الموهوب: الخطوات الأولى الفصل 11

اقرأ الموهوب: الخطوات الأولى الفصل 11 باللغة العربية على مانجا تايم.

كنت ألفت برأسي في كل اتجاه أحاول استيعاب أكبر قدر ممكن من العالم من حولنا. وهو ما كان يعادل القليل جداً. حجبت الأشجار الطويلة السماء عنَّا فلم أعد أرى سوى بطانية الغيوم الرمادية المرتفعة. سرت في الهواء رائحة إبر الصنوبر ونكهة التراب الرطب للأرض المكشوفة بينما واصلت تلال الثلج تراجعها الخائف أمام الطقس الدافئ. بعد أن أدركت أنه لم يبقَ الكثير لرؤيته، واستيعاباً بأن هذا المساءرة لن تكون قصيرة تماماً، قررت أن الوقت قد حان لتنفيذ خطتي.

أبقيت نظري على والدتي لأرى إن كانت ستتفاعل عندما أفعّل مهارة الخطوات الخافتة. مثل ذي قبل، أحسست بشيء غريب يدور داخلي قرب معدتي بينما غلف شعور زغبي قدمي. لم تتفاعل والدتي بأي شكل يذكر فبقيت مفعلاً للمهارة. بعد خمس دقائق تقريباً تلاشى ذلك الإحساس حتى انطفأ. شعرت بالتعب، وكأنني أمضيت ثلاثين دقيقة أخرى أركض في دوائر داخل غرفتي. سرى الخمول في عروقي مثل النوم السائل ولم أكن أود شيئاً سوى إغماض عينيّ وترك الأحلام تأخذني.

وحدها فكرة أن النوم في مغامرتي الأولى سيكون أمراً مخزياً بحق أبقت عينيّ الرضيعتين مفتوحتين. بدلاً من ذلك، واصلت الضغط محاولاً تفعيل مهارتي مرة أخرى بلا جدوى. أياً ما كان شعور الحركة ذلك بداخلي، فقد استنفدته تماماً. نظرة سريعة على حالتي حددت الجاني المحتمل. كان لجوهر الأثير خاصتي تصنيف ثانوي. لم يبدو لي ذلك تصنيفاً جيداً حقاً. خمس دقائق من استخدام مهارة ثانوية بدت ضعيفة للغاية إن كنت صادقاً مع نفسي.

خصوصاً وأن الاستخدام لم يرفع مستوى المهارة على الإطلاق. بينما كانت نتائجي الأولية محبطة، قررت التركيز على الفرص الأخرى لهذه المغامرة. فرصة لقاء جيراننا البعيدين نوعاً ما. فبعد كل شيء، إن استغرق الوصول إلى الأول أكثر من عشر دقائق، فما مدى بعدهم حقاً؟ عند نقطة عشوائية على طول المسار انحرفت والدتي نحو الأشجار، حارصة على إبعاد أي أغصان عن طريقنا. وبينما كنا نمشي أشارت إلى أشياء مثل الأشجار والشجيرات وسمتها لي.

ومع مدى انتباه الطفل القصير نسيت سريعاً استيائي من قدرتي القاصرة وبدأت أتحدث رداً على والدتي.

أوضحت والدتي وهي تشير إلى شجرة سامقة على الجانب، يزيد جذعها سمكاً على أقرب شجرة بثلاثة أضعاف: "هذا صنوبر هورنديل".

وأضافت: "إنه فريد في جبال هورنديل".

أردفت مكرراً: "صنوبر هورنديل. كبير!".

وافقت قائلة: "هذا صحيح. إنه كبير جداً. يُقطع على المنحدرات السفلية لكنه لا ينمو بالحجم نفسه هناك".

سألت: "أصغر؟".

"أصغر بكثير. لديهم منافسة أقل هنا في أعلى الجبل. على المنحدرات السفلية تتصارع معهم أشجار ونباتات أخرى من أجل العناصر الغذائية".

أكدت: "الأشجار لا تتصارع! فقط تنمو".

"كل شيء يتصارع من أجل بقائه الخاص، ولدي الحلو".

"إلى أين نذهب؟".

