بدا فاسيل في غاية الارتباك الآن.
قال: "أيُّها؟"
ابتسمت.
"درب الذات."
أطلق بوغومير أنيناً. لطمت كاسيا جبينها بكفّها. حدق فيَّ فاسيل طوال ثوانٍ معدودات. ثم رمق الأرض مليّاً. هزَّ رأسه ما إن رفع بصره مجدداً.
"هيكاتي."
"ألستُ مضحكة؟"
"بل مرهقة."
وجدتُها نكتة ظريفة للغاية، وكان وجه فاسيل يستحق العناء عن جدارة. أنسى أحياناً خلوَّ أهل سيليزيا من حسّ الدعابة، لكنَّ فاسيل يسارع دائماً لتذكيري. لحسن الحظ أنني أمتلك حسّ دعابة، فضحكتُ باستحسان على تضليلي الماكر. التفتُّ أمنتّاس ومضيتُ أومئ بسعادة. ابتسمت أولا بأدب، ووضعَت يدها على صدرها كأنما تخفي عبوساً خفيفاً. ربما وجدها فيتيك مضحكة. للأسف لم أره حولنا. حسناً، لا بأس.
ثبّتُّ درب الذات ونفضتُ يديَّ، راضيةً عن اختياري. لم يشعر جسدي بأي فارق، ولا ضير في ذلك. تفحّصت النظام.
[هيكاتي، ساحرة بنادق المستوى 25]
درب الذات مخيب للآمال. رغم أنني كان يجب أن أتووقع ذلك على الأرجح. لن يتغيّر شيء حتى أطوّر بعض المهارات بالفعل، لذا ينبغي لي حقاً الآن ترقّب أي أشياء تصلح للترقية. المزيد من الأيدي، المزيد من الأسلحة، والمزيد من العتاد. تساءلتُ إن كان يجدر بي البحث عن المزيد من المحققين لأقاتلهم، لكني نبذتُ هذه الفكرة. سيأتون إليّ طائعين، إذ يبدو أن المتاعب تقتفي أثري بغض النظر عما أفعله، ولم أُرِد تعريض كاسيا لخطر إضافي.
أو تعريض أيٍّ من أتباعي الجدد لهذا الأمر. نجل، ستأتيني القوة. إن طاردتَ شيئاً أفلتَ منك وابتعد. عليك أن تدعه يأتيك. فاليأس يخلق المسافات. هكذا قال أحدهم يوماً، على ما أظن. تسللت أفكاري مجدداً نحو تشيرنوبوغ. ليس رغبةً جامحة في ملاحقة القوة التي يمنحها، بل لأن القصة بدت غير متطابقة مع ما سمعته سابقاً.
قلتُ: "يا بوغومير، هل تؤمن حقاً بوجود تشيرنوبوغ؟"
فجرّحت نبرته بسخرية: "بالطبع تشيرنوبوغ حقيقي. لماذا لا يكون حقيقياً؟"
"ظننتُ أنكم تؤمنون بأن ستفورا هو صانع كل شيء."
"وهو كذلك."
"إذن ماذا عن تشيرنوبوغ؟ كيف يُعقل أن يكون شقيق ستفورا؟"
"إنه مدمر كل شيء."
"صحيح. وماذا عن بقية الملوك؟ كل ما أسمعه مراراً هو أن ستفورا الملك الأوحد، لكن فجأةً لم يقتصر الأمر على إنجابه أخ، بل قتل مجموعة كاملة من الملوك أيضاً."
عبس بوغومير وبدت عليه علامات الضجر الواضحة.
"نعم. ستفورا هو الملك الأوحد. لقد خلق كل شيء! ندين له بحياتنا. ندين له بهذا العالم. لم يكن قبله شيء."
ملتُ برأسي وقلت: "باستثناء أخيه ومجموعة من الملوك."
عقد بوغومير ذراعيه.
