انتهى العام وركب كاسيان القطار من هوغسميد رفقة الطلاب ليس لأنه مجبر بل لأن الانتقال الآني يشق عليه واستدعاء قزم منزلي لمجرد إعادته يتطلب جهداً أكبر من طاقته. إضافة إلى ذلك كان يعشق القطارات. إيقاعها المنتظم والهمسات الخافتة المتسربة بين المقصورات والمناظر الخاطفة خارج النوافذ تمنحه شعوراً عجيباً بالاستقرار وببساطة هادئة عجز السحر يوماً عن تقليدها. كان قطار هوغوورتس إكسبريس صاخباً كعادته.
صغار الطلاب يثرثرون بحماس عن خطط العطلة بينما يتكئ الكبار على مقاعدهم متعبين من الاختبارات. حاول بعض العرفاء حفظ النظام بلا حماس لكن أحداً لم يعرهم اهتماماً. انتهى الفصل الدراسي وتخلت القلعة عن الانضباط. جلس كاسيان مع اثنين من طلاب السنة الثانية في مقصورته يقلب كتاباً استعاره من المكتبة… كتاب نسي تماماً إعادته قبل مغادرته. ربما تلقى محاضرة من السيدة بينس بشأنه لاحقاً.
لكن الأمر لم يكن ذنبه ففي الليلة التي كان يزن فيها أمر إعادته تعرض مولفورد للعنة. توقف القطار في محطة كينغز كروس وخطا كاسيان إلى الرصيف مندمجاً بسلاسة في تدفق الطلاب العائدين إلى عائلاتهم. كان لوشيان ينتظر قرب مخرج المحطة يبدو في أبهى حلة كعادته بردائه الداكن. وقفت ابنة عمه الصغرى أوديت بجانبه ويداهما مستقرتان في جيبي عباءتها. رمقته بعينين زرقاويتين خاليتين من الإعجاب قبل أن تحول اهتمامها مجدداً نحو لوشيان كأنه الوحيد الجديق بالالتفات.
اقترب كاسيان من مجموعة عائلة روزيير المنتظرة ورفع يده بتحية خفيفة.
"امضوا قدماً أنتم. سأستعمل النقل العام."
رفع لوشيان حاجبه بلا مبالاة.
"ماذا؟ حافلة الفارس؟ أتشعر بروح المغامرة؟"
بدت سيلينا مهتمة لثانية لكنها عدلت عن التعليق فيما جعدت أوديت أنفها بتلك الطريقة المتعجرفة التي لا يتقنها إلا ابن الثانية عشرة.
"الأقزام هنا يا ابن عمي. لا تكن مزعجاً."
أطلق كاسيان شخير خفيف ومد يده ليعبث بشعرها الفضي المرتب بدقة قبل أن تتمكن من تفاديه.
"لا تقلقي بشأني يا أوديت."
أطلقت زفيراً حاداً وابتعدت وهي تعدل شعرها إلى مكانه وعيناها تشتعلان غضباً.
"أنت أسوأ البشر."
"صفة عائلية"
قالها بابتسامة متجاوزاً إياها قبل أن تحاول الانتقام. هز لوشيان رأسه مرجحاً في ظن واضحة جدوى الحديث مع كاسيان ليعزف عنه تماماً في النهاية.
"ستندم على ذلك"
هذا كل ما قاله قبل أن يدير عقبه ويتجه نحو منطقة الانتقال الآني تتبعه أوديت. بقيت سيلينا واقفة تطالع كاسيان بمزيج من التسلية والفضول.
"حافلات وقطارات العامة حقاً؟"
هز كتفيه.
"ولم لا؟ كان قطار هوغوورتس ممتازاً. فلأكمل التجربة إذن."
ابتسمت سيلينا برقة.
"فقط إياك أن تضيع. قضيت معظم حياتك تتنقل آنياً."
"أنا واثق من قدرتي على التدبير."
