أخذت أدفَع بطانيّة الفرو بجنون محاولاً التحرّر من قيودها. دفعت بقوة من الأسفل، رافعاً الغطاء عن ساقيّ تماماً حين اصطدم شيء ما بالجانب الآخر منهما. أعقب درعي المؤقّت فحيح غاضب وصوت مخالب تخدش بعنف. واصلت التحرّك إلى الأمام، طويت البطانيّة فوق الجرذ. تصرف بعنف مقصود كما يتوقع المرء، مطلقا صرخات مميتة ومترنحاً مثل… حسناً مثل جرذ في كيس. تراجعت بعدما تحرّرت ساقاي، ناظراً إلى الباب.
استطعت الهرب والنجاة، لكن الجرذ سيطاردني، أو الأسوأ من ذلك، سيحاول مجدّداً في ليلة أخرى لا أكون فيها مستيقظاً. أم أنه لم يحاول إلا لأنني كنت وحيداً؟ لم أكن أعرف! الأدرينالين الذي يضخّ في عروقي جعل التفكير شاقاً، والرعب الذي ما زلت أشعر به تركني مشوّشاً. برزت إرادتي برأسها الوحشيّ وهدأت الأمور برمّتها. لقد حاربت ما هو أسوأ من هذا. في الرحم، دمّرت أميراً شيطانياً أصغر.
خلال أيام قليلة من ولادتي نجوت من إصابة مميتة. وقبل أشهر قليلة فقط، قتلت غراباً شنّ هجوماً مفاجئاً عليّ. هذا الجرذ، رغم غرابته، سيقسّ تماماً مثل كل وحش آخر ظنّني طعامه. تحرك شكل الجرذ الملتوي نحو حافة البطانيّة. كان الهرب في متناول قَدَمَيْه. صررت على أسناقي واندفعت إلى الأمام، محاولاً الهبوط فوقه. كان اللقيط الصغير زلقاً للغاية ونجح في الفرار لذا رميت وسادتي نحوه وانطلقت ركضاً نحو الباب، دافعاً إياه ليفتح خلفي.
عرفت أن الطعم قد وُضِع حين سمعت تخبط المخالب بينما كان الجرذ يطاردني. أملت فقط أن تكون الثواني الثمينة التي اشتريتها لنفسي كافية. غرفة أمي كانت تنتظرني على بعد خطوة قليلة. عبرت الباب منحنياً وفعلت خطوات مكتومة بينما ركضت نحو مرآتها. بالنظر إلى سرعتي، لم يكن الصوت مخفياً تماماً بمهارتي، لكنه كان مكتوماً بالتأكيد. وضعت المرآة على الأرض، استدرت وركضت للخلف خلف باب الغرفة الموارب وانحنيت.
انزلق الجرذ على الأرضية الخشبية، وكانت مخالبه الطويلة عائقاً أمام سرعته عندما استدار واندفع إلى داخل الغرفة. راقبته في المرآة منتظراً حتى كاد يجتاز الباب ثم وثبت إلى الأمام، ممسكاً بيدي على مؤخرة رقبته. صرخ اللقيط الصغير وفحّ بغضب. حاول الالتواء متخبطاً ليغرس مخالبه الطويلة الداكنة في جلدي. بدلاً من ذلك، شعرت بالدفء والتلألؤ يسري في بطني بينما تدفق الأثير إلى قبضة محكومة.
بدت أصابعي كأنها مصنوعة من فولاذ وأنا أطبقها ببطء، بيد تمسك الجرذ من رقبته، وبالأخرى من مؤخرته كي لا يتمكّن من الالتفاف واستخدام مخالبه الخلفية. طوال الوقت، راقبته من المرآة، دون أن أنظر مباشرة في عينيه بينما بدأت أصابعي تعصر رقبته. تحوّل الفحيح إلى صرخات خوف خافتة، والجرذ يتخبط في مكانه. ثم تلاشت حتى تلك الأصوات الواهية وهو يكافح ليتنفس عبر الأنبوب المسحوق الذي كان رقبته في يوم من الأيام.
شعرت بأثيري يتسرب ثانية بعد ثانية، لكني رفضت الإفلات. تألمت ساعداّي من شدة الإمساك وأنا أخنق الجرذ الصغير حتى الموت. تماماً عندما كاد أثيري ينفد، شعرت بالجرذ يموت. ليس لأنه توقف عن الحركة. كنت شديد الريبة لدرجة لا تجعلني أثق بشيء كهذا. بدلاً من ذلك، استطعت تبين الأمر من إحساس شظايا شيء ما يحيط به، تماماً كما حدث مع الغراب. ودون تفكير، استنشقته كأنه هواء، شاغراً به يتلاشى في مكان ما بداخل دمي.