أجابت والدته وهي تدفع غصناً آخر بعيداً وتقودنا بين صخور رمادية عالية الوقوف: "نحن ذاهبون لنرى بعض الآخرين الذين يعيشون هنا في مجتمعنا الصغير، إن كان يصح اعتباره مجتمعاً".

في منتصف الثغرة الصغيرة سمعت صوت ارتطام واهتزت الأرض قليلاً.

سألت بقلق: "وحش؟".

ضحكت والدتي بلطف وقالت: "لا. مجرد صديق".

حين خرجنا إلى الجانب الآخر، وجدت كوخاً كبيراً في انتظارنا. جدران مصنوعة من الحجر يعلوها سقف من الخشب والطحالب الخضراء. وإلى الجانب كانت هناك مساحة صغيرة مسيجة تضم دجاجاً، وبضع خراف، وبعض الماعز. ووقفت بجانب السياج امرأة بحجم الجبل تحمل عمود خشب ضخماً متوازناً على كتفها. قدرت أنه لابد كان يزن أكثر من مئة كيلو. ألقت المرأة قطعة الخشب عرضاً على الأرض حيث أصدرت صوت ارتطام آخر واهتزت الأرض للمرة الثانية.

وبجانب الخشب الملقى حديثاً كانت هناك قطعتان أخريان.

حيَت والدتي معلنة وصولنا: "صباح الخير، جريزيلدا".

تحركت عينا جريزيلدا نحونا بخفة، وحظيت بنظرة واضحة إليها للمرة الأولى. وتحديداً كيف كان فكها أكثر بروزاً مما لكنت أتوقع، حتى من امرأة بحجم الجبل. امتلكت شعراً أسود كالسلك مربوطاً في كعكة، وبشرة خضراء شاحبة. من ذكريات حياتي السابقة، لكنت ظننت أن لها مسحة أوركية إلى حد ما في مظهرها. ارتدت سراويل من الفراء بدت دافئة إلى جانب معطف صوفي جاء بلا شك من الخراف التي خلفها.

نادت جريزيلدا وهي ترمقهم بنظرة ضيقة: "أأنت تلك يا بيني؟ ولابد أن هذا هو صبيُّك. ذكر كورنيليوس شيئاً عنه. ما الذي يجلُبك للزيارة هذا الصباح؟".

"لدينا تجار يمرون عبر المنطقة. كانوا يرون إن كان أحد يريد التجارة أو البيع قبل أن يرحلوا بعد الغداء".

تأملت جريزيلدا قائلة: "مبكر قليلاً في هذا الموسم. أفترض أنهم يحاولون سباق التجار الآخرين الآن وقد بدأ الثلج بالذوبان. مارتن في منجمه لكني أعرف القطع التي يتطلع للمتاجرة بها. ماذا يعرضون؟".

"لديهم عسل ولحم من زنزانة السهول لا نهاية لها إلى جانب بعض الفراء والجلود. رغم أنهم قالوا إن بحوزتهم عملات للشراء أيضاً إن كنت لا تبحثين عن المقايضة".

أومأت جريزيلدا برأسها، واضعة يدها خلفها لتردع معزاة حشرت رأسها عبر السياج وكانت تحاول قضم سروالها.

سألت جريزيلدا: "من تبتغين زيارته أيضاً؟".

"ماغاثا، هورين، جورج، وكايلي. إن قال أحدهم لا، فسأزور تيبيه أيضاً. التجار يدفعون لي بالعسل، لكن فقط إن استطعت إحضار أربعة آخرين على الأقل للمتاجرة معهم".

"إذاً اعتبريها ساعة قبل أن تعودي؟ سأنهي إبصلاح هذا السياج وألقاكي عند الطريق مع البقرة... قصدي مع الآخرين. دائماً ما يكون الاقتراب كمجموعة أفضل عندما يتعلق الأمر بهؤلاء التجار، بدلاً من المجيء فرادى وكأننا متسولون بأيدٍ ممدودة".

