جلسنا تلك الليلة حول المائدة نتناول طعام العشاء من لحم الضأن الخشين والخضار. كانت أمي قد دعت عائلة ميلر لمشاركتنا الطعام لكن كايلي اعتذرت وأكدت لنا رغبتهما في الاستمتاع بوجبتهما الأولى في منزلهما الجديد. على الرغم من لذة الطعام لم أستطع طرد الأسئلة التي كانت تقرع في رأسي.
"لماذا تعطي إيتا دروساً؟"
تفوهت بها وفمي مملوء بالبطاطا.
أنبتني أمي قائلة: "امضغ وفمك مغلق يا حبيبي".
أغلقت فمي وواصلت المضغ وعيناي مسموارتان على العجوز. استسلم في النهاية، وأعني بالنهاية بعد أن انتهى من مضغ طعامه.
صرح كورنيليوس باختصار قبل أن يغرز شوكته في قطعة لحم: "لأنهم يدفعون لي".
"أجل، لكن لماذا يدفعون لك؟ وبأي شيء؟ نحن لا نحتاج إلى مزيد من الفراء!"
اعترف أنني كنت متمرداً بعض الشيء إزاء الوضع بأسره فلن أستحوذ على العجوز وحدي أثناء دروسي بعد الآن. هل سيؤدي قلّة الاتمام إلى تراجع التقدم؟ هل كنت قلقاً حيال ذلك؟ بالتأكيد. ربما تصالحت مع حقيقة أنني كنت أقل من المتوسط كحد أدنى في السحر بالوقت الحالي، لكنني لم أكن أرغب في البقاء هناك أبداً. كانت كل دقيقة تقضى في العمل على مسار استشعار الأثير ثمينة، وبدا وجود طفلة ذات أربعة أعوام مشتتة تشاركني مساحتي خلال الوقت المخصص لتطوير ذلك المسار أسوأ احتمال ممكن.
أجاب كورنيليوس بعد أن انتهى من قطعة اللحم: "بعملات أثيرية وبعض الدروس لك".
ارتفعت عيناه الزرقاوان الساطعتان وكأنه يقيس ردة فعلي وابتسم لما رآه مرسوماً على وجهي.
"ماذا تعني بعملات أثيرية؟ كنت أعتقد أنك بحاجة إلى نواة أثيرية كبرى لصنعها أصلاً! وأي دروس؟ لا أود تعلم كيف... أياً ما كنت تفعله بالفراء".
وضع كورنيليوس أدوات الطعام وارتد إلى الوراء في مقعده وهو يتفرس فيّ.
"أنت محق، غالباً. لإنتاج عملة أثيرية تحتاج عادة إلى نواة أثيرية كبرى، أو على الأقل نواة أثيرية صغرى بمهارات محددة أو سمات متقدمة. لا يستطيع معظم الناس صنعها. لذا، فإن حقيقة قدرة جورج ميلر على فعل ذلك يجب أن تظل سرا. أفتهمت؟"
لم تترك نبرة الجدية التي استخدمها معي أي مجال للتساؤل فأومأت بطاعة. كان اللعب والمقالب أمراً. أما كشف قدرة والد إيتا فأمر آخر تماماً. كنت أفهم أكثر من معظم الناس أهمية الحفاظ على سرية بعض الأمور.
أقر كورنيليوس بابتسامة: "جيد. ولن يعلمك شيئاً عن سلخ الحيوانات وما شابه. لقد وافق على تعليمك القليل من فنون السيف. وإيتا أيضاً".
ابتسمت لذكر السيف ما لبث أن تحول إلى عبوس مجدداً لاقتحام هنرييتا دروسي. زال عبوسي بالسرعة التي ظهر بها إذ لم يكن الأمر وكأنني استطعت يوماً إقناع السيد ميلر بألا يعلم ابنته. لقد طرح ذلك سؤالاً مع ذلك.
