الموهوب: الخطوات الأولى الفصل 20

اقرأ الموهوب: الخطوات الأولى الفصل 20 باللغة العربية على مانجا تايم.

مرّت أسابيع اربعة في لمح البصر. ومع تدفق أعداد إضافية من التجار والمغامرين، عادت أيامي لتنتظم في روتين مألوف. كنت أتدرب كل يوم ودون استثناء على مسار استشعار الأثير برفقة جدي. صرت أستطيع ب موثوقية رصد استخدامين إلى ثلاثة للأثير من حولي خلال الساعتين اللتين نقضيهما معا، وقد آتى ذلك أُكُلَه. لقد رفعت مرتبة مسارك! مسار استشعار الأثير الأول (٥٣/١٠) ... لقد رفعت مرتبة مسارك!

مسار استشعار الأثير الثالث (٥٣/٥٠) المكافأة: ٣ أثير لم يتقدم أيّ من مساراتي الأخرى مرتبة واحدة خلال الفترات نفسها، مع أنني حصدت بضع خطوات على الأقل في جميعها. كما طوّرت مسار الخطوات المخملية بمقدار نقطة واحدة. كنت راضياً عن سير الأمور واستعرضت تفاصيل المسارين اللذين كانا يشغلان بالي أكثر من غيرهما في تلك اللحظة. مسار التخفي الرابع (٨٥٤/١٠٠٠) مسار التسلق التاسع (٨٣٨٨/١٠٠٠٠) كان التخفي يقترب من خط النهاية، وبالسرعة التي يسير بها، اعتقدت أنني سأفلح على الأرجح في إنهاءه بعد فترة وجيزة من انتهاء موسم التجارة وتحول الرياح إلى باردة قاسية لا مجرد باردة.

أما التسلق، فقد كنت أقضي فيه وقتاً إضافياً، وتصيبني السواعد بآلام مبرحة كل يوم نتيجة جذب نفسي صعوداً فوق أي شيء تمتد إليه يداي. بلغ الأمر بالشيخ أن دفع لأجر جريسيلدا كي تبني لي ما يشبه مضمار تدريب خشبيّاً في الفناء الخلفي. لن يكتمل قبل أسابيع، لكنني كنت متحمساً للفرص الجديدة. كنا نُنهي الغداء حين سمعت أبواب المخفر تفتح على مصراعيها. استبعدت أن يكونوا تجاراً في هذا الوقت من اليوم، فاستدرت بسرعة على مقعدي لأرى القادمين.

ارتدى الأفراد الثلاثة الذين ساروا بخطى وثيقة دروعاً فولاذية فوق الجلد، وقد صُقلت دروع صدورهم وسيقانهم لدرجة أنني استطعت رؤية انعكاسي عليها. كان اثنان منهم رجلين، أحدهما طاعن في السن والآخر شاب، بينما كانت الثالثة امرأة أطول قامة منهما. تَبِع المحاربين الثلاثة فردا آخران، امرأة ورجل، يرتديان رداءين أبيضين بلون القشطة وتعلوهما دروع صدور.

قال كورنيليوس مرحباً: "هالكور. كم مرّ من الوقت؟ ثلاث سنوات؟ لم تذكر رسائلك شيئاً عن مرورك عبر الممر".

تساءلت للحظة عن سبب مألوفية الاسم. ابتسم المحارب المسن وفتح ذراعيه، متقدماً بخطى ثقيلة ليطوق الشيخ في عناق وديّ.

"حتى لو كَتَبْتُ إليك، لكُنّا وصلنا قبل الرسالة بزمن طويل. عثر حارس على آثار ل طائفة شيطانية على المنحدرات السفلى لهورندال. جنوباً من هنا وعلى مقربة من منتصف الطريق إلى أجينبورت. تعاملنا مع أتباع الطائفة، لكن ظهرت دلائل على أنهم كانوا يشنون غارات نحو الأماكن الأكثر ارتفاعاً في هورندال. لقد أُرسِلنا للتحقيق".

