سألته: "ألم تر مثله قط من قبل؟".
أجاب فاسيل: "أم... لا".
قلت: "ظننتك خبيراً بكل هذه الأشياء".
قال: "ظننت ذلك أيضاً، لكني أتساءل الآن عما قد أجهله أيضاً".
أخذت حجر الرون منه وتأملته. كان الرمز مثلثاً بسيطاً.
قلت: "إذن تقصد أن هناك أحجار رون أكثر مما تظن. ومن المرجح وجود توليفات أكثر بكثير".
أومأ فاسيل ببطء.
قال: "يبدو الأمر كذلك بالفعل. يُعلّموننا أحجار الرون العشرين الموجودة كلها حين نكون صغاراً. لكن هذا الحجر ليس على القائمة...".
شممت الحجر. إنها أحجار مسحورة بصيغ سحرية، ومختومة بدم مبارك أو سماوي، أليس كذلك؟ تساءلت عن طعم الدم السماوي، وإن كان سيمنحني قوى خفية. هل ينكسر الختم إن لعقته؟ ماذا سيحدث لو انكسر الختم؟ إن لعقت حجر رون من الفولاذ وانكسر الختم، فهل تصبح غير قابل للتدمير؟
سأل هيكاتي: "ما الذي تفعلينه؟".
قلت: "هاه؟".
"لماذا يخرج لسانك؟".
أعدت لساني إلى الداخل وخفضت الحجر.
قلت: "لم أكن أنوي لعقه أو أي شيء".
جلس فاسيل ناظراً إلي بضع ثوانٍ.
قال: "لماذا كنتِ تنوين لعقه؟".
قلت: "قلتُ إنني لم أكن أنوي. لكن لو فعلتُ، فلربما كان ذلك لأرى إن كان سيُكسر الختم ويجعلني غير قابلة للتدمير".
هز فاسيل رأسه.
قال: "السحر مختوم بدم سماوي. لا يمكنك كسر الختم".
أبديت تعبير وجه مستنكراً.
قلت: "لا أعلم يا فاسيل. تقول ذلك، لكن يبدو أن هناك الكثير مما تجهله. لعلّك تقول ذلك فحسب لتظل الشخص الوحيد غير القابل للتدمير هنا".
انحنيت ونخزته بإصبعي.
قلت: "أتريد الاستحواذ على كل صفة عدم التدمير وحدك، أليس كذلك؟".
قطب حاجبيه.
قلت: "أوه! تتظاهر بأنك السكشات الآن، أها؟ قد ينطلي هذا على موريانا، لكنه لن ينطلي علي!".
قالت موريانا: "مهلاً! أنا أعلم أنه ليس سكشات!".
قال فيستو: "أعتقد أن عليك لعقه".
ضيّقت عيني نحوه. بطبيعة الحال، أراد مني [بائع الفوضى] أن ألعقه. لم أعد أرغب في لعقه الآن. أعني، كنت ما زلت أرغب في لعقه، لكني لم أرد فعل ما أرادني فيستو أن أفعله. لم كان عليه فتح فمه الغبي؟ لو لعقته الآن لظنّ أنني فعلت ذلك بناءً على أمره. نظرت إلى الحجر، ثم إلى فيستو. كان يبتسم باتساع. رغبت في إهانته بشدة، لكنه سيخرج منتصراً حينها. اتسعت ابتسامته أكثر. ذلك النذل الصغير.
كيف لي أن أخرج من هذا الموقف؟ أعرف، سأغير الموضوع فحسب. ألقيت تعويذة [فهرس القطع الأثرية] على الرون المجهول وقرأت المعلومات بصوت عالٍ.
[حجر رون الجليد]
الأسلحة: تجمّد الهدف لثانية واحدة المعدات: لا يمكن تجميدها إن كان فيستو خائباً، فلم يظهر ذلك.
قال فاسيل متفكراً: "جليد. هذا منطقي. حجر رون الحادي والعشرون".
توقف قليلاً ثم أردف: "إنه جيد قطعاً، لكن هناك مشكلة".
سألت: "أي مشكلة؟".
"إن لم يدرِ أحد بوجوده، فلن يعرف أحد أي توليفات تخصه أيضاً. تعتمد كل التوليفات الموثقة على أحجار الرون العشرين المعروفة. أما هذا؟ فسيتعين عليك التجربة بعشوائية لمعرفة ما ينجح".
رفعت إصبعاً.
قلت: "أو إيجاد بعض الكتب أو لفائف الرق المعكومة بتوليفات ضائعة منذ القدم".