سألت: "لماذا يدفع لنا ويمنحني دروساً؟"
تأمل كورنيليوس قائلاً ممهمهمة: "مم؟"
وعادت عيناه إليّ كأنه غرق في التفكير لبرهة.
"أه، ذلك لأن استشعار الأثير مسار أكثر قيمة. أو هكذا يُنظر إليه على أنه أقل صعوبة... سهولة في التعلم. وأيضاً لأنني أمتلك مهارة تعليم تتعلق بالأثير وجورج لا يمتلك أي مهارات تعليم تتعلق بالمبارزة".
معلومة جديدة! هتفت في سرّي. هات الإجابات ايها العجوز!
أصررت وأنا أنهض على مقعدي وأنحني إلى الأمام: "لماذا تهم مهارة التعليم؟"
حذرتني أمي: "احذر يا باستيان. سيتسخ قميصك بالمرق".
نقلت صحني بحذر بيد واحدة رغم أن الضرر ربما كان قد وقع بالفعل.
أوضح جدي: "لأن مهارات التعليم تجعل المسارات تتقدم بشكل أسرع".
ألت برأسي كمن يتوسل المزيد من المعلومات وتابع العجوز بتنهيدة: "إذا امتلك شخص مهارة تعليم، فيمكنه إبقاؤها تعمل بقدر ضئيل من الأثير أثناء تدريسه للموضوع. سيجد أي شخص قريب مساراته المتعلقة تتقدم بسرعة أكبر، رغم أن الأمر ليس بهذه البساطة. سيعتمد مقدار التحسن على مجموعة من الحقائق... الأشياء. مثل، إلى أي مدى وصلوا في مسارهم؟ ما مدى علو مهارة المعلم؟ ما هي كفاءتهم الطبيعية؟ هل لديهم ميل للمسار؟ أساساً، الأمر معقد. لكنه أيضاً عمل مرغوب للغاية... شديد الطلب. وفي المدن، يؤجر بشكل جيد للغاية. مما يعني أنه يكلف الكثير أيضاً، وهذا ما ينبغي أن نناقشه".
كنت ما زلت أعالج معلومات أنني أتعلم استشعار الأثير بشكل أسرع لأن العجوز كان يعلمني حين ألقى علينا التعليق الأخير. لماذا احتجنا إلى مناقشته؟ سبقتني أمي للمفاجأة هذه المرة.
سألت: "أعلينا مناقشته يا أبي؟"
"قد يبدو الأمر على بعد سنوات، لكنه جدير بال طرح. خصوصاً للتخطيط للمستقبل ومقدار ما قد نحتاج إلى ادخاره. فضلاً عما إذا كان علينا محاولة إدخاله إلى أكاديمية كلوكريست في أجينبورت أو أكاديمية سونغليف في هيلينيكا".
سألت: "هاه؟"
أطبقت أمي شفتيها وركزت على طعامها. وإن بدا لي أنها كانت تعبث به بدلاً من تناوله.
"قالت أمك إنك كنت تسأل عن مسارات الفئات اليوم. حسنأً، كما تعلم، ستُعرض عليك فئة مسار في سن الثانية عشرة. في مدينتي أجينار وميرافيا، في سن العاشرة، يبدأ معظم الأطفال في ارتياد أكاديمية أو مدرسة لمساعدتهم على التطور لأفضل ما تتيحه طاقاتهم... بناء جزئياً على ما يمكنهم تحمله مادياً. المدارس الأفضل تكلف أموالاً أكثر".
أومأت ببطء وبدأت أدرك لماذا لم تكن أم أكون سعيدة بهذه المناقشة. أيعني ذلك أنني حين يحين الوقت سأفصل عن عائلتي؟ في قلبي، خاضت رغبتي في تحسين نفسي حرباً مع حبي لعائلتي. انكمشت إذ لم يبدو أن أي من الفكرتين قادرة على التقدم، ففكرة الابتعاد عن أمي تمزقني بينما تطالبني همسات بعدم كسب نواة أثيرية أفضل بفعل أي شيء وكل شيء لتغيير مصيري. كانت ذراعاي أمي حولي هما ما أعادني إلى الحاضر، مما سمح لي بالتعبير عن قلقي.
