قال: "لا".
جاء الردّ سريعاً وحاسماً وببرود أذهلني حتى إنّني بقيت أطفو بلا هدى خلف باتمان حين استدار ومضى.
لم أُفق من ذهولي وألحق به إلا حين اختفى آخر طرف من عباءته خلف الزاوية.
قلت: "مهلاً، ماذا تعني بـلا!؟"
قال: "لن أدرّبك".
قلت: "لمَ لا!"
كان باتمان خبير الفنون القتالية الأوحد في عالم دي سي. صحيح أن هناك من اكتسب قوى خارقة من فنونه القتالية الفاخرة وما شابه، لكنّ باتمان كان يعرفها كلها بل وأتقنها! حتى وإن لم يستمدّ قواه منها.
وما من أحد من أولئك الآخرين درّب حفنة من الصغار ليطرحوا أرضاً من الخصوم بقدر ما فعل هو.
كان الأمر دائماً على نمط: "لقد اختارتني قوة سحرية ما~"، ثم يأتي باتمان ومساعدوه لينهالوا عليهم ضرباً.
كان لزاماً عليه أن يدرّبني!
أشار باتمان ببرود قائلًا: "أنتِ طفلة في مهمة معلنة للاستيلاء على الكوكب. سيكون من غير المسؤول مني أن أعلم الأطفال إقحام الأخطار، والأمر أشد سوءاً حين ستستخدمين تلك المهارات لقتالنا".
كانت حجة مدروسة جيداً. وكان لديّ رد.
"أليس لديك طفلة في الخامسة تجوب الشوارع بملابس ضيقة لقتال المجرمين؟ هذا غير مسؤول بما فيه الكفاية بالفعل".
دوى صوت تحطّم معادن متغيرة. استدرت نحو الصوت لأصعق بفتًى صغير يرتدي زياً أحمر وأخضر وهو يحاول تخليص قدمه من ثقب أحدثه بركله مكيف هواء صدئ.
كيف فاتني أمره قبل قليل؟ على أي حال...
"أجل، هو!"
التفتُّ مجدداً إلى باتمان مشيرةً إلى مساعده المتخبط.
"أنت تدرّبه بالفعل إذن درّبني أنا!"
باستثناء تعمّق طفيف في عبوسه، لم يظهر باتمان أيّ تأثر بتخبط روبن.
"روبن إنسان عادي كرس نفسه لقتال الجريمة. إنه لا يحاول مهاجمة الكوكب وليس لديه قوى. وعلى عكسك، هو يحتاج إلى التدريب ليتعايش مع الطريق الذي اختاره".
"وأنا في الحادية عشرة، لست في الخامسة!"
التففت بغضب نحو روبن.
"الحادية عشرة تعادل الخامسة أساساً. أنت قصير بالقدر الذي يجعل لا فرق يذكر".
قطّب المراهق حاجبيه.
"أحقاً؟ لستِ أنتِ من تتكلمين، فأنت بالكاد أطول مني بقليل. كم عمركِ على أي حال؟"
كان ذلك... سؤالاً وجيهاً في الواقع.
السايانس لا يكترثون للعمر أبداً. لم تكن لدينا حفلات عيد ميلاد وما شابه. وحتى لو وُجدت لم تكن تقويمات فيجيتا والأرض متطابقة.
قلت بابتسامة خبيثة: "لا أعلم البتة. لكني أكبر منك سناً".
انتفض روبن.
"كيف لا تعرفين كم عمركِ؟!"
عددت الأسباب على أصابعي.
"لا أعرف يوم ولدي، والسفر الفضائي والسبات المستحث يجعلان تتبع الوقت أمراً عسيراً، ولا أدري كيف تقارن أنظمتنا الزمنية ببعضها. هل تعرف كيف يقارن عام أرضي بعام فيجيتاي؟"
"لا، ولمَ قد أعرف ذلك؟ كيف لي أن أعرف ذلك؟"
هززت كتفيّ.
"أنت سألت. لا تفقدي ذيلك بسبب هذا".
"ليس لديّ ذيل!"
"يبدو أن هذا يفسر لَِم أنت صغير وضعيف هكذا إذن!"