"ما الذي لا تفهمينه؟ كان لا بد من تدميرهم لنستطيع العيش. فعل ذلك لحمايتنا. ضحى ستفورا بكل شيء لأجلنا."
"بل ضحى بمجموعة ملوك أخرى، هكذا يبدو الأمر."
"لقد شكّل العالم لأجلنا بنزع عظامه الخاصة وتشكيلها. وخلقنا بقطع لحمه وتشكيله على هيئته. وجلب لنا الحياة من دمه. وتشكلت الأنهار من دموعه، التي سكبها على الأخ الذي أحبه كثيراً، والذين كان عليه قتلهم، وسكبها على الخطايا التي ارتكبناها وسنرتكبها. أتسألين عما ضحى به؟ بكل شيء."
كانت هناك أنهار كثيرة في الأنحاء، لذا لا بد أن ستفورا شخص عاطفي للغاية. بخلافي تماماً، فأنا أتحكم بمشاعري تماماً طوال الوقت. ربما بوسعي مساعدته في ذلك إن التقينا قط. لكن إن فعلتُ، أيعني هذا أن تجف الأنهار؟ ربما كان توفّره على فائض من العاطفة أمراً جيداً في هذه الحالة. وهل صنع أهل سيليزيا من لحمه حقاً؟
جعدتُ أنفي وقلت: "مقرف. إذن تقول إنكم مؤلفون من مجموعة لحم ملك مفروم؟ وإن كان ستفورا قد صنع كل شيء من لحمه فهل يشمل ذلك الخنازير والقنادس؟ لماذا يهم إن كانت أسماكا في هذه الحالة طالما أن كل شيء هو ستفورا؟ إنكم تأكلونه إذاً. وهو أمر مقرف، بالمناسبة. أكل لحم الصانع مقرف. وأظنه عملاً دنيئاً أيضاً."
حدّق فيَّ بوغومير كمن يشتهي استخدام يديه الصغيرتين لضغط وجهي وتشكيله ليصبح أهدأ.
"أنت لا تلهمين شيئاً!"
"أنا لا أعلم الكثير، هذا صحيح."
هززت كتفيَّ.
"لكنني لست مقرفة ولا آكلة لحوم بشر. على ما أظن."
رفعت ذراعي وشممت إبطي.
"لست مقرفة."
طمش بوغومير بعينيه بضع مرات.
"ما علاقة هذا... تدرين ماذا. لا أبالي. أنت لا تفهمين ولن تفهمي أبداً على الأرجح. يعلم الجميع أن أهل غريسيا متوحشون غير متحضرين لا همّ لهم سوى قتل بعضهم بعضاً. ما كنتُ لأتوقع منك فهم أمر بسيط كهذا."
سخرتُ: "متوحشون؟ قتل بعضنا بعضاً ليس همّنا الوحيد. نحن نكترث بأمور أخرى. الأمر فقط..."
أهكذا كانت نظرة بقية العالم إلينا؟ حفنة من المتوحشين متعطشي الدماء؟ أم تراهم على حق؟ لقد امتلكنا الفلسفة، والفن، والمسرح، وامتلكنا ملوك عدة عوضاً عن ملك واحد ولم يكونوا يقتلون بعضهم بعضاً، وكانت لدينا منافسات رياضية. امتلكنا أشياء كثيرة لا تتضمن قتل بعضنا بعضاً، ومع ذلك هزّني أمر ما في هذا الكلام. فبينما امتلكنا كل ذلك، كان القتل وفراً لدينا أيضاً. كانت دويلات المدن في حرب مستمرة، تحاول دائماً التوسع والسلْب من جيرانها.
وحتى في أستيريا كانت الحياة رخيصة. الحياة رخيصة في البلاد بأسرها. كان الناس يتوقون إلى القوة، لأن القوة تعني ألا يقوى أحد على مسّك. والشيء الوحيد الذي يحميك هو امتلاك القوة أو أصدقاء أقوياء. الضعفاء يتعرضون للدهس. والضعفاء يخدمون. الأسرى من البلدان المغلوبة يُستعبدون. والسبيل الوحيد لتفادي التحول إلى عبد هو أن تكون قويّاً لدرجة تعجز أياً كان عن أسرك. لم تكن تدري أبداً متى ستتعرض للغزو مرة أخرى.
