كنت أجتاز النفق الأخير غير المكتشف، وكلمات كاسيا تتردد في ذهني بلا توقف. لو كنت خائفة ومصدومة، أكنت أرغب في رؤية المسؤولين عن ذلك وهم يتحولون إلى عجينة؟ أنا شخصياً، ربّما نعم. والأفضل من ذلك لو كنت أنا من يصنع تلك العجينة. لكنّ تلك كنت أنا شخصياً. وحسب خبرتي، لم يكن أحد يشبهني حقاً، أو يفكر مثلي. ولربّما لم يكونوا ليغبوا في رؤية ذلك البتّة. ولربّما أرادوا فقط... لم تكن لدي أيّ فكرة عمّا أراد العاديّون فعله.
أالتذمّر؟ أالبكاء؟ كان العاديّون لغزاً تامّاً. فهم يعملون بنظام من المشاعر الهشّة والقيود الغريبة التي عجزتُ عن إدراك كنهها. ولِمَ لم أستطع؟ بدا أنّ كاسيا لا تجد مشكلة في ذلك. وبدا أنّ فاسيل يتدبّر أمره بخير. ولربّما كان بوغومير محقّقاً، ولربّما كنت مجرّد مجنونة. كلا. ربّما كنت الشخص السويّ الوحيد هناك. وعلاوة على ذلك، لم يُصلح التذمّر والبكاء شيئاً قط. أمّا رصاصة في الوجه، فعلى العكس، كانت تصلح كلّ شيء.
كانت الرصاصة في الوجه سريعة. ولا مشاعر لها. كانت تكتفي بجعل المشاكل تختفي. في لحظة تكون موجودة، وفي اللحظة التالية تزول. بسيطة. وأنيقة. أجل، لم أكن مجنونة. كنت براغماتيّة. صانعة حلول. صريج. توقف. صريج. توقف. أكان عليّ قول شيء بشأن ذلك؟ لقد بدأ يثير أعصابي. وفي كلّ مرة كنت ألتفت فيها إلى الوراء، كان صاحب الحذاء الصارخ يبدو وكأنّه أصبح بطريقة ما أكثر قباحة وإزعاجاً. وقد بلغ الأمر سوءاً جعلني أتسااءل عمّا إذا كان ذلك مجرد صنفه.
إن وُجد صنف كهذا أصلاً. وكدت أتمنى لو كان الأمر كذلك، فلو كانت تلك هي شخصيته لما كنت متأكدة من قدرتي على إبقائه. ولعلّ كان عليّ إرساله أولاً، و—كلا. ليس هذا ما فعله قائد صالح. لكن ما الذي سيفعله قائد صالح؟ أطلب منه خلع حذائه؟ ألقيت نظرة خاطفة على الأرض. كلا، ربّما يجرح قدميه وسيتعين علينا حمله... أو تركه. أخلع الحذاء الصارخ وحده؟ حينها قد يظلّ يؤذي إحدى قدميه ويبطئ مسيرتنا.
وقد يصاب أيضاً ببعض مشاكل في العمود الفقريّ أو ما شابه من المشي بحذاء واحد. وبدا ذلك شيئاً محتملاً حدوثه. ولن يكون ذلك مثالياً أيضاً. ولربّما كان عليّ أن أسال هوبرت عمّا إذا عثروا على بعض الأحذية في الصناديق ومنحها للرجل. غير أنّه لم يكن يستحقّ أحذية جديدة حقّاً، أليس كذلك؟ لم أكن أرغب في البدء بمكافأة الناس على كونهم مزعجين. وكنت قادرة بالفعل على رؤية اثني عشر شخصاً يحمل كلّ منهم حذاءً صارخاً واحداً، على أمل تلقّي مباركتي.
فارتجفت. إذن، ما الذي بقي؟ لم أستطيع أخذ حذائه. ولم أستطع إعطاءه حذاءً. ولم أستطع قتله. حسناً، استطعت، لكن لم يكن ينبغي لي. صريج. توقف. صريج. توقف. ألقيت نظرة خاطفة من فوق كتفي وتنهّدت. لم يكن هناك سوى حلّ واحد. وكنت أتمنى فقط أن يجدي نفعاً.
"أوه، لا! انظرا إلى الأعلى! خلفكما!"
