مدّت إحدى زوجات المنقّبين، وهي امرأة ظننتُ أنّها أمّ سورين، يدها واختطفت الطفل ذي الأعوام السبعة إلى حضنها. حاول الإفلات وتخبط بعنف كأنّها تسعى لقتله، لكن طغيان الإحصائيات عند المقارنة بين بالغ وطفل جعل محاولته محكومة بالفشل. رأيتُ في عتمة الغرفة المشتركة دموع سورين تنعكس في عيني أمّه وهي تحضنه بقوّة. عاد بصري إلى النافذة ورايت المنقّب المصاب ينتزع السهم العظمي من ساقه ويوقف النزيف بقطعة صوف ممزّقة.
استمرّ صوت ارتطام السهام المتساقطة لكنّه اخفق في غرس نفسه بلحم المدافعين للمرّة الثانية. أما أنا فالتصقت عيناي بالجدّ حيث انحنى تحت طاولة خشبيّة أخرى مستخدماً الكبارى لحماية جانبيه ريثما ينتهي مطر السهام. أخيراً، وبعد ما بدا دهراً لكنّه استغرق أقلّ من دقيقة غالباً، انتهت الدفعة الفوضوية. تحطّمت العديد من السهام على الحجارة باعثة شظايا عظمية في كلّ مكان، ممّا صعّب التحرّك على الأرض التي أصبحت حادّة وغير مستقرة.
بدا أنّ ذلك كان جزءاً من خطّة ساحر الأموات إذ بدأت عفاريت العظام تلقي قسيّها في البعيد. وعوضاً عن ذلك أشهقت أسلحة متنوّعة وهي تنتظم فيما يشبه خطوطاً قتالية واهية. حمل بعضها رماحاً رديئة رؤوسها من الحجر، وحمل أخرون خناجر صغيرة مصنوعة من العظم، بينما قبض محظوظون قلائل على سيوف صدئة. لم يصدر أيّ هتاف حربيّ عن الموتى السائرين. ففي لحظة كانوا ينتظمون في صفوف، وفي اللحظة التالية كان يندفعون عبر الأرض الوعرة باتجاه الجدّ والقلّة من المدافعين بيننا وبين قوات ساحر الأموات.
نهض الجدّ من تحت الطاولة وشعرت بالاثير يبدأ بالتجمّع. توجّهت عيناي إليه ظنّاً منّي أنّه على وشك إلقاء تعويذة. وعوضاً عن ذلك، ومع ارتفاع خطوات مساري، شهدت الأرض تبتلع شظايا العظم ممهدة السكون لزوج المنقّبين والجدّ. سحر الأرض، هذا ما أدركته. قفزت عيناي إلى جورج الذي مشى بهدوء نحو إحدى الفتحتين في السور المخصصتين لتوجيه الهياكل العظمية يتبعه المنقّبان، رغم أن والد سورين وبرين كان يعرج بالفعل بسبب جرح ساقه.
لكنّي لم أستطيع التركيز معهم إذ جذبت عيناي مجدداً نحو الجدّ بينما شعرت بمزيد من الاثير في الهواء. أمضيت أكثر من عام أتدرب في مسار استشعار الاثير مع العجوز وكان كلّما شعرت باثيره لا يعدو كونها اضطراباً طفيفاً في الهواء. كيان غير مادي يشبه بذرة المهارة التي خبأتها في الطابق العلوي، لزج وزلق لكن ليس تماماً. لم يكن شعور أثيره الآن شبيهآ بذلك البتة. كان الهواء داخل الموقع بارداً رغم كثرة الحضور والمدفأة، لكن التحديق في الجدّ جعل الأمر كأنّني أتعرض لصفعات من أمواج ساخنة لزجة.