سألت بصوت خافت: "سيتعين عليّ الرحيل؟"
هزت أمي رأسها بشدة ووقعت نظرتها الملتهبة على جدي: "سأذهب حيثما ذهب ولدي يا أبي".
تنهد كورنيليوس بطريقة متكلفة.
"أعلم. ولهذا يجب أن نبدأ في مناقشة هذا الآن. هناك... مشكلات... واضحة مع العودة إلى هيلينيكا. لكن... أكاديمية سونغليف هي الأفضل في القارة. وهي الأكثر كلفة أيضاً. ولكن، إذا واصل باستيان العمل الشاق الذي بذله حتى الآن، فربما تكون المكان الأفضل له".
أبعدت أمي نظرها وتسمرت عيناها في الظلام خارج نافذة المطبخ.
سألت: "أكانوا ليقبلون عودتك؟"
أومأ كورنيليوس بينما كنت أنظر بينهما بتعجب. أمن كان سيقبل عودة العجوز؟
"قالوا إنه يمكنني العودة بعد عشر سنوات إن أردت. ما زال أمامنا ثلاث سنوات. سيمضي ما يقرب من ثلاثة عشر عاماً بحق الوقت الذي نحتاج فيه إلى الانتقال. وقتاً كافياً ليهدأ النفوس، رغم أنني أشك في أنهم سينسون تماماً. وهو ما قد يسبب مشكلات بحد ذاته".
أضمرت أمي وهي تجذبني إليها بقوة أكبر: "ويعرض ولدي للخطر".
أجاب كورنيليوس بابتسامة خفيفة: "إذا استمر على هذا المنوال، فأظنه سيكون قادراً على الاعتناء بنفسه في الأكاديمية. وإذا انتقلنا نحن أيضاً، فسنسنى رؤيته في عطلات نهاية الأسبوع والإجازات".
حين لم ترد أمي، أضاف جدي تعليقه الأخير وهو ينهض ليأخذ صحنه إلى المغسلة.
"ما زال الأمر على بعد سنوات. علينا فقط أن نبدأ التفكير في الأمر يا بيني. نامي عليه لليلة أو لليلتين ويمكننا التحدث أكثر".
مع انتهاء العشاء وبقاء أمي في مزاج متعكر، بقيت في الطابق السفلي بدلاً من الذهاب لأداء التمارين في غرفتي. روت لي قصة عن فارينغيا في الشمال. مدينة غارقة في الجليد والثلج تجثم فوق زنزانة مرعبة لم يرغب سوى قلة من المغامرين في اختبار بأسهم ضدها. رفضت الإفصاح عن سبب كون الزنزانة مرعبة، ربما خوفاً من أن أصاب بكوابيس. بدأ اليوم التالي كالمعتاد، بأفضل تمرين يمكن لطفل في الثالثة تحمله يعقبه الإفطار.
ثم انطلقت إلى مكتب العجوز. غير أنه وُضع اليوم مقعد ثانٍ أمام مكتب جدي. بالكاد لامست مؤخرتي مقعدي المعتاد حين سمعت صوت الباب الخلفي يفتح بصخب وبعض الكلمات المكتومة. ثم اندفعت إيتا إلى الغرفة وتسلقت المقعد المجاور لمقعدي.
"صباح الخير يا باستيان!"
غرّدت بسعادة. كان شعرها مشمشطاً على هيئة تاج منسوج بدلاً من ضفيرتين وارتدت بنطالاً صوفياً خشناً بدلاً من الفساتين التي عادة ما ترتديها.
ردرت: "صباح الخير يا إيتا"، باذلاً قصارى جهدي لألاّ أدع استيائي يتسرب إلى صوتي.