"أو ذلك. وهو أمر ينبغي أن يكون سهلاً نظراً لعدم رؤية أحد لحجر رون مماثل منذ مئات السنين. إن وُجد من الأساس".
تظاهرت بالتنهد شهقةً ووضعت يدي على فمي.
قلت: "يا فاسيل. أيمكن... أمكنك أن تتطاول عليّ؟".
قال: "مم. لا بد أن عدواك قد انتقلت إلي".
أكنت سليطة اللسان؟ لم أظن ذلك. كنت مباشرة وصادقة لا أكثر. قد يصف البعض ذلك بالسلاطة، لكنهم مخطئون. كنت أردد الحقائق لا غير. بطريقة واقعية. مجرد عدم إعجاب البعض بسماع الحقيقة لا يعني أنها سلاطة لسان. توقعت من شخص بذكاء فاسيل أن يدرك الفارق. هززت رأسي بخيبة أمل.
قلت: "لماذا تكره الحقيقة يا فاسيل؟".
بدا مرتبكاً.
قال: "هاه؟".
"ألديك مشكلة مع الحقائق؟".
"ليس لدي مشكلة مع الحقائق. أنا لا أفهَم ما تتحدثين عنه".
بسطت يدي.
قلت: "عليك احتضان الحقيقة لا الاختباء منها. لماذا تحاول تغطية الواقع ببطانية الإنكار؟".
"أنا لا أفهَم ما تحاولين قوله".
هززت رأسي مجدداً.
قلت: "ما زلتَ هارباً من الواقع كما أرى. أنا لست سليطة اللسان".
حدق فيّ برهة.
قال: "حسناً".
التفتّ إلى بقية الطاقم طلباً لأي تأكيد، لكن الجميع كانوا يحدقون فيّ فحسب.
قال فيستو: "لقد ألقمتَهُ حجراً حقاً".
سُررت بكون فيستو في صفي مجدداً. كما جعلني كل هذا الحماس متعبة وجائعة بعض الشيء. في الواقع، كنت جائعة لدرجة أنني أقسم ببروز رائحة لحم مشوي. شممت الهواء. لقد شممت رائحة لحم مشوي بالفعل.
سألت: "أيشتم أحدكم رائحة ذلك أيضاً؟".
أومأ الجميع.
قال كوبا وهو يقف بالفعل: "لنلقِ نظرة على المطبخ".
تبعته البقية نحو الرائحة. بقيت خلفهم.
قلت: "سألحق بكم. أحتاج فقط لوضع هذه في مكان آمن".
أومأ لي فاسيل وقفز خلف المجموعة. راقبتهم حتى اختفت أشكالهم عند الزاوية. ثم وضعت الكرة الزجاجية وأحجار الرون جميعها في حقيبتي. كلها، باستثناء حجر الفولاذ. حين أمسكته في يدي، نظرت لأرى إن كان الجميع قد غادروا حقاً. بدا أنهم فعلوا. نظرت إلى حجر الرون، ثم باتجاه المطبخ مجدداً. لا أحد هناك بعد. ثم لعقته بسرعة فائقة قبل رميه في حقيبتي.
سمعت فيستو يضحك من مكان ما صارخاً: "هاه!"، لكني لم أره.
النذل الصغير.
* * *
دخلت المطبخ فوجدت الجميع هناك بالفعل. افترشت الأرض بطانية، ونُثرت عليها لحوم مشوية بعناية فائقة، تتلألأ بالدهن، إلى جانب بطاطس مخبوزة. بلغت الرائحة ذروة زكائها لدى الوقوف بالقرب منها.
سألت: "من أين أتى كل هذا؟".
لم يجب أحد. بدا الجميع في حالة ارتباك تام. ثم لمحت السكشات جالساً في الموقد، وسط اللهب تماماً، مقطّباً جبينه نحونا. لم يبدُ مبالهاً بالحرارة أبداً. أكان ذلك موقناً سكنه؟ ألم يفترض به أن يكون روح منزل، أحياناً؟ أشرت إلى الطعام.
قلت: "أأنت من فعل هذا؟".
انتظرت بضع ثوانٍ، ظانة أنه قد ينطق بكلمة، لكنه عوضاً عن ذلك ظل جالساً في اللهب مكتوف الأيدي ومقطّباً جبينه. تساءلت عما إن لم يكن غاضباً. لعل تلك ملامح وجهه وحسب. إن كانت هذه أفعال أرواح المنازل —طبخ وجبات كاملة دون طلب— أمكنني فهم سبب رغبة الناس في العيش معها. حتى لو كانوا رجالا صغاراً عراة دائمي العبوس يجلسون وسط النيران.
قلت: "حسناً. شكراً لك".