صرخت، مشيرة إلى الأعلى وخلفهما. نظر الجميع. طرفت بعينيّ بسرعة وظهرت خلف صاحب الحذاء الصارخ وركلته في مؤخرته. طار إلى الأمام (يحيا القوة الإضافية) وهبط فوق تيوفيل. ولغاية سروري العظيم، انكمش بمجرد أن لمس أحد الصناديق وبدا وكأنه عالق هناك، كأنه صندوق مزعج على شكل إنسان نفسه. استخدمت [الطرف] لأعيدوضع نفسي في مقدمة الصفّ وكأنني لم أبارحه قط.
"ماذا؟ ما الأمر؟"
سألت أوديتا.
"أظنّه لم يكن شيئاً. لا تهتمي"، أجبْتُ.
هزّت كاسيا رأسها. ربّما رأت ما فعلته ولم توافق عليه.
انحنى هوبرت انحناءة طفيفة وهمس بصمت: "شكراً لك".
أظنّه وافق على ذلك. لقد كان الرجل شديد الفطنة. وسرتني أنني لم أكن الوحيدة التي عجزت عن احتمال صرير الحذاء بعد الآن. لم يقل أحد أيّ شيء آخر، ولا حتى عندما خلت بقيّة المسيرة من أي صرير بشكل مريب. هنّأت نفسي ذهبياً. تنفيذ خالٍ من العيوب، هيكاتي. كنت أتوقع بعض آهات الاستياء من الدحرجة، لكنّه ظل صامتاً كحذائه البغيض. عندما سمعت صوتاً، توقّفت. أدركت أننا كنا نقترب من نهاية النفق.
"حسناً، ايّها الجميع"، همست.
"ابقوا أنتم هنا، وسأذهب لأتفقد أيّ شيء هناك لكي لا تضطرّوا لرؤية أيّ شيء صادم. أكثر صدمة ممّا رأيتموه بالفعل. لا أنني أظنّ وجود شيء صادم هناك، بل أريد التأكد فقط. يمكن لفاسيل وكاسيا القدوم إن أرادا".
وقد أراد فاسيل وكاسيا ذلك، فمضينا نحن الثلاثة قدماً.
انفتح النفق على حجرة كهف طبيعية، وإن كانت كلمة "حجرة"
لا توفيها حقّها. على سبيل المثال، كان أحد الجدران بأكمله مفقوداً. وكانت مجرد فتحة هائلة بإطلالة كاملة على الأشجار والجبال وكلّ ما عداها. وقفت ثلاث سترزيغي بالقرب من الحافة. كانت إحداهنّ تحتسي ما كنت أتمنى ألا يكون —لكنني خشيت أن يكون— أمعاء بشرية. وكانت أخرى تجر... البقايا نحو الفتحة. وألقت الثالثة عرضاً ما بدا أنه جذع بشريّ فوق حافة الجرف وراقبته بابتهاج وهو يتهاوى إلى الأسفل.
هبّت الرياح عبر الفتحة الهائلة، نافخة رائحة الدم والأحصنة والقاذورات الكريهة إلى داخل الكهف وفي وجهي. بيد أن المنظر كان مذهلاً. إن تجاهلت الدماء برمّتها. ولم تكن هناك جثث على الأقل. لابدّ أنهنّ ألقين بها جميعاً أسفل الشرفة. فجأة انتفضت آكلة اللعاب برأسها نحوي واتسعت عيناها.
"احتسِ هذا"، قلت، بادية بمنتهى الهدوء والباس أثناء تفعيل [دخول نظيف]
وإطلاق النار على رأسه. ولدهشتي، تفكك جسده العلويّ بأكمله أيضاً.
[هدية سخية +170% ضرر.]
التفت رفيقاه إليه وبدوا مندهشين أيضاً عندما سقط جسده السفلي أسفل الجبل. ولم تسنح لهما الفرصة لفعل أيّ شيء آخر قبل أن تمزق رصاصتان أخريان كليهما إلى نصفين أيضاً، مرسلتين إياهما إلى الأسفل برفقة رفيقهما.
[هدية سخية +180% ضرر.]
[لقد اكتسبت مستوى واحداً.]
[لقد اكتسبت نقطة مهارة واحدة.]
[لقد اكتسبت 3 نقاط إحصاء.]
"رائع"، قلت، مانحة كاسيا إمالة متعجرفة للرأس.
"باس حقاً"، قالت كاسيا بإيماءة معجبة.
لم يقل فاسيل شيئاً. دفعته برفق بقدمي، لكنه لم يقل شيئاً مع ذلك.
"فاسيل، هيا يا رجل. كانت تلك جملة قاتلة".