لم يكن ذنبها بعد كل شيء ولم أكن أرغب في أن أكون وغداً حيال ذلك. تسلل جدي إلى مقعده وقدم شرحاً سريعاً لإيتا عما سيقوم به. بدت إيتا كمن يلتقط الأمر بالسرعة الكافية وبدأ الدرس بعد ذلك بقليل. في المرة الأولى التي سألنا فيها العجوز عن مكان الأثير لم يوفق أي منا في الإجابة. حدث الشيء نفسه في المرة الثانية. لكن في المرة الثالثة أشارت إيتا إلى ما بجوار ذراعها الأيمن مباشرة.
"أحسنتِ يا إيتا. لقد أصبتِ. وماذا عنك يا باستيان؟"
اكتفيت بهز رأسني. ألم يكن ينشئ جيب أثير واحد لنستشعره؟ أم أصبح هناك أكثر من واحد الآن؟ بما أن، كما تعلم، كان هناك أكثر من طفل. هل كنت أتفوق على إيتا بالفعل؟!
عاد كورنيليوس إلى الكتابة مطمئناً: "لا تقلق. فقط استمر في المحاولة".
خلال بقية الدرس نجحت في استشعار الأثير مرتين أخريين. ليس رقماً قياسياً شخصياً، لكنه عرض متوسط على الأقل، وهو ما كان سيكفي لو لم تنجح إيتا في تحديد موقع الأثير ثلاث مرات! تساءلت في سري: أأصاب بعقدة حيال هذا؟ لحسن الحظ، في دروس القراءة والكتابة والرياضيات الأساسية، نجحت في التفوق على إيتا. سلطت أفكاري حول الأمر الضوء على جانب من نفسي لم أكن قد فكرت فيه حقاً حتى الآن.
فكرت في ذلك الجانب من نفسي وأنا أمشي باتجاه الفناء الخلفي مع إيتا لمقابلة والدها. في السابق، لم يكن لدي سوى مجموعة واحدة من الدروس مع إيتا. بالطبع، غطت مواضيع متعددة، لكنها كانت بضع ساعات في اليوم لأيام قليلة في الأسبوع. بقية الوقت كنت وحدي أفعل ما أشاء. وكانت منافستي الوحيدة هي نفسي. لكننا الآن ننتقل إلى نمط جديد حيث سأحظى بعدة دروس مختلفة مع إيتا وستحدث خمسة أيام في الأسبوع على الأقل.
تساءلت: هل أنا تنافسي إلى هذا الحد؟ كانت الإجابة نعماً واضحة. لقد سجلت النتائج في كلا درسينا وكنت أقيم نفسي بالتأكيد في مواجهة إيتا. وهو أمر سخيف من جهة إذ كان لدي وقت أطول بكثير مما تملكه هي للعمل على مساري ناهيك عن ذكريات حياتي السابقة المجزأة. ومن جهة أخرى، كانت أكبر مني سناً، لذا ربما تعادل الأمر. على أية حال، لم أكن أرى هذا الجزء من شخصيتي يتغير قريباً. سأكافح ببساطة لأكون الأفضل، مما يعني ليس فقط التغلب على إيتا، بل وتجاوز نفسي أيضاً.
حين لامست أقدامنا الأرض الحجرية للفناء الخلفي ووالدتي في حديقتها لتبقيني تحت ناظريها وجدنا جورج ميلر في الانتظار عند مسار الحواجز. كان والد إيتا حلوس الوجه كالعادة وشعره البني ممشطاً إلى الخلف وكومة من أسلحة التدريب الخشبية التي عرفتها مكومة بالقرب من قدميه.
سأل بابتسامة عفوية: "أأنتما مستعدان لتعلّم كيفية استخدام السيف؟"
اندفع أنا وإيتا إلى الأمام بحماس. لقد كنا مستعدين ورفضت أن أخسر!