كنت بارداً وساخناً في آن، وتلك المزاوجة كانت لتتركني في حيرة لولا التيار الخفيّ للأثير في الهواء. استمرت الهياكل العظمية في هجومها، لكن النيران من حولها بدأت تتغير وتضطرب وتتوهج كعناصر حيّة. خمنت أن ساحر الأموات لابدّ أنه شعر بذلك أيضاً، إذ بدأ جيش الموتى بالتشتت وتمزقت الصفوف من دروزها بينما راحت الهياكل العظمية تسابق نحو مخبأ غير موجود حقّاً. طوال ذلك الوقت استمرت ألسنة اللهب من نيران المعسكرات العديدة في التعاظم والنموّ متحدة حتّى اندفعت في النهاية كواجبة بحرية ملتهبة من الأحمر والبرتقالي والأصفر.
بدت الحرارة التي أصابتني هذه المرة حقيقيّة لا مجرد شيء أتخيله. منعني سطوع النيران من رؤية ما حدث بالضبط لكنّي تطلعت فور جلاء عيناي. تدفق البخار عن الأرض مع خمود النيران متلاشياً بنفاد الاثير وتوقف خطوات مساري عن الصعود. التصقت بالنافذة وتعارض دفء الزجاج مع يديّ الباردتين بينما تجمعت الرطوبة حول أصابع الممدودة. ترنح الجدّ خلف الحاجز مباشرة متعباً جلياً من تعويذته لكنّه بقي واقفاً.
في البعيد فرشت العظام المتفحمة ميدان المعركة بينما تسلقت الهياكل العظمية القليلة الناجية من منخفضات الأرض أو من خلف صخور لا تكبر طفلاً. تحولت الرماح الخشبية إلى رماد ولا يزال الدخان يتصاعد من بقاياها. نيران المعسكرات الساطع سابقاً تحترق الآن بنزق وقد استهلك معظم وقودها. أحصيت الهياكل المتحركة واحداً تلو الآخر. لم يتبقَ من جيش الموتى سوى أقلّ من خُمسه. دمر الجدّ في هجوم سحريّ واحد أكثر من ثمانين هيكلاً عظمياً ميتاً.
لطالما عرفت أنني أريد أن أكون ساحراً، لكنّ هذه التجربة الفردية ختمت ذلك المصير من أجلي. سأصبح مثل جدي أو أموت محاولاً. صاحب تلك الفكرة صرخة غضب حادة قادمة من الغابة، وخمنت أن ساحر الأموات لم يكن سعيداً بالنتيجة مثلي. ومع خفوت النحيب الحاد لساحر العدوّ، اندفعت الهياكل العظمية المتبقية نحو السور وقد تقلص عددها ليصبح محتملاً. تولّى المنقّبان حراسة الفجوة ضدّ القوات المهاجمة مستخدمين معدّات التعدين عوضاً عن الأسلحة، والجدّ يقف خلفهما.
لم أستطع استشعار أيّ أثير من العجوز، لكنّ ذلك لا يعني أن طاقته نفدت. حين وصلت الهياكل العظمية الأولى تقطع المنقّبين كأنهما جذوع خشب لا رجال لحم ودم، رأيت جورج ينسلّ عبر الأوتاد الخشبية. انثنت الأعمدة ببساطة حوله مفسحة الطريق لأبي إيتا قبل أن تعود لتركيبها. ظننت أن مبارز سحر الأرض كان يتحكم بالأرض. ثم تحرك ليبدو مجدداً وكأنه ينزلق على الأرض بقدر ما يجري. هتفت رغم شعوري بتوتر إيتا بجانبي.
كان أبوها سيقتل ساحر الأموات حتماً! لم تدم نشوتي طويلاً إذ هزّ زئير قادم من الغابة الموقع، واندفع الدبّ الميت الحيّ الذي بقي خاملاً حتى الآن ليواجه جورج. لمعت مخالب الوحش في ضوء النار الخافت وتساءلت كيف تمكن ساحر الأموات من زرع معدن في الكائن الميت العملاق. ثم أصبح جورج في المدى والتقي الاثنان في لحظة عنف لا تضاهى. انقضّ مخلب باتجاه جورج الذي انزلق تحت الضربة فحملته الأرض أبعد من المعتاد.
