دفعت نفسي بكلّ قوّة واندفعت خارج الباب الخلفيّ. تعثرت للحظة واتجهت عيناي نحو المعركة الدائرة في أطلال حديقتنا الخلفيّة. خططت في البداية للركض نحو الجد طلباً للمعونة، غير أنّ ذلك لم يكن خياراً مطروحاً. تواصل القتال في الخارج بينما كنا نصارع موجة الجرذان في الداخل. مدّد جثمان هورين بالقرب، وبدا جلده باهتاً وناحلاً، مشدوداً بقوة على جمجمته كجثة بالية نبشها القبر للتوّ.
تساءلت عما يمكن أن يفعله به هكذا، ولم أملك متسعاً من الوقت لأمنح الأمر أكثر من عابرة خاطر. كان أحد المنقبين طريح الأرض أيضاً، ساكناً بينما ينزف الدم من صدره حول رمح مكسور. وأبقى المنقب الآخر ثلاثة هياكل عظمة بعيدة وهو يلوح بمعوله أمامه. وضغط نصف دزينة أخرى من الهياكل العظمية على الجد، غير أنّه كلما لوح بهراوته المرتجلة نحوها، انطلق صاعق صارخ من الأثير الأخضر والأسود الداكن نحوه من الغابة.
ارتفع مسار استشعار الأثير خاصتي مجدداً، إذ استطاع استشعار شعور الموت العالق في تلك الصواعق. وبدا الجد كأنه يعترضها بأقراص مشتعلة من النار، لكنها كانت مشتغلّات لا غنى له عنها. والأهم من ذلك، استحال عليّ الوصول إلى الجد دون شقّ طريقه عبر الموتى الأحيام، وهو ما بدا فكرة حمقاء تماماً ما لم يكن هدفي تلقي طعنة. وسمعت في البعيد زئير الدب الميت الحي واصطدام السيف بالعظم، لكن المعركة حجبت عني بمعظمها بسبب أحد التحصينات الترابية.
مع انعدام الملاذ ووقع الأقدام المتسارع خلفي، انحرفت يمناً وركضت، ملاصقاً حافة الموقع الأمامي بينما كنت أعدو شرقاً نحو حيث ذهبت غريزلدا. لربما تستطيع تلك المرأة الأوركُيّة حمايتي. التففت حول حافة الموقع الأمامي لأصادف الجانب الآخر من المعركة وأدرك أنني لن أجد سلوى هنا. خاضت غريزلدا وسط قطيع من الذئاب الميتة الحيّة، ملوحة بفأسين في يديها بينما تشطر الجماجم إلى نصفين كأنها حطب هزيل.
وتخبط مارتن خلفها، ملوحاً بمطرقته في دوائر لحماية ظهر زوجته. وحاول المنقبون محاكاة الثنائي ومعهم فريدريك كيلين، لكن حيث أبادت غريزلدا الموتى الأحيام بضربة واحدة من فأسيهما، كان الثلاثي محظوظين إن تمكنوا من إعقاقهم بأسلحتهم المرتجلة. عوى ذئبان، وكان الصوت مرثية دنسة، ثم انشقّا عن نحو دزينة ذئاب بقيت في القطيع وبدآ بالاندفاع نحوي. لم أحتج سبباً آخر وواصلت عدوي مبتعداً عن المعركة، دائراً حول الموقع الأمامي باتجاه الباب الأمامي.
كنت لأتحطم عائداً عبره وأتوجه نحو أمي لكن الباب نفسه كان مغلقاً من الداخل لذا واصلت الجري، بينما حرقت عضلات ساقي وتنحت أنفاسي في لهاث ممزق. ولم أسمح لقبضتي على سيفي الخشبي بالارتخاء مرة واحدة رغم الرعب، متمسكاً به كقطعة حطام طافية في البحر.
صاح الغبلين من خلفي: "أنا مقتلك لا محالة!"، وما زال يطاردني، رغم تحركه بخطى متعثرة كأنه جريح بالفعل.
ولولا ذلك، لظننت أنه ربما أدركني. ركضت نحو حافة الموقع الأمامي مجدداً وانحرفت باتجاه باب المطبخ، مكملاً دورتي حول منزلي. وتدفق الجرذان خارجين من باب المطبخ، يصدرون صريراً محتدماً وهم يتسلقون فوق بعضهم للفرار من المبنى. وما زال الجد محاصراً رغم تمكنه من القضاء على هيكل عظمي آخر، شأنه شأن المنقب. نحن ننتصر! فكرت، في اللحظة التي التم فيها الغبلين حول الزاوية خلفي وذئبان يذنبانه.
ومع انسداد الباب، فعلت الشيء الوحيد الذي خطر ببالي، دافعاً بسيفي الخشبي إلى حزامي ومشتبكاً بالشرائح الخشبية قرب المطبخ. تفعّل القبض المتحكم، وتدفق أثيري إلى أصابعي بينما رفعت نفسي صعوداً على الجدار، أشبه بقرد منه بطفل.