أومأ كورنيليوس بجدية بينما تحركت أمّي لتتقن الوقوف خلفي، محيطةً بي ذراعيها في الوقت الذي كنت أقف فيه على مقعدي ناظراً بذهول إلى المحاربين أمامي. أدت الإشارة إلى طائفة شيطانية إلى إيقاظ ذاكرتي، وصار بإدقائي التعرف على منقذي الآن. كم كانت ستختلف حياتي لو نشأت في كنف الطائفة بدلاً من أمي الرائعة وجدي سليط اللسان؟ قشعريرت سرت في جسدي عند هذه الفكرة.

سأل كورنيليوس: "كم ستستغرق إقامتكم؟"

أجاب هالكور بصوت أجش: "سنقوم بتمشيط المنطقة، وسكان المجتمع. سنبدأ فوراً، لكننا سنقدر توفير مكان للمبيت الليلة عند الفراغ".

"سيكون متاحاً، بالطبع. سأدون ملاحظة في السجل باستخدامكم للمخفر. أفترض أن نقابة النور الساطع ستتحمل التكلفة؟"

أومأ هالكور وعقد حاجبيه قليلاً، غير راغب في ملاقاة عيني كورنيليوس وهو ينطق بكلماته التالية: "علينا فحصكم جميعاً أيضاً. أهناك شخص آخر في المخفر؟"

أجاب كورنيليوس: "نحن الثلاثة فحسب. تفضلوا".

خطا هالكور إلى الأمام، وشعرت بتغيم يحيط بي. لكنت تعرفت على الشعور كأثير يمر فوقي حتى من دون إشعار تقدم مساري. استطعت إدراك أن أمي شعرت بالأمر نفسه إذ تشنجت ذراعاها بينما كانتا لا تزالان تحيطان بي.

أعلن هالكور بوضوح: "نظيفان"، واسترخى المحاربان الآخران قليلاً.

لم أدرك حتى تلك اللحظة مدى التوتر الذي كانا عليه.

سأل هالكور: "كم عدد آخرين يعيشون بالجوار؟"

أجاب كورنيليوس بعد هنيهة قبل أن يفصل بأسماء من يعلم بهم والمكان التقريبي لعيش كل منهم. التمست سخرية واضحة من المحاربة والكاتب أو الساحر الذكر، أياً كان ما يمثله أولئك الأقل درعاً، عندما ذكر الجدي أصل جريسيلدا.

التفت هالكور نحو كورنيليوس طلباً للتأكيد عندما بلغ الشيخ اسم ماجاثا: "ساحرة سياج؟"

أومأ كورنيليوس باستسلام، لكنني حين رفعت بصري نحو وجه أمي استطعت رؤية مسحة القلق التي اكتسته بوضوح تام. تُودِلت كلمات إضافية بينما كانت الكاهنة أو الساحرة تدون ملاحظات على ورقة بنية طوال الوقت. ثم اختفى الطاقم المؤلف من خمسة أفراد، وسمعت هذه المرة طقطقة المعدن على الحجر حين انطلقت الخيول التي امتطوها هارعة في الطريق. أدركت سبب عدم سماعي لقدومهم بينما كنا نراقب رحيلهم.

لقد توجها أولاً إلى متجر كيّلين، حيث وقف الزوجان خارج متجرهما ومنزلهما، يراقبان أعضاء نقابة النور الساطع الخمسة وهم يهرولون على الطريق. أنزلتني أمي على قدميَّ بجوار الجدي.

قالت بهدوء: "سأذهب لأطمئنهم فحسب".

وافق كورنيليوس، متبعاً ببصره ابنته وهي ترفع ذيل ثوبها عابرةً الطريق بينما كان الغبار لا يزال يستقر: "فكرة صيبة".

سألت: "ما هي الطائفة الشيطانية؟"

ضمّ كورنيليوس شفتيه، وبدا لي جلياً أنه يخوض معركة مع نفسه. لم ألومه. كان السؤال محموماً قدر الإمكان، ومع أنني ربما أبدو ذكياً بالنسبة إلى سِني، إلا أنني كنت في الأصل طفلاً في الثالثة من عمره.