عرضت والدتي شكرها، وانطلقنا مرة أخرى. المزيج من المشي هدّدني بالنوم رغم كل جهودي المضادة. ما بين تماريني في الصباح البكر، واستخدامي الموسع الأول لمهارتي الجديدة، لم أستطع إبقاء عينيّ مفتوحتين. غفوة قصيرة كانت كل ما حصلت عليه بينما هجم موكب من الروائح على أنفي. المنزل الذي اقتربناه هذه المرة كان مصنوعاً بالكامل من الخشب، وتتخلله الشجيرات والأشجار في كل مكان. انطلقت نفخة دخان لطيفة نحو السماء من مدخنة حجرية.

وحول المنزل كانت هناك حديقة واسعة، تضج بألوان أكثر مما رأيت طوال رحلتنا الجبلية. كانت هناك بضعة زهور على طول مسارنا ذات بتلات بيضاء أو صفراء، لكن هذه الحديقة امتلكت الأحمر، والأرجواني، والأسود إلى جانب الأزرق، والوردي، والأبيض. طنت الحشرات الصغيرة وهمست داخل متاهة النباتات متحدية تماماً بقية الجبل. وحتى الثلج بدا أقل حضوراً هنا. قبل أن نتمكن من الاقتراب أكثر، انفتح باب المنزل الخشبي بعنف.

كنت أتوقع خروج عجوز شمطاء تدب بعصاها، وعين واحدة أكبر من الأخرى، وهي تصرخ مهددة بالقتل. بدلاً من ذلك، عبرت الباب امرأة شابة أكبر سناً بقليل من والدتي، بشعر يشبه الزهور الصفراء التي تزين الحديقة وعينين خضراوين ثاقبتين. ارتدت فستاناً صوفياً بلون القشطة القديمة وعليه بقع طين طازجة بلا شك من الحديقة.

"بيني يا عزيزتي، هل جئت أخيرًا لتتعلمي كيف تحلين مشاكلك بالطريقة الصحيحة؟ حسناً، بغض النظر عن الشاعات، أنا لا أتاجر بالمواليد الجدد لذا سيحتاج صغيرك إلى أن يؤخذ للمنزل أولاً".

حيَت والدتي بابتسامة مسرورة على وجهها: "ماغاثا. أرى أنك بلهاء... قصدي بارعة في التلميح كعادتك. لن أشاركك رقصك العاري تحت القمر".

عادت ماغاثا بابتسامة ودودة: "لا يمكنك لوم فتاة على المحاولة. حسناً، إن لم نكن لنُتوّج حبي الأبدي لك، فما الذي يجلُبك إلى منزلي؟".

"تجار يمرون عبر المنطقة. هم في المركز الأمامي حتى وقت الغداء. يتطلعون للمتاجرة أو الشراء منا نحن أهل الجبل المساكين. لديهم عسل، لحم، فراء، جلود، ومواد كيميائية من زنزانة السهول لا نهاية لها. وعملات أيضاً، إن كان لديك ما يريدونه".

أجابت ماغاثا بابتسامة ساخرة: "يا عزيزتي، لدي ما يريد الجميع الحصول عليه. وضع تعرفينه جيداً على الأرجح. أفترض أن لدي بضع خلطات جديدة قد تكون جديرة بالبيع. العسل، هل لديهم أي عسل أحمر الخطوط؟".

أومأت والدتي برأسها.

"من لديك غيري؟".

"ستقابلنا جريزيلدا على الطريق قرب منزلها بعد ساعة تقريباً. ما زال يتعين علي زيارة هورين وكذلك جورج وكايلي".

"سأكون هناك إذن. دعيني أجهز نفسي ولا تذهبي دوني! سأنتظر مع جريزيلدا. علي إيصال شيء لمارتن على أي حال".

لوحت والدتي، مبدلة إياي من ذراع إلى أخرى قبل أن نغادر الكوخ حلو الرائحة. خطر ببالي بينما كانت والدتي تحملني أنها لم تبدُ متعبة بشكل ملحوظ رغم هريي... حملها لي لمدة تقارب الساعة بالفعل. تذكرت كيف أن الإحصائيات المتزايدة من مسارات الميرياد ستجعل المرء أقوى، وأسرع، وأكثر تحملاً. هذا ناهيك عن التحسينات العقلية والسحر نفسه. كانت جريزيلدا دليلاً أكبر على ذلك، فهي تحمل أعمدة سياج ضخمة وحدها.