ربما تشبه سيليزيا بطرق ما، والفارق الكبير هو وجود جماعة قوية واحدة يبدو أنها غلبت كل شيء وتضع الجميع تحت حذائها. أفترض أن البلاد كانت أكثر سلمية من غريسيا، طالما أنك لا تمانع خدمة كنيسة ستفورا أو الملك. أأجعل سيليزيا أسوأ لو قضيتُ عليهم جميعاً؟ إنهم أشرار، هذا مؤكد، لكن ماذا سيحدث لو زالوا؟ أستتحول سيليزيا إلى ما يشبه غريسيا؟ لا مبالاة. يجب أن تزول الكنيسة. سأتعامل مع أي شيء سيأتي بعدها.
والآن يتعين عليّ التعامل مع باندا ماسفيه أيضاً. كلما ظننتُ أن الأمور تتحسن أخيراً، ظهرت مشاكل جديدة. فركت جذر أنفي. سيعودون. لا يمكنني مغادرة فيسوا دون التعامل معهم بطريقة ما. ربما كان بوغومير محقاً وكان يجدر بي دفع المال لهم. لكن إن فعلتُ فسيعودون كل شهر مرجحين طلب المزيد والمزيد مع نمو فيسوا. لا بد من سبيل لردّهم عني دون دفع المال. لا يمكنني ترك طلبتي وراء ظهري دون معالجة هذه المسألة.
سأنتظر عودة باندا ماسفيه، وأتعامل معهم بشكل ما، ثم أعود إلى الكاتدرائية. حان الوقت لابتكار خطة الآن.
قلت: "لا يهم. في هذه اللحظة، لا يهم الأمر. علينا العودة إلى الكاتدرائية، لكن لا يمكننا فعل ذلك دون التعامل مع أصدقائنا المبتزين غير الأفاضل."
قال بوغومير: "فقط ادفعي لهم وافرغي من الأمر."
ووافق فاسيل: "أؤيد ذلك."
عقدت ذراعي.
"لا أريد. يجب أن يكون الدفع هو الملاذ الأخير. أنا متأكدة من وجود شيء يريدونه. صفقة ما يمكننا عقدها ليدعونا وشأننا. ماذا لو أخفتهم؟ أن أقتل عدداً منهم؟"
قال فاسيل: "سيرسلون غيرهم ببساطة. وهم أقل ميلاً للرأفة بالأبرياء من الكنيسة."
والكنيسة لم تبد اهتماماً يذكر بذلك أصلاً. إذن دفع المال مستبعد. إطلاق النار على وجوههم مستبعد أيضاً. نوعاً ما. ما زلت أظنها قد تكون حلاً مجدياً، نظراً لنجاحها معي حتى الآن. ثم لمعت في رأسي فكرة.
قلت وأنا أبتسم: "ماذا لو تحدثتُ إليهم فحسب؟"
قال بوغومير: "حقاً يا هيكاتي. تحدثي إليهم وحسب. أنا متأكد أن الأمور ستسير على ما يرام. تماماً مثلما فعلتِ هناك؟ لقد سارت الأمور على ما يرام حقاً."
"أجل، حسناً. هم من بدؤوا. كنت أحاول الكلام. كنت مؤدبة. علاوة على ذلك، وجدتُ شيئاً مثيراً للاهتمام بينما كنتم تفعلون ما تعلم الملك ما هو في قاعة البلدة. تعويذة الرون الخاصة بمسدسي لم تكن الوحيدة."
انحنيتُ أمام فاسيل.
"أرجوك أخبرني أن حجر رون البرسيم، والموجة، والشمس، والسم ما زال داخل داخلك."
تململ فاسيل وقال: "ممم، دعيني أرَ."