الموهوب: الخطوات الأولى الفصل 47

اقرأ الموهوب: الخطوات الأولى الفصل 47 باللغة العربية على مانجا تايم.

سبقت كايلي الرجال الثلاثة بمسافة شاسعة. ساعدتها ساقاها الطويلتان، ومستوياتها الأعلى بلا شك، على قطع الأرض الوعرة والصخرية بسرعة تفوق بكثير ما يستطيع طفلان فعله. كنت دائماً أسرع من إتا، لذا وصلت ثانياً، والتقطني الجد بين ذراعيه بينما كدت أصطدم بركنيته برأسي. تفوح من العجوز رائحة العرق والدخان مع مسحة خافتة من الحديد تنبئ بوجود دم في مكان ما. كانت كايلي، بجانب الجد، ملفوفة حول جورج كأفعى عاصرة، تبكي بصمت في سترة الرجل الجلديّة والفروية الصارمة.

بدت عليه هو الآخر آثار أيام أفضل، مع مسحة خفيفة من العرق والتراب على وجهه. كان أكثر ما رأيت الرجل شعثاً قط. اصطدمت إتا بأبيها بعد لحظة وتوقعت أن يقع على الأرض، ناسياً للحظة طبيعة مسارات الميادد الخارقة. لم تجعل الفتاة ذات السنوات الخمس تزحزح إنشاً واحداً وهو يرفعها دون أن يزاحم زوجته. أما هورين فلم يتوقف عن المشي قط. واصل الحطّاب الملتحي السير ومعه حزمة ضخمة مربوطة إلى ظهره تطغى على حجمه.

رأيت من بين ثنايا الغطاء المربوط ريشاً بنيّاً وأبيض يبرز بطول يفوق ساعدي.

نادى في طريقه دون أن يوقف مسيره نحو الطريق: "سأترك هذه عند ماغاثا".

كان اعترافه الوحيد بوجود الأم والآخرين هو رفع يده بالتحية. قررت أنه ناسك مخلص لقضيته بحق.

قلت بنبرة مطالبة وأنا أنحني قليلاً للخلف لأحدّق في عيني الجد الزرقاويّتين الساطعتين: "ما الذي حدث؟".

تذمر قائلاً: "سأخبرك أنت وأمك في الداخل. يجب أن أنزل هذه الحزمة عن ظكري. لست مصمماً لمثل هذا السفر بعد الآن".

عرضت بابتسامة: "ما رأيك ببعض الشاي؟".

ارتسمت على شفتي الجد ابتسامة تسلية لعرضي.

"هذا يبدو رائعاً وسيعطيني فرصة لأتنظف. هل أنت متوجه إلى البيت، يا جورج؟".

أومأ جورج برأسه، متوجهاً نحو بيته وهو يحمل زوجته في ذراع واحدة وابنته في الأخرى.

"نعم، أعتقد ذلك. شكراً مجدداً يا كورنيليوس. لنتحدث غداً".

بعد ترتيب الأمور قفزت إلى الأرض لكي لا يضطر العجوز لحملي وتبعته عائداً إلى المركز المتقدم. لم يستغرق الأمر طويلاً حتى رتبت الجدة لوسيل ومارتن وغريزيلا أمتعتهم، ووُدّع الجميع وهم راحلون وحقائبهم على ظهورهم، قاصدين بيوتهم. مكث الأخيرَان طويلاً بما يكفي للمساعدة في إعادة الطاولات والكراسي إلى داخل المركز قبل أن ينصرفا. توجهت مباشرة نحو المطبخ؛ وبعد تبديل مساراتي، شرعت في إعداد إبريق شاي للجد — مما أدى إلى تقدم مسار الإعداد خطوة واحدة.

كان تغييراً لطيفاً إذ لم أكن بحاجة لعمل الكثير من الإعداد طوال الأسبوع المنصرم نظراً لعدم إعجاب البقية بهذا المشروب كثيراً. جلست الأم معنا إلى الطاولة بينما عاد الجد بعد أن غسل وجهه وبدل ملابسه. كانت لحيته الملح والفلفل قد شهدت أياماً أفضل، تبدو أشعث قليلاً مع قطرات ماء لا تزال طازجة فيها من غسلته السريعة، وتقدّرت أنه سيعود ليبدو كعادته غداً بعد عناية أكثر شمولاً.

