عرج كورنيليوس إلى داخل الغابة وإلى جانبه جورج. احترق الجرح في ساقه حيث نجح أحد الهياكل العظمية في طعنه لكنه كان إصابة طفيفة بكل المقاييس. كان حال جورج أسوأ وإن كان ذلك أقل وضوحا. تدلى ذراع النبيل السابق بلا حراك مكسورة من جراء صد ضربة من الدب الميت الحي. كان كورنيليوس سعيدا فحسب لمعرفة أن الرجل على قيد الحياة وبشري. لقد علم دائما أن النبلاء يحصلون على تعليم أفضل ويبدأون في تطوير مساراتهم بنشاط في وقت مبكر.
مع ذلك ورغم أن كورنيليوس يكبر الرجل بخمسة عشر عاما على الأقل إلا أن الفجوة بينهما من حيث القوة والقدرة كانت أصغر بكثير مما كان يود. بالتأكيد يرجع جزء من ذلك إلى أن كورنيليوس كان يتلاشى هنا في الجبال منذ ما يقرب من عقد من الزمان ولكن الأمر كذلك بالنسبة لجورج.
قال كورنيليوس مشيرا إلى يساره: "من هناك".
أطلق جورج أنّة فقط وصك الرجل على أسنانها مقاومة للألم وهو يلتفاف ليتبع اتجاه كورنيليوس. كانت المعركة قاسية لكنها حُسمت. آخر ما كانوا مستعدين للقيام به رغم ذلك هو السماح لساحر الظلام بالهرب والمحاولة مرة أخرى بمجرد أن يعيد بناء قواته. في ظلام الغابة لم يستطيع العفريت الصغير الإفلات من تعويذة الرؤية الحرارية الخاصة بكورنيليوس. كان الشكل الصغير المتعثر والمار بطريقة تكشط الأرض بعيدا عنه بمثابة شيء مرسوم في شعاع من ضوء القمر ليراه كورنيليوس.
انفتحت الأشجار من حولهم. هبت دفقة من الهواء البارد فبردت العرق في لحية كورنيليوس لكنها أتاحت له خطا واضحا للرؤية نحو العفريت المتعثر. تجمع الأثير فوق يد كورنيليوس وتشكل بقصد وسيطرة في كرة نلهب صغيرة انطلقت بسرعة عبر المسافة الفاصلة. ألقى العفريت درعا أثيريا سريعا وابتلع الضوء الأخضر الداكن الذي ينبعث منه رائحة الموت كرة النار. أوقف الإلهاء ساحر الظلام لحظة واحدة فقط لكن ذلك كان كافيا لجورج للانزلاق عبر الأرض.
حملته الأرض في منتصف الطريق وأطلقته للأمام نحو عدوه. هبط سيفه ممسكا بيد واحدة بينما شعر كورنيليوس بتعويذة أرضية تمنح النصل قوة إضافية. توسع درع أثري آخر لاعتراض النصل وتمكن من منعه من شطر ساحر الظلام إلى نصفين فتحطّم الدفاع تحت قوة الضربة. وكان ذلك وقتا كافيا لكرتي نار باحثتين لتصطدما بصدر العفريت ووجهه. كانت صرخة الوحش الصغير المتألمة موسيقى لآذان كورنيليوس بعد ما فعله هذا الطفيلي الصغير بهورين بتعويذة صاعقة الموت.
رفع العفريت يده والتف أثير أسود وأخضر حوله بينما شكل هجوما آخر. لم يمنحه جورج الفرصة فقطع سيفه هواء الليل بسرعة. تناثر الدم على الأرض بينما أكمل جورج تأرجحه وطار رأس العفريت بعيدا عن عنقه وارتد على أرض الجبل.
قال جورج متنهدا وهو يحتضن ذراعه المكسورة: "انتهى الأمر".
صرح كورنيليوس وهو يتحرك للأمام للإمساك بكل من الرأس المقطوع والجثة النازفة للعفريت: "سأححض الجستر ولنعد إلى المركز المتقدم".