عوى الغبلين: "لاا!!"
وانقض الذئبان بدلاً من ذلك على الجد فصرخت محذراً. تكونت كرتان من النار خلف العجوز، لم تكبر كل منهما عن قبضة اليد. وانطلقتا نحو الذئبان، دافعتين بالزوج الميت الحي للارتداد عبر الأرض الصخرية. وحاول الجد خلق كرة لهب أخرى، عيناه مسمرتان على الغبلين، عندما نجح أحد الهياكل العظمية في جرحه بسيف صدئ. أردت الذهاب ومساعدته. ولحسن الحظ تعافى سريعاً، مديراً هراوته ومحطماً صدر الهيكل العظمي الذي نجح في جرحه.
صاح: "امض!"
فحيح الغبلين: "لن تفلت!"، مندفعاً في الباب الخلفي.
أدركت أنه سباق الآن. يداً بيد، جعل القبض المتحكم صعودي أشبه بالركض منه بالمشي، وتسلقت حتى نافذة غرفة نومي. ودون تفكير أخرجت سيفي الخشبي وحطمت الزجاج داخلاً قبل استخدام معطفي لحماية يدي بينما تسلقت في الداخل. وفعلت فوراً الخطوات المكتومة، وتسرب المزيد من الأثير من جوفي بينما استغلت المهارات الوحيدة المتوفرة لدي. خطر ببالي خاطر، فملأت بضرورة وسادة سريري بسرعة لأجعله يبدو وكأنني أختبئ تحته.
ثم انسللت خلف بابي، صامتة قدماي على الألواح الخشبية بفضل مهارتي. أعلمني خدش الأطراف المخالب للدرج الخشبي أن الغبلين لم يستسلم. مقتحماً غرفتي ومانداً فوراً نحو كومة فراشي، وطعنت المخالب في النسيج محاولة الوصول إلى ما ظننت أنه أنا. عبرت الغرفة بخطى صامتة، وما زال الأثير يتدفق إلى مهارة الخطوات المكتومة خاصتي، والشعور الزغبي مريح بينما أرجحت سيفي الخشبي في قوس جانبي بأقصى قوة استطاعتها.
صاحب طقطق العظم صرخ ألم من الغبلين وهو يتدحرج مبتعداً عني. وحتى في عتمة الغرفة، استطعت رؤية كيف كسر عضده الأيمن، وعظم أبيض يبرز من حيث ضربت. بدا المخلوق أضعف وأهش مما ظننت، لكنه أدرك مكاني الآن. تراجعت للخور، رافعاً سيفي إلى وضعية حراس كما تعلمت، وانتظرت. هجم الغبلين نحوي. وكان أسرع مني، تماماً مثلما كان برين. تنازلت عن الأرض، ملوحاً بنصلي الخشبي ليفضل الغبلين استخدام ذراعه المكسورة كدرع بينما اصطدم بي.
وأطلق الوحش خوار ألم لكن مجازفته نجحت إذ قذفت إلى الأرض. اصطدم رأسي بالخشب ورأيت النجوم. مبتعداً زحفاً، شعرت بأنفاسه المنتنة على قفا رقبتي بينما ثبّتنِي بإحدى قدميه المخلبيتين. ثم جاء دوري لأصرخ بينما حفرت الأظافر الحادة، الشبيهة بمخالب طائر، جروحاً عبر معطفي الفرو وإلى لحم ظهري الطري. تخبطت، محاولاً التدحرج مبتعداً. وفي حين نجحت في الإفلات من أسفل قدمه، مزقت الحركة مجموعة ثانية من الجروح في ظهري.
ناهضاً على قدمي، تقاطر سائل دافئ على بشرتي مصحوباً بصوت دمي وهو يتناثر على الأرضية الخشبية. وملأ الصوت أذناي على خلفية البكاء والصياح من الغرفة المشتركة في الأسفل. دافعاً بنفسي للوقوف، دابراً ونازفاً، رفعت يدي كأنني مستعد لمواصلة القتال لأجد سيفي الخشبي قد اختفى. كان ملقى بالقرب على الأرض، خارج متناولي وقريباً جداً من عدوي.
همس الغبلين، بادياً مكسوراً بكل جزء منه تماماً مثلما شعرت: "انتهى الوقت".
تعثر إلى الأمام وحاولت التراجع للخلف، ليبلغني أسرع مما توقعت. التفتت يده المخلبية حول حلقي. صرخت بينما طعنتني، لكن الضغط كان المشكلة الحقيقية إذ بدأ يخنق الحياة مني. وغير راغب في السقوط دون قتال، امتدت يدي اليسرى وأمسكت بحلق الغبلين نفسه. ثم تفعّلت القبض المتحقب. واتسعت عيناه بينما انطبقت أصابعي حول رقبته بقبضة حديدية. استطعت رؤية خوفه، لكن أعمق من ذلك، عزيمته. سيكون سباقاً لخط النهاية، من يمكنه الاحتفاظ بوعيه لأطول فترة.
