كان جوف كوخ ماغاثا كما توقعته تماماً، وأكثر مللاً بكثير مما كنت أرجو. حين سمعت مصطلح الساحرة الحدبيّة، ظننت أنه سيكون هناك المزيد من أجزاء أجساد الحشرات والحيوانات، إلى جانب قدر ضخمة. كانت هناك قدر، لكنها لم تكن ضخمة. أشبه بإناء كبير في الحقيقة، تخترقه خطوط فضية وسط المعدن الأسود تخبرني بأنه مسحور على الأرجح. كان الكوخ نفسه غرفة واحدة واسعة، تتوارى فيها مساحة للنوم في الزاوية، وباب أرضي يفوح منه عبق يقود إلى مخزن طعام، وطاولة خشبية تبدو كأنها تتسع لأربعة مقاعد ونظفت بعناية فائقة.
انعكست تلك النظافة ذاتها في أرجاء المنزل ذي الغرفة الواحدة، ولم يشوبها سوى بعض النباتات المعلقة من أسلاك معدنية مغروسة في السقف. أضفى الخضار وعبق الطبيعة على الغرفة شعوراً بالدفء رغم العتمة، إذ لم تضم الغرفة سوى نافذتين صغيرتين. أشغلت ماغاثا نفسها حول قدر طهي يمتلئ بماء يغلي بسرعة، وخترقت هذه القدر أيضاً بضعة خطوط من الفضة. رحت أستكشف بينما كانت تعمل. اصطفت على طول أحد الجدران، في رفوف مصنوعة بعناية، قوارير صغيرة تمتلئ بمجموعة متنوعة من السوائل مختلفة الألوان.
لم يحمل أي منها ملصقاً، لذا لم تكن لدي أي فكرة عما يحتويه كل منها، لكنني استطعت أن أستشعر عيني ماغاثا ترقباني حين مررت إبتداءً أصبعي على طول كل زجاجة مركب. وصل الأمر إلى الزجاجة الثالثة، وهي زجاجة أرجوانية داكنة، حتى شعرت أطراف أصابعي بطنين خافت. كان أخفت بكثير من بتلة الغسق التي أمسكت بها في الحديقة، لكنه بدا كافياً جداً لأحرز تقدُّماً في مسار استشعار الأثير الخاص بي.
قالت ماغاثا: "إنه موهوب بحق".
ووافقتها أمي بسرعة.
سألت الساحرة الحدبية وهي تسكب الماء الغليان في إناء زجاجي يمتلئ بتشكيلة من الأوراق الجافة: "أمهتم هو بالأعشاب والخيمياء؟".
بدا لي أن حب الشاي أمر عالمي يتجاوز العوالم. أما أنا، فلم ألمس فيه أي جاذبية قط. ربما افتقرت فحسب إلى حاسة التذوق للاستمتاع به في حياتي السابقة.
عارضت أمي قائلة: "إنه في الثالثة يا ماغاثا. جلّ ما يهمه هو اللعب وإثارة المشاكل".
أدركت أنها كانت تكذب، إذ كانت تعلم جيداً مدى تفاني في العمل على مساراتي. وأخبرتني نظرة على وجه ماغاثا أن الساحرة الحدبية كانت تشك في الأمر أيضاً. افترضت أن المرء لا يتعلم تعويذة مثل كبح الكوابح دون أن يفهم القليل عن طريقة عمل البشر. وفي كلتا الحالتين، واصلت الساحرة الحدبية الضغط، مبدية اهتماماً بي بوضوح. اهتماماً، أود أن أضيف، لم يكن متبادلاً. كانت الخيمياء فاتنة بالنسبة لي، لكن في نواتجها وحدها.
كنت مهتمّاً بما يمكن أن تفعله من أجلي الجرعات والمقويات وأي شيء آخر يخلطه الخيميائي. لا في عملية صنعها.
"حسناً، لعلّك تأتين به في زيارات متكررة أكثر؟ قد يطور اهتماماً إن أمضى بعض الوقت في حديقتي. ويسرني أن أُعلمه القليل من الخيمياء أيضاً".