قد يحتاجون إليها لإثبات أنهم قتلوا ساحر الظلام. بالإضافة إلى ذلك كان كورنيليوس يشعر أن ساحرة أعشاب معينة قد تدفع ثمن الجثة وكانوا على وشك الاعتماد عليها للحصول على الكثير من الشفاء. لم يكن كورنيليوس راضيا عن كيفية سير الأمور ولكن بينما كان يسير متثاقلا نحو المركز المتقدم كان بإمكانه على الأقل أن يشعر بالرضا لرفع مسار حارس القبر بمستويين. لقد ترك المسار خاملا منذ أيام مغامرته في مدينة فارينجيا لكن زوجا إضافيا من إحصائيات الأثير كان جائزة مرحباً بها للغاية لتفوقه في قتل أكثر من ثمن هيكلا عظميا وساحر ظلام.
الآن كان عليه فقط التأكد من أن ابنته وحفيده على قيد الحياة.
* * *
عندما استيقظت كان الضوء يسطع بالفعل عبر الباب المفتوح للغرفة التي وجدته نفسي فيها. بدا عقلي وكأنه عصيدة وكان صداع نابض خلف عيني يجعلني أتأوه بينما أنظر بوعي حول لأعرف أين أنا. لم يستغرق الأمر طويلا على الرغم من تعبي للتعرف على غرفة الجد. كانت والدتي نائمة بجواري تحت الأغطية. في الضوء الشاحب استطعت رؤية خدوش دموية صغيرة على يديها حيث كانت تمسك الأغطية حول رقبتها.
فكرت: ستجني ماغاتا ثروة طائلة من جرعات تجديد الندوب. حاولت التحرك وقمعت أونة بينما انطلقت دفقة من الألم الناري في ظكري. تسللت ذكريات الليلة الماضية ببطء إلى عقلي. كان رد فعل الأولي رغبة في القفز من السرير للاطمئنان على الجميع ولكن حقيقة أن المركز المتقدم لا يزال قائما إلى جانب أمي النائمة بجواري أخبرتني أننا انتصرنا إلى حد ما. محاولا الاسترخاء على الرغم من الاحتراق على ظكري نتيجة التعرض للقطع بمخالب العفريت وخفقان رقبتي حيث قطعتني استقرت في سرير الجد وركزت على الإشعارات الوميضية في زاوية رؤيتي.
أخذ الإشعار الأول أنفاسي. لقد طورت مستوى مسارك! مسار سرقة الأرواح الأول (10/39) المكافأة: نواة أثير محسنة لقد طورت مستوى مسارك! مسار سرقة الأرواح الثاني (25/39) المكافأة: قنوات أثير محسنة أحضرت حالتي على الفور لمعرفة ما تعنيه المكافآت.
ملامح الجسد
نواة الأثير - صغرى (107)
قنوات الأثير - متوسطة (111)
عادت أفكاري إلى الليلة السابقة، أستعيد الأحاسيس التي انتابتني بعد وقت قصير من موت الغوبلن، وبعد أن... استنشقت... ماذا؟ جوهره؟ روحه؟ ذلك الشعور بشيء مظلم وبارد يتمدد في معدتي، ثم يرسل مجساته عبر بقية جسدي. أكان هذا هو السبب؟ أكانت المجسات مجرد تجسيد لتوافقي مع الظل، الذي هيمن على نواة الأثير لدي على الأرجح؟ أكانت تلك المجسات هي الإحساس بتمدد قنوات الأثير؟ كلما تعمقت في الأحاسيس والذكريات، اتسعت عيناي.
استطعت أن أشعر بنواة أثيري. كنت مستلقيا في الفراش لا أفعل شيئا سوى التفكير فيها، من دون استخدام أي مهارة، ومع ذلك شعرت بنواة من الأثير تدور برفق في مركز كياني. وإذا غامت الغرفة قليلا وأنا أركز على إحساس أثيري المتدفق بهدوء، فلم يكن ذلك بالتأكيد بسبب الدموع في عيني. لعل جدي كان يحتاج فحسب إلى نفض الغبار عن غرفته. تنفست بسعادة. سأصبح ساحرا في النهاية. جعلتني الفكرة أشعر بوخزة في معدتي.