ومع ذلك، يظل الجسم حداً. وهو ما جعلني أفكّر في أنه إذا زادت الإحصائيات كنسبة مئوية، فكيف سيؤثر ذلك على الوحوش والكائنات التي كانت أكبر وأقوى وأسرع بطبيعتها؟ ارتعشت عند هذه الفكرة.

قالت والدتي، مخطئة في اعتبار ارتعاشي ناتجاً عن هواء الجبل البارد: "أعلم أن الجو بارد قليلاً، باسيان. لقد تجاوزنا المنتصف رغم ذلك!".

المحطة التالية كانت شبيهة بسابقتها. الرائحة المنبعثة من المبنى القريب من الجدول جعلتني أظن أن جورج وكايلي ميلر، الشخصين اللذين يعيشان هناك، كانا نوعاً ما من المدابغ أو عمال الجلود، وربما الاثنين معاً. على عكس الآخرين، طلبا من والدتي الانتظار قبل الانضمام إلينا وبحوزتهما حزم على ظهورهما محشوة بالفراء والجلود. لم نصل قط إلى منزل هورين إذ وجدنا قبل أن نتمكن نحن من ذلك.

في منتصف العمر وعصبي المزاج، مع قوس مشدود على كتفه وسكين طويلة على خصره، اختفى الصياد العجوز، وهو ما كانه بوضوح، بصمت في الغابة بعد دردشة سريعة مع والدتي وآل ميلر. رغم كونه الأخير في العثور عليه، فقد سبقنا هورين بطريقة ما للعودة إلى المركز الأمامي، واقفاً بالفعل بجانب جريزيلدا وماغاثا حيث كانتا تنتظران على جانب الطريق. حملت جريزيلدا حقيبة جلدية على كتفها تضم سيوفاً وفؤوساً وسكاكين متعددة.

وكان لدى ماغاثا أيضاً حقيبة ظهر جلدية تصدر طقطقة أثناء المشي، مما جعلني أتساءل من أين حصلت على الأواني الزجاجية. كنت لأقضي وقتاً أطول في اختبار مهارة الخطوات الخافتة لكن كلما حاولت كان الأمر وكأنني ألتقط خيوط أثير متطايرة، وبالكاد استمرت المهارة بضع ثوانٍ. جعلني غياب التقدم قلقاً. تمت المرحلة الأخيرة من الرحلة كمجموعة، وعندما عادنا، قبيل منتصف النهار، بدا الأقزام وحراسهم وكأنهم يحملون الأمتعة ويستعدون للرحيل.

نادى القزم ذو اللحية الحمراء: "بدأت أتساؤل إن كنت ستبلغين في الوقت المناسب، ايتها الفتاة. التحية لأهل الجبل. اسمي لوان فورومير، وبما أن ضوء الشمس يضيع، فلندخل في صلب الموضوع".

لم أتمكن من رؤية ما تمت المتاجرة به رغم ذلك، فقد خانتني معدتي بقرقرة هادرة. بدلاً من ذلك حملتني والدتي إلى الداخل لأكل طعام الغداء. بحلول الوقت الذي انتهيت فيه، كان الآخرون قد غادروا، متوقفين فقط في الداخل لمشاركة بضع كلمات مع كورنيليوس، ولتطلب ماغاثا قوارير زجاجية إضافية من الرجل العجوز. أين كان يخفيها؟ في مكتبه؟ لم أكن قد رأيت أي منها حول المركز الأمامي. مسلحاً بمعرفة جديدة عن بيئتي، وحدودي الحالية، وقليل عن العالم من حولى، بدأت في وضع خطط.

كانت لدي مسارات لأتقدم فيها، والآن بعد أن أستطيع التكلم دون جذب اهتمام مفرط من الرجل العجوز، فقد حان الوقت لأكتشف ما كنت أفعله خطأ بالسحر وكيف أصلحه! كنت رضيعاً بهدف، ولن أترك قدراتي الموهوبة تذهب سدى! لقد حان وقت الجد!