تطاعت رائحة الشاي من الكوب الفخاري بينما ارتششف الجد مشروبه الدافئ، تلا ذلك سريعاً صوت لحم يئز عندما نهضت أم لتطبخ عشاء سريعاً. بدأت بالطبع في إزعاج الجد بالأسئلة فوراً.

"ماذا حدث؟ هل قاتلتما عقاب عاصفة؟ وماذا عن أفاعي الأنياب الباردة؟ لماذا تأخرتم في العودة؟".

رفع الجد يداً ليوقف وابل أسئلتي، آخذاً وقته لإنهاء شايه في جرعة واحدة طويلة قبل أن يمد كوبه نحوي للمزيد. أعدت ملء كوبه بواجبي، منتفضاً من شدة الرغبة في الحصول على إجابات لأسئلتي.

"ماذا حدث، هاه؟ حسناً، كما خططنا، قاتلنا عقاب عاصفة وهزمناه. بحجم محترم أيضاً، كما ربما استطعت أن تتبين من حقيبة ظهر هورين المرتجلة. لابد أن باع جناحيه بلغ أربعة أمتار على الأقل".

سألت بحماس: "كيف أسقطتموه؟".

"أمسكنا به وهو يهم بالصق. لقد هبط ليصيد وعلاً جبليّاً، كبيراً ومشعاراً، وبنما كان العقاب يحاول الابتعاد به أزحت أحد جناحيه بتعويذة رمح ناري. نجح في العودة إلى الجو مستخدماً سحر العاصفة لكن قدرته على الحركة ضعفت لدرجة أنه عندما أزحت الجناح الآخر برمح ناري آخر اصطدم بالجبل. استطاع جورج الإجهاز عليه من هناك، مقيداً إياه بالحجر. كانت تلك أسهل مرحلة في الرحلة".

تدخلت الأم وهي تقلب صلصة تغلي في قدرها المسحور: "متفاجئة أنك لم تحضر الوعل أيضاً".

فاحت رائحة سماوية، إذ امتزجت رائحة إكليل الجبل من حديقتها بدهن اللحم فجعلت لعابي يسيل.

أجاب الجد: "كنا سنفعل لكن الجسد تدحرج إلى أسفل الجبل ولم نكن متحمسين لملاحقته. كما كنت أقول، كان اصطياد الطائر اللعين أسهل جزء في الرحلة. انقلب الطقس علينا في اليوم الثاني وانتهى بنا المطاف بالتحصن لتجنب أي انهيارات أرضية. كانت سفوح الجبل مجاري مائية وكدت أجزم أنني لمحت أكثر من عقاب عاصفة في السماء. لا أميل عادةً لإطلاق التخمينات، لكنني أكاد أجزم أن تلك الطيور اللعينة كانت تبحث عنا. استطاعت استشعار الأثير في الهواء. لم يكن ذلك الطقس طبيعياً".

توقف الجد ليرتشف شايه بينما انحنيت إلى الأمام متعلقاً بكل كلمة يقولها، متذكراً ذلك اليوم الذي غاب فيه حيث هطل المطر بغزارة من السماء. هذا هو. كانت هذه مغامرة، وكنت أؤيدها بصراحة. بحلوها ومّرها.

"استغرق الأمر بضعة أيام ليصفو الطقس بما يكفي لنتحرك، ولم نكن مهتمين بالبقاء في أي من الكهوف. الأنياب الباردة ليست الأشياء البشعة الوحيدة على القمم. استغرق اصطيادها وقتاً أطول من المتوقع أيضاً. حتى جورج لم يستطيع استشعار تلك الآفات الصغيرة حتى تتحرك، لذا انتهى الأمر بهورين بأن يلعب دور الطعم لأجلنا. كان علينا تجربة سبعة كهوف تقريباً للحصول على ثلاثة منها فقط واستغرق ذلك بضعة أيام أخرى. وما إن تم ذلك حتى بدأنا طريق العودة، لكننا سلكنا طريقاً أصعب أسفل الجبل مقارنة بصعودنا إذ اقتنع هورين أن بعض المفترسات تقتفي أثرنا من رائحة جيفة عقاب العاصفة. استغرق الأمر منا نصف يوم لنتجاوز مناطق صيده. وهذا كل شيء يا بني. تلك هي الحكاية. مملة وباردة جداً، أليس كذلك؟".