الخاسر سيقضي، والناجي سيعيش. بهذا القرب، والجلد ملتصق بالجلد، شعرت أخيراً بالإحساس الذي ذكره. شعور يتجاوز اللحم والدم والعظم.
إحساس بشيء "آخر"
يختبئ تحت القشرة الرقيقة من الجلد الأخضر الشاحب والرمادي. كان هناك ظلام داخل هذا الغبلين، يغمره غضب لا ينهي. وانفرجت شفتاه بسخرية، كاشفتين مجدداً عن أسنانه الحادة المكسورة والمصفرة.
اختنق قائلاً: "أظهرت نفسك أخيراً. أستطيع استشعارك بوضوح الآن، يا أمير الظل. قواك ستصبح لي..."
أردت الرد. أردت الاحتجاج على النهاية، صارخاً بتحدي في وجه هذا الكيان الذي يرتدي غبليناً كبدلة لحم، لكن كل ما خرج كان شهقة مخنوقة. لم يستطع الهواء دخول حلقي، وبدأ الظلام يتسلل عند حافة رؤيتي. كنا نخوض معركة بقاء، وكنت أخسر. لكن في هذه اللحظات الأخيرة، والعيون الصفراء المخططة تسمرني، شامتة بنصرها الوشيك، أصبحت أعدي حيث أردت بالضبط. ذراع واحدة تتدلى مكسورة إلى جانبه، والأخرى مشغولة جداً بخنق الحياة مني.
وعينان تشخصان في عيني، تستمتعان بموتي، وأكثر غفلة من أن تلاحظا بينما انسلّت يدي اليمنى داخل معطفي وسحبت سكين المطبخ التي أخفيتها هناك. ثم نظرة المفاجأة على وجهه بينما مر ذلك النسل القصير بين الأضلع وإلى قلبه المتعفن. ارتخى القبض على حلقي ثم تلاشى بينما انهار الغبلين في كومة على الأرض، وما زال حياً، لكن ليس لوقت طويل. اندفع الهواء إلى رئتي وانحنيت، مسעلاً بجنون بينما أبتلع الأكسجين الذي حرمت منه.
أبقى الأدرينالين الألم بعيداً الآن، لكنني علمت أنه لن يدوم طويلاً. وكان الدم يتسرب أسفل رقبتي من حيث أمسكني الغبلين الملبوس براحة يديه. وقفت فوق الوحش، مسעلاً لا أزال لكن عيني صارمتان وأنا أراقب الحياة تتسرب من صدره مع كل نبضة من قلبه المحطم. حاول الكلام لكن كل ما خرج كان دماَ أحمر مزبداً. راقبت النور يفارق عيناه بشعور من الرضا القاتم. وحين مات، تماماً كما مع الغراب والجرذان، استطعت استشعار شيء عالق داخل جثمان الغبلين.
الشيء ذاته الذي شعرت به يختبئ تحت جلده. لكن حيث بدا الغراب والجرذ بالكاد أكثر من شمعة متذبذبة مبهمة، احترق هذا بحرارة موقد. دون تفكير أو فهم، استنشقت، جابعاً الطاقة في داخلي. بدأت الإشعارات في الركن من رؤيتي لكن قبل أن أستطيع الانتباه لها هربت الطاقة التي استنشقتها عن سيطرتي. في معدتي، حيث استشعرت نواة أثيري أكثر من مرة، بدأت كرة متموجة من الظل تتوسع. وبدلاً من النار، بدا مجال الطاقة كجليد، بارداً لدرجة الإحراق.
ثم توسعت، ومجسات أثيرية تمتد نحو الخارج بينما تمتد في خطوط صعوداً عبر صدري ونزولاً نحو قدمي. وحين وصلت مجسات الظل المستكشفة إلى رأسي بدأت أصرخ، وأمسك ألم جليدي برأسي لدرجة أنني لم أستطع حتى الجزم إن كانت تلك المجسات ذاتها قد تحركت أسفل ذراعي. راكعاً على ركبتي، نازفاً من ظهري ورقبتي، في عذاب داخلي وخارجي على حد سواء، شهدت أمي تقتحم غرفتي! ركضت نحوي، ملتقطة إياي بينما أهوي كدمية قُطعت خيوطها.
شعرت بوعيي يفلت أخيراً، نزيف الدم، الحلق المكدود، الألم المستستر من نواة أثيري، والأدرينالين المتلاشي مجتمعين أخيراً لتجريدي من إدراكي. وقبل أن أغيب عن الوعي، نظرت إلى أمي، وعيناها الزرقاوان الساطعتان ممتلئتان بالدموع وهي تحتضنني.
همست: "أمسكت به"، ثم استحوذ عليّ الظلام.