ذلك.
مال إلى الأمام قليلاً: "جرّبوني".
لم يتنفس أحد في الغرفة. اعتدل، ونفض يديه على ردائه كأنه انتهى من مسح سبورة، ونظر إلى باثشيدا. أومأت له. التفت كاسيان مجدداً إلى القاعة.
"حسناً. استمتعوا بعشائكم".
وهكذا، اندفع الضجيج عائداً إلى القاعة، همسات، أنين، وطلاب يهوون ياقاتهم كأنهم يهربون من تسرب غاز. لوّح بيده، وبدأت الرائحة في القاعة تتلاشى أخيراً.
بينما كانا يتجهان عائداً إلى مقعديهما، تمتم كاسيان: "أظن أنهم تقبلوا الأمر جيداً".
لم ترفع باثشيدا نظرها: "أظن أن نصفهم قد ينامون والأضواء مضاءة".
"جيد. هذا يبقيهم صادقين".
ثم انهار كل شيء في الجحيم. دوى صوت تكسر زجاج حاد. التفتت الرؤوس.
اهتزت طاولة «هافلباف»، وصاح أحدهم.
اتجهت أنظار كاسيان نحو الطرف البعيد من قسم «بوباتون».
كانت «فلور»
واقفة. تحطم طبقها، وتلألأت قطع الزجاج عند حذائها. لم تكن تعابيرها غاضبة. كان الأمر أسوأ. اشمئزاز، صريح وغير منقّى، التوى على وجهها كأنها داست على شيء دنيء. تجمد كاسيان في منتصف خطوته. باثشيدا، التي كانت قد استدارت للجلوس، التفتت مجدداً، وكلاهما يحدقان.
قال كاسيان ببطء: "أوه. هل الرائحة قوية جداً؟ هل هناك آثار جانبية لـ «فيلا» يجب أن أعرفها؟".
انتقلت عيناه إلى «جابرييل»، متوقعاً ربما رد فعل مماثلاً.
لا شيء. بدت الفتاة بخير. هادئة. مشمئزة. مرتبكة، لكنها بخير.
تغضّن جبين باثشيدا: "إنها لا تتفاعل مع الرائحة".
تتبع كاسيان خط نظر «فلور».
لم تكن تنظر إلى الزجاجة. أو الطاولة الرئيسية. كانت تنظر مباشرة إلى مينجيو.