ألقَت عليه نظرة اخيرة قبل أن تلحق ببقية العائلة تاركة كاسيان وسط محطة كينغز كروس يراقَب مجموعة عائلة روزيير وهي تختفي بين الحشود. توقف كاسيان سريعاً عند الوزارة ليحول بعض عملات الغالون إلى جنيهات. المكان الذي يقصده إن وُجد أصلاً لن يقبل سوى أوراق نقدية مقرمشة. استقل قطار الأنفاق. جزئياً لأنه يستطيع فعل ذلك وجزئياً لأنه افتقد مراقبة طريقة عيش العامة بلا سحر. كانت المحطة تعج بصخب ساعة الذروة المعتاد…
رجال أعمال ببدلات رسمية وأمهات مرهقات يصارعن أطفالاً ومراهقون متجمعون في مجموعات ضاحكة صاخبة. وصل القطار بصوت صرير مكابح فصعد إلى داخله ووجد زاوية ليستند إليها بينما اهتزت العربة إلى الأمام. بعد محطات عدة غير اتجاهه منزلقاً عبر المحطة كأنه فعل ذلك ألف مرة وهو كذلك بالفعل. بدا خريطة قطار الأنفاق فوضى عارمة لمعظم الناس بخطوطها وزواياها المتقاطعة لكنه كان يعي معناها تماماً.
يعرف أين يقف وأين تفتح الأبواب وأين تتجمع الحشود. وصل في النهاية إلى الوجهة التي تدور في ذهنه. وسواء أكانت موجودة في هذا العالم أم لا فأمر يخص عالماً آخر لكن هدفه كان مكتبة صغيرة منعزلة اعتاد زيارتها في حياته السابقة. خطا إلى الخارج ورفع بصري نحو اللافتة. كتب عليها: كتب وخرائط تانر النادرة. آه. لا تزال هنا. دفع الباب فغمره فوراً عبق الورق القديم والحبر المألوف. المكان مطابق تماماً لما تذكره.
خافت الإضاءة والرفوف مكدسة بالكتب بعشوائية وصوت خافت لراديو يصدر أزيزاً من الخلف… الجلوس وراء الطاولة كان لرجل طاعن في السن يقلب صفحات دفتر حسابات. رفع بصره ملقياً على كاسيان نظرة سريعة فاحصة.
"تبحث عن شيء محدد؟"
تقدم كاسيان بخطوات أعمق وعيناه تمسحان الرفوف.
"نصوص قديمة. يفضل أن تعود إلى ما قبل الحضارة."
تمتم العجوز ونهض بصوت صرير مفاصل.
"اتبعني."
تلاه كاسيان عبر الممرات الضيقة حتى وصلا إلى الخلف حيث يحفظ خزانة مقفلة المجموعات الأكثر قيمة. أخرج المالك مفتاحاً فتح القفل وتنحى جانباً.
"خذ ما تشاء. الأسعار غير قابلة للنقاش."
كاد كاسيان ينطق قارعاً: "أعلم أيها العجوز"
قبل أن يمسك لسانه. تذكر عليه إذكار نفسه أن هذه المرة الأولى التي يلتقي فيها بيوهين تانر في هذه الحياة. ومع ذلك كان صادماً رؤيته يبدو بالقدم نفسه الذي عرفه بعد ربع قرن في حياته السابقة. كم عمره يا ترى؟ تساءل كاسيان لكنه تجاوز الفكرة. ربما كان الأفضل ألا يدقق. حول انتباهه نحو الكتب. كانت العناوين على الرفوف مألوفة وأعادت أغطيتها البالية وظهروا ذكريات ليالٍ طويلة قضاها في القراءة بعالم آخر.
رؤيتها هنا بلا تغير عززت حقيقة غريبة… يبدو أن التاريخ سار بالطريقة نفسها رغم وجود السحر. لا أثر فراشة ولا ماضٍ مكتوب من جديد. ضحك في سرّه. لا بد أن السحر قرر أن التاريخ لا يستحق العبث به. هز كاسيان رأسه ومد يده ليأخذ كتاباً. تاريخ السحر القديم. ليس كتاب سحر حقيقي بالطبع بل رواية خيال تاريخي تتناول الأساطير والمعتقدات المحيطة بالممارسات السحرية عبر ثقافات شتى. قرأه في حياته السابقة حين لم يكن سوى مجرد تكهنات.
لكن هنا؟ هنا قد يحمل شيئاً حقيقياً فعلاً.
"اختيار جيد"
تمتم يوهين وهو يراقبه يقلب الصفحات.
"هذا موجود منذ فترة."
رفع كاسيان بصره.
"كم عمر هذه النسخة؟"
حك يوهين ذقنه مفكراً.
"هذه الطبعة؟ نحو ثمنين عاماً."
أطلق كاسيان صفيرة خفيفة.
"ليس سيئاً."
واصل التقليب باحثاً عما قد يلفت الانتباه. إن لم يجد شيئاً فسيكون من الممتع مقارنة التفسير التاريخي لهذا العالم للسحر بما يعرفه مسبقاً. استند يوهين بظهر على المنضدة.
"مؤرخ أنت؟"
ابتسم كاسيان بخبث.