أفضت نفسي من الغيبوبة التي كنت فيها، مطلقا سراح الجرذ. نظرت سريعاً إلى حالتي، باحثاً عن سطر واحد محدد. مسار سرقة الأرواح (4/10) متنهداً بتعب، انهيست جثة هامدة على مؤخرتي. الجرذ الميت ممدد على الأرض أمامي، كقمامة ملقاة. أهذا ما كنتُه؟ لم أكن أشعر بأي ندم على قتل الجرذ. ولا حتى قليلاً. لقد جاء خلفي بوضوح وبنية فعل أمر مروع ولا يستحق ذرة رحمة واحدة. لكن، هل كنت أسرع روحه؟
فرصته في دخول محيط الأرواح، مثلما فعلت بعد حياتي السابقة؟ لم أكن أعرف، وكنت بصراحة أنكه من أن أفكر في الأمر. علاوة على ذلك، كانت لدي مشاكل أخرى يجب التعامل معها أولاً قبل أن أغرق في الفلسفة والكآبة. كان هناك جرذ ميت على أرضية غرفة أمي لسبب واحد، وضرر محتمل في بطانيتي ومرآة مُزاحة. بدأت بأسهل مهمة ونهضت لإعادة المرآة إلى مكانها الصحيح على طاولة أمي. ومع زوال ذلك شعرت بتحوّل طفيف نحو العادية.
انتهى الخطر. كان عليّ فقط التعامل مع التداعيات. استدرت عائداً إلى مسرح الجريمة. رافعة الجرذ نظرت إلى شكله الهامد. في الغالب، بدا تماماً كما كنت أتوقع لجرذ أن يبدو. فراء رمادي داكن يغطي معظم جسده، باستثناء ذيله. أنف مستطيل يؤدي إلى فم مليء بزوجين من القواطع الكبيرة. ما كان غريباً هو مخالبه الأمامية. لقد سمعت بالطبع صوت الطقطقة على الأرض الخشبية عندما ركض، لكن الآن وقد أصبحت عن قرب استطاعت رؤية كم كانت المخالب على كفوفه الأمامية أطول وأحدّ مقارنة بتلك التي على كفوفه الخلفية.
غريب جداً، فكرت. رغم أن ربما هكذا تكون الجرذان في هذا العالم. سيساعد بالتأكيد في الحفر، أو أظن، تقطيع الأولاد الصغار الذين يُتركون في المنزل بمفردهم تماماً! أظن أنني لا أستطيع لوم أمي أو جدي. أعني، كنا نعيش في وسط العدم ورغم أنه كان خطيراً في الخارج بعد حلول الظلام، بدا من غير المحتمل أن يتمكن شيء ما من دخول المخفر بسهولة. كان المبنى متيناً للغاية. عرفت أنني كنت أتجنب التفكير فيما يجب عليّ فعله بعد ذلك، فتوقفت عن تشتيت انتباهي أكثر وحملت الجرذ الميت إلى الأسفل.
عندما وصلت إلى الطابق الأرضي، توجهت مباشرة نحو المدفأة. رامياً الذبيحة على الأرض جلست قريباً بما يكفي من الدفء بانتظار عودة شخص ما إلى المنزل. لم أضطر للانتظار طويلاً. بعد أقل من دقيقة، انفتح الباب الأمامي بدوي ودخل جدي بخطى ثقيلة إلى الغرفة. بالنظر إليه لم استطع إلا أن أفكر في أنه بدا متعباً بعض الشيء. شعور استطعت التفاعل معه بقوة.
سأل كورنيليوس: "ماذا تفعل هنا في الأسفل؟ هل شعرت بالخلع وأردت دفء النار ونورها؟"
ناقشت فكرة الكذب. كان مساري للخداع يستفيد من الخطوات. لكن، قررت ألا أنغمس في ذلك. لم يستطع جدي حمايتي إن لم يكن يععرف ما يدور، وإذا كانت الحيوانات ستستمر في مهاجمتي، كنت بحاجة إلى حماية. على الأقل حتى أصير أكبر سناً وأكثر نضجاً.
قلت: "حاول جرذ أكلي."
انقبض وجه العجوز في ارتباك.
"إذن، راودك كابوس؟"
هززت رأسي وأشرت إلى الذبيحة. مشى العجوز ليشاركني. واقفاً بجانبي أدركت أنه بناءً على فارق الطول بيننا، سأكون على الأرجح أطول منه عندما أبلغ مبلغ الرجال. قاطعت تأملاتي اقترابه أكثر من النار.
قال العجوز وهو يرفع ذبيحة الجرذ قليلاً ليكشف عن الجزء العلوي المسحوق، لكنه لا يزال مرئياً للغاية، وبمخالبه الأمامية الطويلة: "أخبرني بما حدث."
شرعت في سرد الأحداث. كيف كنت مستيقظاً ومكوراً في غرفتي، لست خائفاً البتة ولا أخشى النوم في منزل خالٍ. كيف سمعت الجرذ مقبلاً ورأيته يتسلل إلى غرفتي. طبيعة حركاته غير الطبيعية وكيف شعرت بالتنويم، عاجزاً عن إدارة نظري أو التصرف. ثم خشخشة النافذة التي سببت إلهاءً كسر التعويذة عني. وسواء كانت تعويذة حرفية، فلم أكن أعرف بعد. ثم ركضي الجنوني للههرب والفخّ الذي نصبته له. وأخيراً، كيف ثبتّه وأخنقته حتى الموت.