أكد بعد انتظار طال أمده بينما كنا نراقب معاً أمي وهي تستميل جيراننا وتهدئ مخاوفهم: "الطائفة الشيطانية... هي مجموعة من البشر عقدوا صفقة مع نوع من الوحوش".

سألت: "لماذا يعقدون صفقة مع وحش؟"

"لأن الوحش يا باستيان، يمنحهم شيئاً في المقابل. وعادة، يكون ذلك مساراً. مساراً شديد القوة".

أومأت بكل الجدية التي يمكن لطفل في الثالثة لا يصل طوله إلى ورك جدي أن يظهرها.

"لماذا هو سيئ إذاً؟"

"لأن السبيل الوحيد لترقية المسار هو ارتكاب أفعال شديدة السوء. أفعال سيئة تساعد الوحش".

"مثل أكل آخر قطعة من عسل النحل؟"

كنت أعني ما أقول، وارتفع مسار خداعي استجابة لتظاهري بالغباء. كانت هذه إحدى المرات التي أكره فيها الكذب على جدي، ولكن ما البديل؟ أن أخبره بأنني أستوعب مفاهيم القتل، أو التعذيب، أو ربما حتى التضحية بالبشر؟ لا توجد فرصة لذلك.

تمتم كورنيليوس بجهامة: "أمور أسوأ. أسوأ بكثير".

وما إن همّ بقول المزيد حتى قاطعتنا عودة أمي.

اعترفت أمي فوراً: "إنهم خائفون. دعوتهم لتناول الطعام معنا الليلة، لكنهم رفضوا حين أخبرتهم بأن نقابة النور الساطع ستمكث هنا أيضاً".

أجاب كورنيليوس: "لا ألومهم. فبينما يتمتع هالكور بالأخلاق، ليس كل أعضاء نقابة النور الشاطع كذلك. حسنًا، لا حيلة لنا في ذلك".

استدار كورنيليوس وباشر السير عائدًا نحو مكتبه بينما تبعتُ أمي باتجاه غرفة المعيشة لدرس الظهيرة.

نادت أمي قُبيل اختفاء والدها خلف جدران مكتبه: "أترى أنهم سيجدون شيئاً؟"

"في مجتمعنا؟ لا. لو كان هناك أتباع طائفة يعبرون غاباتنا، لكان هورين يعلم بالأمر. وإن كانوا يتسلقون هورندال حقاً، فمن المرجح أنهم يفعلون ذلك في الجنوب أكثر. السؤل هو: لماذا؟"

ترك كورنيليوس ذلك السؤال معلقاً قبل أن يغلق باب مكتبه. أديت دروع الظهيرة بشكل سيئ للغاية، مناصفة بين تشتتي وتشتت أمي. استطعت رؤية ذلك في خطوط القلق على وجهها الجميل وفي كيفية اختلاسها النظرات إليَّ حين ظنت أنني لا أراها. لا تقلقي يا أمي! فكرت مطمئناً، أنا قاتل شياطين! لست عابداً للشياطين! بالطبع، حدث ذلك حين كنت أتقاسم جسدي مع روح شيطان مبعثرة. وساورتني شكوك أكثر من مرة حول قدرتي على فعل المثل ضد شيطان حقيقي.

أو ممَسوس بالشياطين على الأرجح، نظراً لأن هذا كان ما كاد هذا الجسد أن يكونه. عاش محاربو نقابة النور الساطع لتناول العشاء، وكانت دروعهم أقل لمعاناً بقليل جراء غبار الطريق والمسير وسط الشجيرات. بل لاحظت بضع ورقات شجر عالقة في أماكن يستبعد أن يلتفتوا إليها. تسللتُ بالخروج فور انتهائي من الأكل، متضايقاً تحت وطأة بعض نظراتهم الحادة. وقبل أن أختفى، علمت أنه تنبؤاً بصدق الشيخ، لم يجدوا شيئاً.