تنهّد، وهو ما جرح مشاعري نوعاً ما. لقد ظننتها رائعة. ويمكن أن تصبح لزمتي الخاصة. أن أقول شيئاً موجزاً تماماً قبل أن أُزيل رأس خصمي. أو نصف جسده، على ما أظن. لكنّ ذلك جعل الأمر أكثر بأساً. وحقيقة نجاحي في تطبيق الفكاهة الموقفية ببساطة على كلّ ذلك جعلتها أفضل بكثير.
"يمكن أن تصبح لزمتي، ألا ترون؟ أن أقول شيئاً رائعاً ثم يقول الناس ’واو! كان ذلك رائعاً‘. وأبدو رائعاً. لأنني سأكون رائعة".
"لا أظن ذلك"، قال.
"بل أظن ذلك".
أومأت برأسي، راضية عن نفسي. لم يكن فاسيل سوى رجل عجوز عالق في جسد ضفدع. ماذا عساه يأنف عن كون المرء رائعاً؟
أراهن أنه في زمانه كان "الرائع"...
الجلوس على كرسيّ؟ لم تكن لدي أيّ فكرة. وما عرفته هو أنه كان عجوزاً وضفدعاً وليس رائعاً. على عكسي. لقد منح الجدار العملاق المفقود إطلالة مذهلة حقاً. ومن شأن رؤية ذلك أن تجعل أتباعي يشعرون بتحسن كبير حيال قرب احتساء أمعائهم. أو لعن أطفالهم ليصبحوا شياطين نصف بشر نصف بومة. ضممتُ كفّي حول فمي والتفتّ نحو النفق.
"حسناً يا جماعة الفجر الساطع، تم تطهير المنطقة. بطريقة رائعة. وبطريقة غير صادمة أيضاً. اخرجوا واستمتعوا بالمنظر".
ساد صمت وجيز، ثم سمعت صوت خطوات تقترب. وما لم أسمعه كان صرير الحذاء. ممتاز. وعندما وصلوا جميعاً نظروا حولهم بريبة. كان المكان لا يزال يبدو ملوّثاً بالدماء بعض الشيء، لكن ليس كحفلة أجساد، لذا لم يكن مفترضاً بهم الشعور بالخوف. كنت أتمنى ذلك. بسطت ذراعيّ، وما زال ظهري موجهاً نحو الجرف.
"أترون هذا؟ أليس مذهلاً؟"
"تعالوا"، قلت، وخطوت إلى الوراء.
"يجب أن تروا هذا حتماً. سيجعلكم تشعرون بتحسن!"
"كوني حذرة"، قال فاسيل.
"إن واصلت السير هكذا، قد تسقطين من فوق الجرف".
"أنا؟"
سخرت.
"أتظنني بهذه الغفلة؟"
لقد استدرت بالفعل رغم ذلك، لأنني لم أكن أرغب في الانزلاق عن طريق الخطأ والسقوط من فوق الجرف. مشيت حتى الحافة ونظرت إلى الأسفل. كنا على ارتفاع كبير إلى حد ما. وأي شخص يسقط إلى الأسفل سيقضي نحبه حتماً بالتأكيد.
"أه، أجل".
رفعت يدي.
"من الأفضل أن تحذروا أنتم يا جماعة بالقرب من الحافة. إنه سقوط هائل حقاً".
وبما أنني لم أكن أرغب في السقوط إلى الأسفل أيضاً، فقد خطوت خطوة إلى الوراء، لكنني انزلقت على بعض دماء السترزيغي، ممّا دفعني للتعثر إلى الأمام. تمالكت نفسي في الوقت المناسب تماماً. فوة. كانت قريبة.
"لا تقلقوا يا شباب. توازن مثالي".
ضحكت بعصبية وتظاهرت بأنّ الأمر كان متعمداً.
"أنا أمزح فري—"
قبل أن أتمكن من الإنهاء، علقت إحدى قدمي بقطعة صخر. فتلويحت بذراعيّ، واختارت موازنتي المثالية تلك اللحظة بالذات لتتخلى عني. مِلْتُ إلى الخلف، ومالت إطلالة الجبال والأشجار المذهلة إلى الأعلى بينما انزلقت تماماً عن حافة الجرف.
"هيكاتي!"
صرخ فاسيل. ابتلعت الرياح الهادرة شهقات الفزع الصادرة عن جماعة الفجر الساطع بينما كنت أهوي في الهواء الطلق. قبضت باهتزاز على الحافة، لكن أصابعي انزلقت عبر الدماء ولم أستطع الإمساك بها. وتمكنت يدي الأخرى من الإمساك، لكنها كانت تنزلق ببطء أيضاً. وتدلت قدماي بلا جدوى تحتي. كنت معلقة حرفياً من فوق جرف.