أطلقت إيتا شهقة بجانبي. كانت عيناي مشدودتين إلى المعارك الدائرة لدرجة أنني لم ألاحظ الصرخة الأولى من خلفي. لكنّه تعذر تفويت الثانية فاستدرت لأرى ما يحدث. تدفقت الجرذان كمدّ فرويّ من تحت الباب الأمامي للموقع. صاح الأطفال والامهات وصرخوا بينما هرعت القوارض المسرعة نحونا. دخل عقلي في حالة عمل قصوى فقفزت من الطاولة التي كنت أقف عليها وأشهرت سيفي الخشبي للتدريب. طار أول جرذ ضربته بصوت صرير متألّم، لكنّ ذلك لم يكن سوى رأس الحربة إذ اقتحمت حشود الجرذان الجميع.
ضربت ما استطعت منها بينما امتدت يدي الحرة لانتزاع الجرذان عني حين حاولت تسلق جسدي وعضي عبر ملابسي. كانت إيتا بجانبي تصرخ وهي تتخبط بسيفها الخشبي الخاصّ. خطفت جرذأ عن ظهرها كان يحاول التسلق إلى شعرها وألقيته بعيداً. انحدرت الغرفة إلى فوضى عارمة وبات البلاط أشبه ببيش حيّ يتلوى من الفرو والمخالب. بدت الفكرة كإشراقة وأنا أتعقب أحد الجرذان المتحرك ببطء والمختبئ بين الجموع ومخالبه المفرطة النمو تميزه عن أقران.
فارق عرفته. فارق واجهته من قبل. خضت وسط الميدان والمزيد من الجرذان تتسلق ساقي بينما تجمهر معظمها حولي محاولاً الوصول إلى الجميع. لا تتصرف الجرذان هكذا. أنت تتحكم بها أيهاغ اللقيط الصغير. تماماً مثل ابن عمك اللقيط أو أيا كان الذي حاول التحكم بي! غضبت في نفسي. لاحظني في اللحظة الأخيرة فالتفتت عيناه الزجاجيتان نحوي وكنت أطول منه قامة وشارباه يرتجفان بما يشبه رعب الجرذان.
شعرت بضغط على عقلي محاولاً تجميدي بالخوف، لكنّه كان متأخراً. كانت ذراعي تتحرك بالفعل ونصل الخشبي يهوي بقوة تكفي لتحطيم جمجمة الجرذ المتحور. شعرت بذات الإحساس بشيء ما داخل الهيكل المحتضر للجرذ واستنشقته كالهواء. ظهر إشعار خطوات في رؤية لكنّي تجاهلته وشهدت بدلاً من ذلك قسماً من الجرذان يفرّ متدافعاً فوق بعضه محاولاً الهرب من الغرفة. كان جزءاً من جزء، لكنّها كانت بداية.
أخبرني ذلك أيضاً أن هناك المزيد من الجرذان المتحورة في الغرفة تختبئ بين أبناء جنسها وتقود السرب. أبعدت جرذأ آخر عني متجاهلاً ألم الحرق حين وجدت أسنانه الحادة مأخذاً عبر معطفي وسالقطر من الدم يلطخ الفرو السميك لملابسي. ثم كانت أمّي بجانبي تجرّني إلى الخلف. التفتّ إليها فرأيت العضات والخدوش تملأ ذراعيها الشاحبتين.
"ابحثوا عن ذوات المخالب الكبيرة!"
صرخت وسط صوت الناس الصارخين وهم يدوسون ويركلون الجرذان المسرعة التي واصلت محاولة سحقهم. أشارت أمّي إلى أحدها لكنّها دفعتني خلفها وهي تحمل هراوة مؤقتة نحوه، والجرذان تتسلق كاحليها وتقرضها بأسنان حادة. أردت اللحاق لكنّ شيئاً آخر خطف بصري إذ قام سورين باندفاعة جنونية بعيداً عن بقية قطيع البيك. كان التوأمان وبرين يحطمون الجرذان بالسيوف الخشبية ويهبكون في الزاوية قرب النافذة، لكنّ سورين كان يندفع نحو باب المطبخ وإيتا تطارده.