بدأت أطفو حول روبن، ووأخزه أحياناً بذيل رغم محاولاته الإمساك به. سوء حظه أنني كنت أسرع وأستطيع الطيران بينما كان هو يزداد غضباً وتخبطاً بسبب ذلك الغضب. أظن أن باتمان لم يدرّبه على كيفية التعامل طائ–
أصحح، لقد جئت إلى هنا من أجل التدريب لا للعبث مع مراهق!
سددت دفعة أخيرة في منتصف جبهة روبن وأسقطته أرضاً قبل أن أطفو عائدة إلى باتمان.
كان فارس الظلام قد تحرك منذ أن انشغلت بروبن. أصبح الآن واقفاً في مكان يمنحه رؤية واضحة لكلينا ويداه مخفيتان تحت عباءته. أكان يراقبنا؟ يبدو منطقياً، فهو غالباً لا يريد أن أسحق مساعده بالخطأ، وروبن ربما لم يكن يتدرب معه طويلاً إذ ما زال سيئاً للغاية، لذا أراد التأكد من قدرته على التدخل.
"أين كنا إذن؟... صحيح، درّبني!"
بقي باتمان غير مبالٍ.
تذمر قائلاً: "ليس لدي وقت لهذا"، ومضى بخطوات واسعة.
بالطبع لم أكن لأدعّه يفلت بهذه السهولة وتبعته.
كان الأمر رائعاً حقاً مشاهدته وهو يركض فوق أسطح المنازل. بلا حركات فائضة، بلا تردد حتى حين يقترب من حافة المبنى، ولم يبدو أنه يتحرك بعشوائية أيضاً. توقف في النهاية قرب نافذة سقفية.
فضولاً، نظرت للداخل ورأيت جمعاً يشغلون نوعاً من الآلات بالداخل.
سألت: "ما هذا؟"
منحني باتمان نظرة خاطفة وعاد لدراسة الرجال في الأسفل صامتاً.
وقح.
أعلمني روبن حين لحق بنا: "إنها شبكة تزييف يديرها العصابات".
أكاد أجزم أنني رأيت باتمان يعبس أكثر عند وصوله لكنّ العبوس زال قبل أن أتأكد.
"كنا نقتفي أثرهم طوال الأيام القليلة الماضية".
ابتسمت بخبث: "أوه، لقد لحقت بنا أخيرًا! حان الوقت".
انتفض روبن وفتح فمه لكن باتمان قاطعه.
"كفى. إنهم ينهون عمليتهم الليلة. ليس لدينا وقت لهذا".
التفت لينظر إليّ.
"ابقي بعيدة عن الطريق".
ألت برأسي.
"إن فعلت، هل ستدرّبنِي؟"
"سأفكر في الأمر".
أفضل من لا شيء. أومأت موافقة وراقبتهما يباشران العمل. بدأ باتمان الأمور باقتحام النافذة السقفية وتحطيم الأنوار بواحدة من ألعابه البوميرانغ الصغيرة تلاه روبن عن كثب.
أودّ لو أقول إنّها كانت معركة رائعة وإنّني تمكّنت من تعلّم شيء لمجرّد المشاهدة، لكنّ باتمان في مواجهة حفنة من الأشخاص العشوائيين التائهين بسبب الظلام المفاجئ يعني أنّ كلّ شيء انتهى بسرعة كبيرة. بضع لكمات وركلات عرضية وكانوا قد فقدوا وعيهم بالفعل. حتّى روبن تمكّن من إسقاط بضع منهم دون عناء يُذكر.
قرّرت أن أكون مهذّبة وانتظرت حتّى انتهيا من تقييد مجرميهما. فور انتهائهما هبطت أمام باتمان ورفعت نظري إليه بعينين تلمعان حماسة.
"إذن، ستدرّبني الآن؟"
"لا، لن أفعل."
سحقتني هذه الخيانة غير المتوقعة البتّة.
"لماااذاا!؟"
صرخت متسائلة بمنطقية.
"قلت إنّك ستفعل إن بقيت بعيدة عن الطريق!"
"قلت إنّني سأفكر في الأمر. ما زلت معادية للأرض لذا لن أدرّبك."