"شيء من هذا القبيل."
"جيد. هذا يعني أنك قد تقدر الكتب حقاً لا أن تجمعها للعرض وحسب."
أبقِ كاسيان الكتاب مغلقاً بصوت خافت.
"ستندهش من عدد الذين يعتقدون أن امتلاك رف مليء بالكتب القديمة يجعلهم خبراء."
أطلق يوهين شفيراً.
"أكثر مما أطيق عدّه."
بعد بضع دقائق إضافية من التصفح جمع كاسيان كومة صغيرة وحملها إلى المنضدة. رفع يوهين تانر بصره عن دفتر حساباته ضيق عينيه قليلاً وهو يتفحص الكتب التي اختارها كاسيان. قلب العناوين بأصابعه مصدراً همهمة موافقة خفيفة على كتاب أو اثنين قبل أن يشعل سيجارة بنفضة من ولاعته البالية القديمة. رفع كاسيان حاجبه.
"التدخين داخل مكتبة؟"
أفرغ تانر نفخ بطيء من الدخان بلا مبالاة تامة.
"أفعل هذا منذ قبل أن تولد يا بني."
هز كاسيان رأسه ناظراً إلى السيجارة كأنها إهانة شخصية.
"أقسم أنك على بعد جمرة طائشة واحدة من ارتكاب جريمة ترقى إلى حرق مكتبة الإسكندرية."
نظرة العجوز الحادة كانت مألوفة لدى كاسيان. ففي حياته السابقة تجادل مع يوهين تانر مراراً لا تُحصى حول حماقة التدخين في متجر مليء بالكتب القديمة. ذات مرة وصف الرجل بأنه آثم يعادل حارق مكتبة الإسكندرية. بلغ الغضب بيوهين حداً جعله يرتجف ساعة كاملة. والآن في زمن مبكر وبندية العناد ذاتها تشوه وجه تانر غضباً والتوت شفتاه الرقيقتان ككلب على وشك العض. ارتجفت يداه المنهكتان من تقليب الصفحات وعد النقود وهو يوجه إصبع اتهام نحو كاسيان.
"أتجرأ وتقارن هؤلاء الهمج حارقي الكتب ومدنسي المعرفة بالتدخين؟ أجننت أيها الفتى؟ أجننت؟!"
انشج صوت من شدة الغظب.
"أتظنني جاهلاً أبله يشعل النار في التاريخ؟ فكر يا فتى! هذه الكتب عاشت أطول منك ومن سلالتك الملعونة بأسرها وتظن أن دخاناً طفيفاً سيقضي عليها؟"
ضرب بكفه على المنضدة محدثاً جلبة في الكتب المكدسة بجانبه.
"هذه مجازفة! هرطقة! تدنيس فكري سافر!"
كبت كاسيان ضحكة كادت تنفجر واستند باسترخاء على المنضدة كمن يستمتع بعرض مسرحي راقٍ.
"أنا أقول فقط يا سيليكون الجمرة الطائشة ستجعلك مأساة تاريخية تمشي على قدمين. تخيل النعي… صاحب المكتبة يحترق وسط أدبيات لا تُقدر بثمن'."
سخر تانر وتمتم بكلمات لاذعة بينما خطف ورقة خردة وخط عليها رقماً بحركات سريعة حادة. دفعها عبر المنضدة بنظرة قادرة على إذابة اللحم.
"هذا هو السعر. ولا تحاول المساومة فستُطرد للخارج."
ألقى كاسيان نظرة على الرقم. ثمانية وعشرون جنيهاً. صفقة رابحة حقاً بالنظر إلى جودة الكتب التي سيخرج بها. أخرج أوراقاً نقدية وبعض العملات ودفع بها عبر المنضدة.
"سعدت بالتعامل معك."
خطَف تانر المال ودسّه متمتماً.
"مؤرخون لعينون. طفيليات مغرورة تعتاش على عرق الجامعين الحقيقيين. يظنون أنهم الأذكياء دائماً."
كان انتزاع رد فعل من العجوز يستحق العناء دائماً. والآن ومع معرفة أن ذلك العنيد قد يظل حياً بعد خمس وعشرين سنة أخرى لم يكن كاسيان قلقاً حيال تقصير عمره ببعض الاستفزاز. ضحك ملوحاً بيده بلا مبالاة من فوق كتفه وهو يبتعد.
"أبلغ سلامي إلى لورييل."
لم تكد الكلمات تغادر شفتيه حتى أدرك خطأه. تجمد الدم في عروقه. تباً.