هل كان مسار سرقة الأرواح يتقدم عبر قتلي كائنات أخرى و... حسنا، سرقة أرواحها؟ أكان ذلك الثمن الذي علي دفعه لأصبح ساحرا؟ لم أكن أعرف كيف أشعر حيال الأمر، وكان أكبر من أن أتعامل معه وأنا أتعافى من تجربة اقترابي من الموت. لذلك وضعته جانبا في الوقت الراهن وانتقلت إلى الإشعار التالي. تم الحصول على إنجاز! حسنت نواة الأثير الصغرى إلى نواة أثير دنيا. المكافأة: 1000 خطوة في أي مسار أساسي متعلق بالأثير.
ثلاثة مسارات متاحة. هل ترغب في تطبيق مكافأتك على مسار استشعار الأثير، أم التلاعب بالأثير، أم التخمير؟ كنت بحاجة إلى مزيد من الوقت للتفكير في إجابة سؤال المسارات اللامعدودة، فتجاوزته وانتقلت إلى الإشعار التالي. تم الحصول على إنجاز! حسنت قنوات الأثير الضعيفة إلى قنوات أثير متوسطة. المكافأة: 1000 خطوة في أي مسار أساسي متعلق بالأثير. ثلاثة مسارات متاحة. هل ترغب في تطبيق مكافأتك على مسار استشعار الأثير، أم التلاعب بالأثير، أم التخمير؟
استرخيت فوق الوسادة تحت رأسي، وتركت نعومتها الحريرية تسندني وأنا أدرس خياراتي. بعد احتساب سمة الموهوب، كانت المكافآت ستتجاوز بالتأكيد ما مجموعه ثلاثة آلاف خطوة. ولو طبقت المكافآت على مسار التلاعب بالأثير، لقذفتني فورا إلى المرتبة الثامنة في المسار، ومنحتني ثماني نقاط إضافية في إحصاء الأثير لدي. لكن هل كان ذلك ما أريده؟ وهل كان سيجعلني قادرا فعلا على التلاعب بأثيري؟
شككت في ذلك، أو أن أثره، إن وجد، لن يكون ملحوظا كثيرا. ما أردته حقا، وما كنت أحتاج إليه في الواقع، هو سمة استشعار الأثير، وللحصول عليها كان علي إكمال مسار استشعار الأثير. لم تخطر ببالي قط فكرة تطبيق المكافأة على مسار التخمير. أعلنت إرادتي للمسارات اللامعدودة. لقد تقدمت مرتبة مسارك! مسار استشعار الأثير VIII (5088/2500). المكافأة: +1 أثير. لقد تقدمت مرتبة مسارك! مسار استشعار الأثير IX (5088/5000).
المكافأة: +1 إحصاء غير مخصص. انتقلت من أقل من ربع الطريق في خطوات مسار استشعار الأثير إلى ما يزيد قليلا على النصف بقفزة واحدة. وبقدر أهمية تقدمي تقريبا، عرفت الآن المقدار الدقيق الذي حسنت به سمة الموهوب تقدمي. فقد قفز مسار استشعار الأثير لدي بمقدار ثلاثة آلاف ومئتي خطوة بالضبط، ما يعني أن كل مكافأة إنجاز منحتني ألفا وستمئة خطوة بالضبط، بزيادة قدرها ستون في المئة عن المكافأة المعلنة.
وبناء على ذلك، أجريت الحساب بسرعة في رأسي، وخلصت إلى أن التحسن الأساسي الذي تمنحه سمة الموهوب لا بد أن يكون أربعين في المئة، وقد ارتفع إلى ستين في المئة بفضل نقاط الإحصاء الإضافية التي طبقتها على السمة. القول إنني كنت مسرورا بالنتيجة أقل بكثير من الحقيقة، لكن إشعارا آخر كان ينتظرني. فتحته. تم الحصول على إنجاز! اقتل فردا من ذوي الفئة من دون أن تكون من ذوي الفئة. تقييم المشاركة والبيئة.