تحركت للّحاق حين خطا شكل صغير لا يكبر برين عبر باب المطبخ. اصطدم سورين مباشرة بمن كان أو ما كان، وحتى فوق صخب معركة القوارض سمعت صوت خروج الهواء من رئتي سورين. ثم كان الصبي يترنح إلى الوراء وبدت قطعة صلبة بارزة من صدره وسائل داكن تسيل على الأرض. صرخت امرأة بصوت عالٍ خلفي، لكنّ إيتا كانت كلّ ما أبصرته عيناي حين قبض الكائن على شعر أعزّ صديقاتي وجرّها مجدداً إلى المطبخ.
"باستيان! لا!"
صرخت أمّي، لكنّي كنت أجري بالفعل ساقاي تخفقان وسيفي الخشبي بيدي وأنا أطارد. تجاهلتني الجرذان لأي سبب وأنا أعبر أرض الغرفة المشتركة بعدوّ كامل. اقتحمت المطبخ لأجد المخلوق في انتظاري. لم أكن قد رأيت عفريتاً من قبل في هذه الحياة، لكنّني كنت واثقاً تماماً من أن الوحش الماثل أمامي هو واحد. بشرة شاحبة بين الأخضر والرمادي وعيناك مصفراّوتان مريضتان. ارتدى قطع جلد تبدو مصنوعة من جلد عفريت ولم تغطِ الملابس المرقعة كلّ شيء بل أظهرت جسداً نحيلاً تبرز أضلعه كوحش جائع.
بالكاد كان العفريت أطول منّي لكنّه قبض على شعر إيتا بقبضة حديدية. لحظة دخولى الغرفة فتح فمه كاشفاً عن أسنان مصفرّة ومكسورة في ابتسامة تكشيرة. قال شيئاً حينها وكانت كلماته غليظة. لم أفهم ما يقوله، مما بدا وكأنه أربكه إذ مال برأسه جانباً قبل أن يقذف بإيتا نحو الطاولة. اصطدم رأسها بالسطح الخشبي ووهت وسقطت بلا عظم على الأرض. أردت الاقتراب منها لكنّي ما إن خطوت خطوة نحوه حتى وازنني العفريت متخطياً إياها بمخالب قدميه لا يختلف عن الجرذان.
لاحظت ذات التحور في أظافر يديه، رغم لعلّها كانت كذلك طبيعياً.
"يمكنك التوقف عن التظاهر"
هسّ بالهيلينية. في الغرفة خلفي استمرّت أصوات المعركة والصرخات. تساءلت لمَ لم تحظَ كايلي وأمي بالمطاردة. ما الذي حبسهما؟
"التظاهر؟"
سألت بحيرة محاولاً كسب الوقت مستخدماً تدريبي على حركة القدمين لأدور بعيداً عن العفريت.
"لن ينفع ذلك"
أجاب العفريت وهو يتبعني.
"عبقريّ بحقّ أن تنجح في تلبّس طفل بشريّ وتحصيل الوصول إلى مساراتي الملازمة. وتختبئ هنا حيث لا يجدك أبناء جنسنا ولا يفكر سحرة النور والصفاء المباركون في البحث. وه يا للذكاء طالما أُتيح لك الوقت لتنمو، لكنّك لن تنمو. لقد وجدتُك، وحين أنتهي من التهامك سيكون لديّ ما يكفي من القوة لكسر القيود التي وضعها عليّ ذلك اللقيط كرال. الآن تعال إلى هنا ومت!"
ألقيت نظرة إلى خلفي ملاحظاً أن باب المطبخ المؤدي إلى الخارج كان موارباً قليلاً. ثم استدرت وجريت.