رفعت أمي حاجبها، لكنني كنت مرتبكاً فحسب. لماذا تهتم ماغاثا بتعليمي؟ طالما راودني شعور بأن الساحرة الحدبية لا تحب الرجال كثيراً، رغم أنني، الحق يُقال، خضعت لعدد محدود للغاية من التفاعلات معها. ولحسن الحظ، انعكس فضولي في وجه أمي.
"هذا كرم بالغ منك يا ماغاثا. ما الذي ستجنينه من وراء ذلك؟"
ابتسمت الساحرة الحدبية بخفر لأمي من فوق حافة قدحها وهي تنفخ على الشاي الساخن.
"حسناً، أُفترض أنه نظراً لصغر سمه، سترغبين في البقاء والإشراف. سأظفر بفوائد تعليم بسيط ومتعة صحبتك. وقد يفتح ابنك بعض المسارات الجديدة والمثيرة في المستقبل. يبدو هذا لي أمراً مربحاً للجانبين، ألا ترين ذلك؟"
احتسَت ماغاثا شايها وهي تنهي شرحها، مراقبة أمي بعينين خضراوين اشتعلتا غضباً حيال حالة حديقتها قبل خمس دقائق فحسب، لتتوهجا الآن لجملة أسباب مغايرة تماماً. وفيما كانت ماغاثا تنتظر رد أمي، استغلت وقتي مع رف الجرعات بأقصى ما أستطيع، متنقلاً بأصابع من جرعة إلى أخرى. تكاد أفرغ، إذ عثرت على أربع جرعات أُخر مشبعة بالأثير، حين اختارت أمي أن تجيب.
"سأفكر في الأمر يا ماغاثا. رغم أنني أقر بأن الأمر بأسره سيتوقف على كيفية اعتذارك لباستيان".
احتسَت أمي شايها الخاص بينما حاولت ألا أضحك بصوت عالٍ. كنت أعلم أن أمي تحبني بالطبع، لكن أن أراها تستغل اهتمام ماغاثا بهدف ابتزاز هدية اعتذار أغلى ثمناً أو أكثر فائدة من الساحرة الحدبية من أجلي، فهذا أمر لم أكن لأتوقعه. بدت ماغاثا وكأنها تقبل اقتراح أمي، فخطت بخطى واسعة نحو رف الجرعات الخاص بها، وأخرجت ثلاث زجاجات. لاحظت أن الثلاث جميعها كانت تلك التي تعرفت عليها على أنها مشبعة بالأثير، مما يعني أن ماغاثا كانت تأخذ عرض أمي على محمل الجد.
ومن اليسار إلى اليمين، كانت إحداهن خضراء داكنة، والأخرى حمراء داكنة، وأخيراً أرجوانية باهتة. وكانت الأخيرة هي الأسهل استشعاراً. لفتت ماغاثا انتباهي إلى وجهها وهي ترفع الزجاجات إلى الأعلى قليلاً.
"أنا آسفة يا باستان، لاستخدام تعويذة عليك. وكاعتذار، يمكنك الحصول على إحدى هذه الجرعات. الأولى طاردة للحشرات. يلزم استخدامها كل ثلاثة أيام لكنها ستبقي الحشرات على مسافة متر واحد من أي مكان تقطرها فيه. يكفي أن تضع قطرة واحدة فقط، لذا، بمعرفة حجم حديقة أمك، ستكفي هذه أمك لمدة شهر أو شهرين وتبقي كل تلك الحشرات القارضة المزعجة بعيدة عن نباتات أمك".
وضعت الزجاجة الخضراء الداكنة على الطاولة وأمدت بالحمراء الداكنة.
"هذه جرعة شفاء طفيفة. ستشفي الجروح والخدوش الصغيرة. تشرب معظمها وتطبق ما تبقى على الإصابة. يستغرق الأمر بضع ساعات لفعله، لكن هذا أفضل من الأيام التي تستغرقها هذه الأمور عادة".
أضافت الزجاجة الحمراء الداكنة إلى الطاولة، وضعتها بجانب الخضراء الداكنة. وأخيراً، أمدت بالأرجوانية الباهتة.