لكني لم أذكر مسار سرقة الأرواح، وأدى إغفاله إلى ارتفاع مساري للخداع تدريجياً. أثناء سردي لقصتي استمع العجوز بعناية، دون مقاطعة حتى انتهيت.
"كيف تمكنت من خنقه؟ ما كنت لأظنك قوياً بما يكفي. إنهما مخلوقات سريعة ومرنة."
أجبت: "استخدمت مهارة قبضة محكومة"، مدركاً أنني لم أذكر ذلك في قصتي.
تأمل كورنيليوس، وهو ينقر على شفتيه بتفكر: "حصلت على مهارة جديدة؟ من أين؟ قبضة محكومة ليست مهارة تسلل…"
عضضت على شفتي. لقد أوقعت نفسي في ورطة حقاً الآن. لا فائدة من الكذب، قررت. الأفضل لي الموت دون دفاع، مجازياً بالطبع.
"حصلت عليها كمكافأة من مسار التسلل."
همهم جدي رداً على ذلك، راكعاً حتى أصبح في مستوى نظري. كانت عيناه الزرقاوان الساطعتان تشبهان عيني أمي لدرجة أن فكرة النظر بعيداً لم تخطر ببالي أصلاً.
"إلى أي منزل تسللت؟"
بدا السؤال بسيطاً للغاية. نظرة وجه جدي أخبرتني أن الإجابة لن تكون كذلك.
تمتمت: "إلى منزل المنقبين."
"أعد ما تقوله؟"
بدا لي متفاجئاً أكثر من كونه غاضباً لذا أعدت كلامي.
"متى تمكنت من فعل ذلك؟"
"الليلة الماضية. بعد أن خلد الجميع إلى النوم، تسللت للخارج وتسورت نافذتهم بينما كانوا نائمين."
كان مفترضاً أن الحقيقة تحررك. شككت كثيراً في صحة تلك المقولة، نظراً لمدى غضب ملامح جدي.
"باستيان، كان ذلك خطيراً للغاية. هناك وحوش تعيش في هذه الجبال تصطاد ليلاً وفتىً صغيراً سيكون بالحجم المناسب لوجبة جيدة! أعدني أنك لن تفعل شيئاً كهذا مرة أخرى أبداً!"
مد جدي يديه وثبتني في مكاني بذراعيه، وقد امتلأت عيناه الزرقاوان بمزيج من الغضب والقلق.
همست: "...أعدك"، وأنا أعلم أنها كذبة.
الزيادة في مساري للخداع لوت الخكين في مشاعر الذنب التي كانت تنتابني سلفاً. وبينما ربما لن أفعل ذلك مجدداً في أي وقت قريب، عرفت أنني سأفعل شيئاً مشابهاً أو مساوياً في الخطورة في المستقبل سعياً وراء المدار المتعددة.
"هل ستخبر أمي؟"
نظر جدي بعيداً ممزقاً للحظة قبل أن يعاود الالتفات إليّ.
"لن أفعل إن لم تفعل أنت. آخر ما تحتاجه والدتك هو أمر آخر تقلق بشأنه. وينطبق الأمر ذاته على الجرذ. لا نحتاج لإعلامها بذلك، ولكن إن حدث أي شيء كهذا مرة أخرى، أريد منك أن تركض وتجدني. اتفقنا؟"
هززت رأسي بجمود، وبدأ نقص النوم يبدأ أخيراً في اللحاق بي وأنا أتثاءب. كل الإثارة والأدرينالين تآكلت عند حواف مقاومتي التي كانت تبقيني مستيقظاً. بالكاد شعرت به وهو يحملني عائداً إلى الأعلى ويغطيني في فراشي. دعتني أحلامي وحين استحوذت عليّ أملت فقط ألا تتحول إلى كوابيس.
* * *
ألقى كورنيليوس نظرة أخرى على ذبيحة الجرذ الآن بعد أن نام باستیان. كانت المخالب الأمامية خاطئة تماماً. أطول من اللازم وأحدّ، مثل مخالب طير أكثر من مخالب جرذ. تماماً مثل ذلك الغراب الذي هاجم الصبي. كان هناك شيء ما يحدث، وكان يعتزم الوصول إلى أصل الحقيقة. في الصباح، قرر أن يرسل في طلب هورين. قد يعرف الصياد ما يجري، وإن لم يكن يعلم، فبإمكانه على الأقل التحقيق فيما إذا كانت هناك حيوانات أخرى تظهر هكذا حول المخفر.
عاد كورنيليوس إلى كرسيه، وأخرج غليونه وأشعله بخصلة أثير. لم يكن عائداً إلى النوم الليلة.