ابتسمتُ، عارفا تماماً ما يحاول فعله، فأطلقت ردي متعمداً.

"عندما أكبر، أريد الذهاب في مغامرات كهذه!".

توترت أمي في مكانها حيث تطبخ وشعرت بالسوء فوراً.

أصدر الجد همهمة: "ربما تغير رأيك عندما تصبح أكبر سناً قليلاً. بالنسبة لي، يكفيني هذا القدر من المغامرة لفترة، أعتقد".

أومأت، واثقاً من أنني لن أغير رأي. في عالم من السحر والعجائب، لن تروى فضولي أبدًا بالسلام الهادئ. كنت أريد الاستكشاف والتقدم. لم يكن الأمان في مستقبلي، وهذا يناسبني تماماً، رغم أنني كنت قلقاً حيال ما ستفعله أمي عندما أنطلق في مغامرتي الأولى. مع ذلك، كانت تلك المشكلة على بعد سنوات ولا تستجستحق قضاء أي وقت إضافي عليها بعد الآن.

سألت بينما وضعت أم أطباقاً فيها خضار على البخار ولحم يسبح في مرق شهي: "إذن، ماذا الآن؟".

تذمر الجد: "الآن؟ حسناً، الآن تحتاج ماغاثا للإيفاء بجزءها من الاتفاق".

قلت والتفتُّ لأواجه أمي: "هل يمكننا أن نسألها؟".

التفتت أم بوجهها الذي يشبه شكل القلب نحوي وابتسمت.

"يمكننا ذلك، يا حبيبي. غداً، اتفقنا؟".

أومأت بإصرار حتى وأنا أرى الفكر وراء عيني أمي. كانت تعيد التفكير في شعورها تجاه تعلمي على يد ماغاثا. فحري بمن يتبع مسار طبقة مرتبط بالكيمياء أن يبقى في مكان واحد على أي حال. مكاناً آمناً، إن كان لأمي رأي في الأمر. مكاناً تستطيع فيه الاستمرار في مراقبتي. في تلك الليلة، مكثت أمي لفترة أطول قليلاً بينما كانت تنيمنا في السرير. استطعت تبيّن أنها كانت تتلفت باهتمام وربما تقلق بشأن الأمور فقررت أن أفضفض لها على أمل أن يساعد ذلك في تهدئة مخاوفها.

بالإضافة إلى ذلك، كنت أحب التحدث إليها فحسب.

"تعرف إتا أنني فتحت حالتي، يا أمي. والجدة لوسيل ربما أيضاً".

سألت وهي تقترب أكثر من فراشي المصنوع من الفراء المتراكم وتضع ذراعها فوقي بلطف: "أخبرتهما؟".

أوضحت: "لا. استنتجت إتا ذلك من الألعاب التي اعتدت ابتكارها. والجدة لوسيل أيضاً. قالت إتا إن أبويها ظنا أن الألعاب من صنع الجد".

أومأت أم بابتسامة وقبلت جبيني.

"هل جعلك ذلك قلقاً؟ من أنهما اكتشفتا الأمر؟".

هززت رأسى نفيّاً.

"لا. قالت إتا إنها ستحفظه سراً وإن الجدة لوسيل لا تخبر جورج وكايلي بالأمور التي نقوم بها أنا وإتا. أعتقد أنها ستحفظ سري أيضاً. لكن... هل تعتقدين أن ذلك يعني أن أشخاصاً آخرين سيستنتجون الأمر؟".

هزت أمي كتفيها بلطف، وجعلت الحركة ثوبها الصوفي الداكن يتحرك في الظلال مثل ماء يتموج في كهف.

"ربما، لكنني لا أعتقد أن الأمر سيقيم وزناً لفترة أطول بكثير. أنت على وشك أن تبلغ الخامسة وحينها يمكننا إخبار أي شخص يسأل بأنك فتحت حالتك. وحتى الآن، ومع كل مستوياتك الإضافية، يجب ألا يكونوا قادرين على تمييز أن شيئاً غريباً يجري. يمكننا ببساطة القول إنك رياضي بطبيعتك. لكن، بحلول الوقت الذي تبلغ فيه العاشرة، وبالمعدل الذي تتقدم به في مساراتك، سيبدأ الأمر في أن يصبح واضحاً حقاً أنك متقدم على الأطفال الآخرين في سنك".