"هذه جرعة رؤية ليلية، مصنوعة من بتلات الغسق المسحوقة التي عثرت عليها في حديقتي. تدوم لأقل من ساعة، لكن أثناء عملها، ستتمكن من الرؤية في الظلام".
وضعت ماغاثا الجرعة الأخيرة على الطاولة قبل أن تنظر إليَّ.
"إذن، أيهما تفضل؟"
كنت أعرف ما أريده فوراً. تمثلت المشكلة التي واجهتها في ما إذا كان عليَّ أن أطلب ما أريده، أم ما سيفيد أمي. كنت أعلم أن أمي تواجه من حين لآخر مشاكل مع حشرات تأكل بعض نباتاتها أو تتسلل إلى خضرواتها. كان بإمكاني مساعدتها بأن أكون ابناً صالحاً ومطيعاً وأختار جرعة طرد الحشرات. أو كان بإمكاني طلب ما أريده حقاً، ألا وهو جرعة الرؤية الليلية. أما جرعة الشفاء الطفيفة، فما شأني ببعض الخدوش والجروح.
كانت تلك جروح تدريبي ولم تكن بالتأكيد ناتجة عن محاولاتي للمبارزة بالعصي في الفناء الخلفي وتعثري بالصخور! نظرت إلى أمي فابتسمت لي مشجعة، ولم يكن في ذلك أي مساعدة على الإطلاق! ما كنت أتمنى رؤيته هو شوقها إلى جرعة طرد الحشرات، لأعترف بعدها بأن أمي تستحق كل عون يمكنها الحصول عليه، وأختار الجرعة الخضراء بسهولة. انسلت من كرسيها وتحركت لتقرفص بجانبي.
سألت ويدها على ظهري: "أتعجبك جرعة الرؤية الليلية، أليس كذلك؟"
أومأت برأسي قليلاً، شاعرًا ببعض الخجل من نفسي لعدم اختياري الجرعة التي ستساعدها. لكن اختياري لم يبد وكأنه يزعج أمي إذ نهضت وأشارت إلى جرعة الرؤية الليلية.
"إنه يحب تلك يا ماغاثا".
ناولت الساحرة الحدبية العرضية الجرعة الأرجوانية الباهتة لأمي التي دستها في جيب بفستانها. أعادت ماغاثا الجرعتين الأخريين إلى رفها وأشغلت نفسها بالتنظيف.
سألت ماغاثا: "إذن، لقد رحلوا إذن؟"
أجابت أمي: "نقابة النور الساطع؟ نعم، غادروا هذا الصباح للعودة إلى أجينبورت".
"لا أعلم كيف يمكنك احتمالهم".
تطلعت أمي عبر الباب الموارب قليلاً.
وافقت أمي قائلة: "أعلم أن بعضهم مجرد أشخاص انضموا بحثاً عن عذر لارتكاب العنف وفرض مكانتهم على الآخرين. لكن آخرين، مثل هالكور، قائدَهم، رجال أخيار يسعون ببساطة لحمايتنا من الشياطين المتربصة في الظلام".
سرى قشعريرة في عمود الفقري عند كلماتها. بدا أمر الشياطين المتربصة في الظلام شبيهاً جداً بتجاربي الخاصة مع الشياطين. وما زاد الطين بلة أنني أمتلك مسار سرقة الأرواح، والذي رغم أنني لا أفهيم بعد، إلا أنه لا يبدو جيداً البتة. شكّل ذلك، إلى جانب تقاربي المرتفع بشكل غير معتاد للظل، سبباً للقلق. كيف ترتبط إذن بالشياطين؟ لم أكن أعتقد أنني واحد منهم، حتى وإن بدا أنني أمتلك بعض سماتهم.
كان عليَّ فحسب التأكد من أن أي تربص أقوم به إنما هو للخير، لا للشر. أنهت أمي وماغاثا حديثهما بعد بضع دقائق، وبدأنا رحلة العودة سيراً على الأقدام، والتي ملأتها بالطبع بالأسئلة واللعب.