"هذا ليس عادلاً!"
أعترف أنّ الدقائق القليلة التالية لم تكن أزهى لحظاتي. حاولت التوسّل والتهديد والوعود وأشياء أخرى كثيرة لأجعل باتمان يرضخ بلا جدوى. التوسّل لم يحرّك فيه ساكناً. التهديد جعله يشي بأنّها الأسباب نفسها التي رفض لأجلها تدريبي في المقام الأوّل. وكلّ ما عدا ذلك بدا وكأنّه يرتدّ عن ذلك الأحمق. في النهاية تجاهلني تماماً ومضى في المدينة ليوقف بضع جرائم أخرى ويُعلّم مساعده كيفية الركض الحرّ بشكل أفضل قليلاً.
لم يساعد الأمر أنّ روبن بدا وكأنّه يجد برمّتها أمراً مضحكاً للغاية.
كان ذلك الضعيف يثير جنوني.
"استرخي، أيتها القردة."
ابتسم لي فرخ الطير بخبث.
"لقد قال لا فحسب. لا فقدي ذيلك من أجل ذلك."
رأيت اللون الأحمر.
"سأريك من يفقد ذيله!"
صرخت واستعددت لإلقاء كرة طاقة كيه عليه قبل أن تنطبق يد مرتدية قفازاً على معصمي.
لا أظنّ أن أيّاً منا خُدع ليعتقد أنّ باتمان يستطيع حقّاً إيقافي إن رغبت في مواصلة هجومي، لكنّ نسف فتى الطيور لن يجعله يدرّبني. كان عليّ إخراج تقنيتي القسوى. حركة شريرة وملتوية لدرجة أنّني شعرت بعدم الارتياح حتّى لمجرّد التفكير فيها.
لكنّهما لم يتركا لي خياراً.
رفعت نظري إلى باتمان وسمحت لبعض الماء بالتجمّع في زوايا عيني.
"ألن تدرّبني حقّاً؟"
سألت بصوت يرتجف.
"مهلاً، انتظري. أتبكين؟"
سأل روبن بتردّد. حتّى باتمان بدا غير مرتاح في مواجهة تقنيتي القصوى. ولم تكن هذه حتّى شكلها النهائي!
"ل-لا، أنا لا أبكي! أنت من تبكي!"
على الرغم من كلامي بدأ المزيد من الماء بالتجمّع في عينيّ والانسكاب على وجنتيّ.
كان باتمان صامداً، لكنّ روبن بدأ بالتصدّع.
"بتر- باتمان، ماذا نفعل؟"
تحرّك صائد الخفافيش بتعثر وحرّر ذراعي. سمحت لتكرة طاقة كيه بالتلاشي وهبطت على السطح صورةً للتجهم الخالص. سمعتهما يبدآن في الابتعاد وقرّرت إخراج المستوى الثاني من تقنيتي، مضيفة بعض أصوات الأنين الخافتة والشهقات.
"لن نتركها هنا حقّاً... ألن نعل؟"
كانت تقنيتي تأكل بالفعل من وحدة الأبطال. كانت مسألة وقت ليس إلّا الآن.
زدت الشدة قليلاً وعلمت أنّني اقتربت من النجاح حين سمعت باتمان يتنهد ويعود إليّ مشياً.
رفعت نظري إليه حين جثا أمامي وعانيت لأرى بوضوح عبر الماء المتدفق من عيوني. عيب استخدام هذه التقنية.
"ألن تفعل حقّاً؟"
سألت مرة أخرى.
تنهّد باتمان.
"سأدرّبك... إن وافقت على بعض الشروط."
"أتوعد؟"
"...نعم."
"نعم!"
أنهيت تقنيتي وثببت في الهواء بابتسامة ساطعة. كنت أعلم أن هذا سينجح! كانت الدموع المزيفة إحدى أشرس حركاتِي لكنّ أيّ بطل لم يستطع مقاومتها!
"تشه، ظننت أنّه من المفترض أن تكون قردة لا تمساحاً. لقد لُعِب بنا..."
كنت سعيدة جداً بنجاحي لدرجة أنني لم أغضب حتى من رأس الطير على تعليقه.