أفلتت بكلمات دون تفكير: "لكن، ألن نعيش في هيلينيكا بحينها مع خالتك؟".

اكتفَت أمي برفع حاجب رقيق بتسلُّم لتلفت كلامي.

"تتنصت مجدداً؟ أفرض أنه لا ينبغي لي أن تفاجأ، لكن باستان، قد يوقعك ذلك في مشكلة يوماً ما. هناك أشخاص بارعون جداً في ملاحظة متى يتسلل أحدهم".

تمتمت وأنا أفكّر في القزم الذي كان يضبطني دائماً وأنا أتسلل: "نعم، مثل كيريث".

"نعم، مثل كيريث، أو هورين، أو المأمور توماس. احرص على ألا تزعج الناس أو تفعل شيئاً خطيراً، يا صغيري. قد يكون العالم مكاناً قاسياً للغاية".

أومأت بجدية قبل أن أومض بابتسامة صغيرة ومشاكسة.

"والانتقال إلى هيلينيكا؟".

نظرت إليّ أمي بجدية، وبدت في عينيها نظرة حزينة لم استطع تحديد كنهها.

"أهذا ما تريده؟ حضور أكاديمية سونغليف؟".

سألت مجيباً عن سؤالها بسؤال: "هل سيساعدني ذلك على تقدم مساراتي والحصول على مسار طبقة جيد؟".

"إذا كانت الشائعات تصدق، فلا يوجد مكان أفضل على القارة للمساعدة في تعليم الشباب والشابات. لكنه ليس رخيصاً. ربما يستطيع جدك تحمل تكلفة دراسة عام أو عامين إن قضى السنوات الست القادمة في صنع عملات أثير. لكن الأكاديمية تمتد لثماني سنوات، تبدأ عندما تبلغ العاشرة. إذا طلبنا مساعدة الخالة أغنيس لدفع تكاليف دراستك، فستريد شيئاً في المقابل".

سألت، وكنت أعرف القليل مسبقاً لكنني أردت أن تفسر لي أمي الأمر: "مثل ماذا؟".

"أن تصنع أصدقاء ومعارف. أن تكون اجتماعيّاً. وأظن، أن تكون واحداً من الأفضل. إن ظنت أنك لا تؤدي وفقاً للمعايير التي تطلبها، فلا شك عندي أنها ستسحب الباقي من تحت قدميك، وتمويل دراستك معه".

أجبت: "إذن، أحتاج أن أتعلم كيف أجعلم الناس يعجبون بي؟".

عارضت أمي بابتسامة: "أنا أُعجب بك".

بادلتها الابتسامة.

"أُمّي، أعني أشخاصاً آخرين! مثل كيف جعلت غريزيلا تعلمني. وماغاثا".

"نعم، أظن تماماً مثل ذلك، فقط مع أطفال في عمرك، وكثير منهم سيتطلعون إليك بازدراء لعدم كونك من أصل نبيل أو ثري. أو ما هو أسوأ".

بدت الكلمات الأخيرة صعبة على أمي لتخرجها ولم تشرح السبب، فاكتفت بالنظر إليّ بمزيج من الحب والقلق في عينيها. استطعت تبيّن أنها لا تريد لطفلها الصغير أن يتأذا. وما لم تكن تعلمه، هو أنني مصنوع من مادة صلبة. استطعت التعامل مع نبلاء متغطرسين. ولن يقف أحد في طريق تقدمي ومغامراتي المستقبلية، وأقلهم أنا نفسي.

"أستطيع التعلم، يا أمي".

"حسناً، يا حبيبي. سأخبر جدك، وسنقرر متى يكون الأفضل للتحدث إلى الجدة الخالة أغنيس. نم قرير العين، يا صغيري وسأراك في الصباح".

مع قبلة أخييرة زُرعت على جبيني، غادرت أمي الغرفة وانقلبت لأنام، حالماً بعقوب تحلق في الهواء وتلقي بصواعق البرق حول ماغاثا المقهقهة وهي تقلب مرجلًا أسود عملاقاً.