سألت: "أمي، كيف تمتلك بعض النباتات أثير بينما لا تمتلكه أخريات؟"
"ممم؟ أه، حسناً، لا تمتلك معظم النباتات أي أثير. في الواقع، ربما تمتلكه قلة نادرة فقط. عادة، تُحصد معت… نباتات الخيمياء، وهي صناعة الجرعات، من بين أمور أخرى، من الأبراج المحصنة. في الأبراج المحصنة، يتواجد الأثير في الهواء نفسه ومن ثم تصبح النباتات مشبعة به".
"كيف كانت بتلة غسق ماغاثا هكذا إذن؟ أكانت من برج محصن؟"
هزت أمي رأسها.
"لا، كانت ماغاثا تشبعها بنفسها على الأرجح. تمتلك قدراً من الأثير يضاهي قدري ومهارات لتحسين وتشبع النباتات في حديقتها".
أمعنت التفكير في المعلومة الجديدة. كانت حقيقة عدم إنتاج النباتات للأثير بشكل طبيعي أمراً مثيراً للاهتمام، مما يطرح السؤال حول الحيوانات.
تساءلت بصوت عالٍ وأنا أجري ذهاباً وإياباً بالقرب من أمي، غير راغب في إهدار الوقت لمجرد الاستمتاع بالنزهة بينما أعداد مسار الجري الخاصة بي مرشحة للارتفاع: "أتمتلك الحيوانات أثير؟"
أجابت أمي: "معظمها. رغم أنه من النادر أن تمتلك نوى أثير متطورة أكثر مثل جدك. ويصبح الأمر أقل تواتراً مع الحيوانات الأصغر، أو الحشرات أظن. ممم، أتعرف ما هي النحلة؟"
ابتسمت باتساع.
"حشرة صفراء صغيرة ذيلها لاسع!"
"ليست صفراء دائماً، ولكن نعم. حسناً، لن تنتج معظم النحل أثير، لكن الملكة تفعل ذلك عادة".
سألت بصوتي الطفولي: "لم ذلك؟"
اكتفَت أمي بهز كتفيها، مبتسمة للطريق الفارغ ولِي.
"لا أعلم يا حبيبي. أنا متأكدة من أن بعض الناس يعلمون، أو على الأقل يعتقدون أنهم يعلمون".
توقفت للحظة، وحين لم أعبر عن سؤال آخر، اختارت أن تسألني بدورها.
"عرضت ماغاثا أن تعلمك القليل عن النباتات والجرعات. أأردت التعلم منها؟"
أجبت ببساطة وأنا أجري حول أمي: "لا أهتم. والأمر يرجع إليك يا أمي!"
بدت سعيدة بإجابتي، مؤكدة لي أنها سَتُسألني مرة أخرى في غضون بضعة أشهر. لكنني كنت أرجو ألا تفعل. رغم أن الجرعة كانت مثيرة للاهتمام، إلا أن الاعتناء بحديقة لم يكن حقاً ما أضمره لمستقبلني. كان هناك عالم رحب عظيم أمامي لاستكشافه، وكنت أنوي أن أرى أكبر قدر ممكن منه. لوح في الأفق أخيراً الموقع المتقدم بعد نحو عشرين دقيقة، وفيما كانت قدماي متعبتين، ملأ صوت فأر أو مطرقة تضرب الخشب في الخلف الإثارة في صدري.
وبحوزتي جرعة الرؤية الليلية وتوبيخات أمي بضرورة توخي الحذر معها، ركضت صعوداً إلى الطابق العلوي لأخفي غنيمتي الجديدة في مخبئي السري. ثم تسلقت الصندوق الممتلئ بملابسي وتطلعت من النافذة. كانت غريزلدا هناك، في الفناء الخلفي، تحطب الخشب بينما كان مسار عقباتي ينبض بالحياة ببطء. قفزت نازعاً من فوق الصندوق وشرعت في أداء تمارين الضغط، غير مستحمل لانتظار بدء استخدام مسار عقباتي الجديد.
وجب أن تستمر الأعداد في الارتفاع، بغض النظر عن أي شيء!