تحديد المساعدة الجسدية المقدمة. لم تقدم أي مساعدة. تحديد المساعدة التي قدمتها المعدات. نجح المستخدم باستخدام سلاح عادي، ولم يعثر على أي سحر أو تعاويذ أو مساعدة متعلقة بالأثير. تحديد قدرات الخصم. كان الخصم في حالة ضعف، لكنه ظل متفوقا على قدرات المستخدم بكثير. تحديد الفارق في التطور بين المستخدم والخصم. لا يزال يفصل المستخدم سبعة أعوام عن فتح الفئة، في حين أن الخصم كان قد أمضى عدة أعوام منذ فتح فئته، مع مضاعف عرقي ثلاثي.
تم تحديد المكافأة. المكافأة: منحة ممنوحة: محارب صغير. احصل على إحصاء إضافي في المراتب الزوجية من أي مسار متعلق بالأسلحة. اتسعت عيناي. منحة؟ لم يذكر جدي شيئا عن هذه المنح، لكن بالنظر إلى ما اضطررت إلى اجتيازه للحصول على إحداها، فربما كان ذلك التجاهل متعمدا. سأزعج العجوز بشأن الأمر لاحقا. وكأن فكرتي استدعته، أطل الرجل العجوز برأسه من حول الزاوية ليرى كيف حالنا. لاحظ أن عيني مفتوحتان، فدخل الغرفة بهدوء وجلس إلى جوار السرير.
طوال السنوات التي عشتها معه، لم أره قط بهذا القدر من الوهن والإرهاق. كان قد غير ملابسه بوضوح منذ ليلة أمس. ارتدى سروالا من صوف بني داكن، وقميصا أبيض عاجيا أخفى شيب لحيته أكثر من القمصان الداكنة التي كان يفضلها عادة. وفوق القميص ارتدى معطفه الفرو، رغم أنني رأيت بضع شقوق في ذراعيه، وظلت رائحة الدخان عالقة في نسيجه بسبب عروضه النارية المبهرة. وجد وقتا ليغسل وجهه بوضوح، إذ لم يكن عليه أثر للسخام أو الدم، لكن عينيه الزرقاوين، اللتين لطالما تلألأتا، بدتا منهكتين.
كنت أنا من كسر الصمت بيننا.
سألت: "هل الجميع بخير؟"
خرج صوتي خافتا واهنا، خوفا من الإجابة، ولأنني لم أرد إيقاظ أمي. تنهد جدي بهدوء.
قال: "نجا الجميع تقريبا، رغم أنني لا أظن أن هناك شخصا واحدا لم يصب بأذى. فقدنا هورين على يد مستحضر الموتى، وأحد عمال المناجم بسبب الهياكل العظمية. ومات عامل مناجم آخر كان يقاتل إلى جانب غريسلدا، قتله ذئاب الموتى الاحياء. ثم كان هناك الصبي الذي مات في الداخل على يد الغوبلن الآخر. تقول لي أمك إنك أنت من قتله."
أومأت إيماءة خفيفة جدا، وأنا أراقب شفتي جدي وهما تنطبقان في خط رفيع. انتظرت التوبيخ. لكنه لم يأت.
همس جدي والدموع في عينيه: "أنا آسف لأنني لم أكن هناك لأحميك يا باستيان. وأنا... فخور بك جدا."
كدت أقفز من السرير. رميت الغطاء خلفي وتجاهلت الألم في ظهري، ثم ألقيت بنفسي بين ذراعي جدي. ارتجف الرجل العجوز بصمت، ولف ذراعيه حولي. وبعد لحظات انضمت إلينا ذراعان أخريان حين التحقت بنا أمي. لم أكن بحاجة إلى أكثر من عائلة محبة وإرادة لا تستسلم كي أنجح في هذا العالم.