بل نجحوا حتى في تتبع أثر هورين الذي أخبرهم بأنه لم يرَ أي أثر لعمليات عبور في نطاق يومي مسير عنا شمالاً وجنوباً. ربما كان فشلهم هو ما جعل محاربي نقابة النور يحدقون من حولهم كأن هناك شياطين تتربص في الظلال. وأياً كان السبب، لم أرد شيئاً من ذلك وهربت إلى غرفتي دون حتى التفكير في محاولة تطبيق أي من مقالبي أو عمليات التخفي الخاصة بي على أولئك المحاربي الأشداء. دلفت أمي للاطمئنان عليّ لكني فضلت نوماً باكراً بدلاً من تمريناتي المعتادة.

وبقدر ما يعنيه الأمر لهؤلاء الأوغاد اللامعين، كنت مجرد صبي صغير عادي، والصبيان الصغار العاديون لا يؤدون روتين تمارين كامل قبل النوم لاقتناص بضع خطوات إضافية في مساراتهم. كان النوم، لمرة واحدة، حرية، لا وقتاً ضائعاً. استيقظت مع الشمس، بينما كان ضوؤها الشاحب بالكاد ينفذ عبر ستائري. غادرت الفراش بهدوء فارتديت ملابسي وتسللت إلى الأسفل لأجد أن أمي كانت قد استيقظت بالفعل وبدأت تنظف الأطباق الخشبية الفارغة من طاولات غرفة المعيشة.

لاحظتني حين بلغت نهاية السلم فابتسمت لي قبل أن تتبع بصري وتختلس نظرة نحو الطاولة.

"لقد رحلوا بالفعل، يا عزيزي. أأعجبوكِ؟"

حمل سؤالها ارتعاشة، كأنها لم تكن متأكدة من الإجابة التي تود سماعها. أكان ابنها الصغير يطمح لأن يصبح من ذلك النوع من البشر الذين يخيفون عامة الناس؟ ليس تماماً. هززت رأسي كمن يبدو قلقاً فركعت وفتحت ذراعيها على مصراعيهما. اصطدمت بهما بعد ثانية وشعرت بالدفء المريح لعناق الأم يزيل كل همومي. كنت أكرره ذلك الشعور، أنت تعرفه، حيث تكون بريئاً تماماً لكن شيئاً في الموقف يجعلك تشعر وكأنك مذنب بطريقة ما.

لقد سمح وجود أمي وحقيقة رحيلهما أخيراً للتوتر والقلق اللذين راكمتهما داخلي بأن يتبددا. وجدنا كورنيليوس هناك بعد دقائق قليلة، لا يزال يعانقنا. بدا أن اليوم مبكر للجميع. عادة ما يستيقظ الشيخ بعدي بينما نتنافس أنا وأمي على لقب المبكر في الاستيقاظ.

ألقى نظرة واحدة علينا وأومأ: "لنتناول إفطاراً مبكراً، ما رأيكم؟ ربما نخرج بعض اللحم المقدد من أجلي يا بيني، وبعض عسل الخطوط الحمراء لباستيان؟"

لحسن الحظ، لم تكن أمي بحاجة إلى عذر كبير لتدللني أو تدلل أباها، لذا تناولنا إفطاراً لذيذاً كعائلة مع طماطم مطهوة، وخبز دافئ من عند الكيلين مغموس بعسل الخطوط الحمراء، وبضع بيضات، وتمكنت حتى من سرقة بضع قطع صغيرة من اللحم المقدد عن طبق العجوز حين لم يكن يراقب. مع أن ذلك لم يرفع مساري البتة، فربما سمح لي بتناولها. توقعت أن يتبع اليوم روتينه المعتاد من هناك حين نعود إلى دروسي.

لكن بدلاً من ذلك، ألقت أمي حجراً في المياه الراكدة.

"سأذهب للاطمئنان على ماجاثا هذا الصباح، يا أبي. وكنت أنوي اصطحاب باستيان معي".