قطب جبينه بحدة أكبر. استدرت ببطء مبتعدة عنه.
قلت: "حسناً إذن".
كان كوبا قد شرع في الأكل بالفعل. أظنه لم يكُ مكترثاً احتمال التسمم بطعام غامض. لم أُدْلِ بتعليق، لكنني اقتربت قليلاً أتفرّس باحثة عن أي بوادر لموته الوشيك.
تمتم وفمه مملوء بالطعام: "هذا طيب للغاية".
سألت موريانا: "لماذا تحدقين إليه هكذا؟".
قلت: "أه، لا تعليق لي. أنا أحسب الدقائق بانتظار موته فقط".
تسمّر كوبا في منتصف المضغ وحدق فيّ بعينين واسعتين. لوّحت بيدي مقللة من الأمر.
قلت: "أنا متأكدة أنك بخير".
ابتلع طعامه، ونظر مطولاً إلى قطعة اللحم الغضة في يده، ثم هز كتفيه وتابع الأكل.
قلت وأنا ألتقط قطعة لنفسي وأجلس بجانب كاسيا: "أظنه آمناً إذن. أنت في السابعة عشرة، أليس كذلك؟ كيف ستحصلين على صفة الآن وقد بات تعذّر حضورك حفل اختيار الصفوف أمراً واقعاً؟ نظراً برمته لمسألة «عدوة الدولة» وما شابه".
بدت حائرة.
وقالت: "حفل اختيار الصفوف؟".
"نعم، تعلمين، حين تختارين صفتك".
قال فاسيل: "لا يوجد حفل. تختارين في البيت فحسب، وغالباً بحضور العائلة".
قلت: "هاه. هذا غريب. لدينا حفل كبير مرة في العام، حيث يختار كل من بلغ الثامنة قبل ذلك التاريخ صفته. يقام في المدرج، وتحضره المدينة برمتها".
قال كوبا، وفمه مملوء بالطعام مجدداً، بينما تسرب قليل من اللعاب أو الدهن عند زاوية فمه: "يبدو أمراً غير عملي".
تأملت الأمر، وحقاً، نعم. غير عملي إلى أقصى حد. لم كان علينا الوقوف أمام مليون شخص بينما يختارون هم في راحة منازلهم؟ ودون عرافين مخيفين ينفثون الدخان في وجوههم (آمل ذلك).
سألت: "إذن ما زلت تحصلين على صفة حتى لو كرهك ستفورا؟".
تصلبت كاسيا مكانها.
أضفت بسرعة: "لا أقصد أنه يكرهك بالطبع. أنا متأكدة أنه لا يفعل".
قال فاسيل: "يحصل الجميع على صفة. لم يشهد التاريخ قط بلوغ أحدهم الثامنة دون نيل صفة".
وضعت يدي على كتف كاسيا.
قلت: "لا بد أن ذلك يبعث على الطمأنينة إذن. أي صفة ترينك نائلة؟ أتمنى ألا تكون [نجاراً] مثل كوبا".
هتف كوبا: "مهلاً!".
نظرت كاسيا أسفلها وقالت: "أ... أنا لا أعلم".
"وما الصفة التي تتمنين نيلها إذن؟"
رفعت وجهها نحوي بابتسامة خافتة.
وقالت: "أود لو أكون مثلك".
أومأت.
قلت: "أوه. نعم، أفهم ذلك. [صائدة الساحرات] صفة رائعة للغاية، لكنها صُمِّمت لي وحدي. أنا الوحيدة. لن أعلق آمالاً كبيرة، خاصة وأن ستفورا لا يبدو معجباً بصفات الساحرات... أو بي. كما صُنع هذان المسدسان على يد أبي. أشك في أن صانعي الأسلحة في سيليزيا يضاهونه براعة. إنه الأفضل في العالم تقريباً، تعلمين".
أطلقت كاسيا ضحكة خفيفة وقالت: "قصدت القوة. لئلا يستطيع أحد إيذائي أو إيذاء من أهتم لأمرهم".
توقف قليلاً وقلت: "أوه. صحيح. حسناً، لعلك تفضلين إذن التخصص في سحر الدفاع... أو شيء يفجر الجميع إرماً قبل حتى أن يفكروا في إيذاء أحدهم. تعلمين. تماماً كما أفعل أنا".
أومأت وقالت: "ممهم".
"إذن متى تبلغين الثامنة؟".
"ما زال عيد ميلادي بعد أشهر".
ابتسمت.
قلت: "ستحصلين على شيء رائع على الأرجح. بخلاف [النجار]".
احتج كوبا: "مهلاً!".