تولت هيرومي الزمام بعد ذلك لمفاجاتي بينما كنت ما زلت استوعب حقيقة ان لدي مكانا جديدا الان. بيتا جديدا ان اردت.
لم اكن اريد مكانا جديدا. لقد اعجبني المكان القديم. لم يكن مجرد صغره سببا للحصول على شيء جديد.
لكن هيرومي تجاوزت مخاوفي كليا اذ شدتني معها وصعدنا الى الطابق الاول لاحضار الجميع.
لمفاجاتي مع ذلك كان نوكس هناك يحوم حول ايتشي ومالكوم.
قال محييا هيرومي واياي: "اهلين موتوكو. رفيق موتوكو." والمثير للسخرية ان ايتشي ومالكوم كانا ينظران اليه بطرف عينهما كانه خطر.
سالته مستغربة سبب بقائه هنا: "اهلين نوكس. شكرا مرة اخرى لمساعدتي. هل انت بخير؟"
اجاب بهزة كتف وابتسامة ساخرة: "اجل اردت فقط ان ارى هذا للنهاية. ليس كل يوم يرى المرء شيئا بمثل هذه الجنون."
كدت اقلد هزة كتفه لكني عدلت عن ذلك اذ وخزني ضلعى. حذرت: "لا بأس. سنصعد لنتحدث الى الفتيان. قد ينتهي بنا الامر في تبادل لإطلاق النار." فاومأ وادخل يده في حقيبته وسحب مسدس يونيتي مطليا باسلوب الموكس.
"اردت ان ارى هذا للنهاية.. ان استطعت؟"
أشرت له بابهام مرفق واومأت برأسي نحو المصعد فكدسنا جميعا في داخله.
كان هذا الجزء المهم.
هل سنتمكن من فعل هذا دون قتل احد اخر؟ نظرت الى هيرومي التي كانت بصراحة الشخص الذي يقودنا في هذه اللحظة.
بدت هيرومي متلهفة للوصول الى السطح لكني استطعت ملاحظة انها كانت متوترة قليلا وهي تعبث بسيف الكاتانا عند خاصرتها.
رسم مالكوم ابتسامة عريضة على وجهه.
كان يحمل رشاشي الثقيل.
سيعيد هذا اللعين السلاح بمجرد ان استطيع حمله بنفسي مجددا.
اما ايتشي فقد رفع بندقيته بجهد واقفا على اعصابه مستعدا لاستخدامها.
توقف المصعد بصوت رنين منفتحا على صخب اصوات لكنها كانت كلها واضحة.
"مورغان! هذا الاحمق المجنون!"
"اخيرا! هل كان عليك ان--" "اوف لماذا استغرق قتل واحد كل هذا الوقت--"
طبعا صمتت الاصوات عندما ادركوا ان الشخص الخارج من المصعد ليس رئيسهم السابق.
هتفت هيرومي وهي تخرج.. حسنا كأنها الزعيمة: "مرحبا مرحبا! انا هيرومي!" وقد زال توترها وعبثها العصبي الذي بدا قبل لحظة. "آسفة على الازعاج لكن الامر انتهى الان! لقد تم تصفية العجوز ومخترق الشبكة الذي ساعدكم سابقا! معذرة!" غرّدت بذلك طوال الوقت وهي تبتسم.
لم اكن متأكدة من خطتها المجنونة لكني كنت احمل سلاحا في كلتا يدي, بينما اعيد تلقيم كل شيء ومستعدة للاطلاق ان اطلق اي من الفتيان النار.
تردد صدى صوت ريتشارد: "تبا." ثم قال بصوت تبدو عليه شدة الغضب وهو يخطو وسط الحشد باتجاه هيرومي: "لقد أوقعتنا في ورطة." لكنه تجمد حين توسطت بينه وبينها فاذا به يحدق فجأة في فوهة مسدسي بوريا.
رفع بعض الفتيان حوله اسلحتهم ايضا لكنه كان سيكون في عالم الاموات قبل ان يطلقوا النار.
قبل ان انطق بكلمة سبقتني هيرومي. قالت وهي تتقدم بوقاحة وتستقر في احد المقاعد وتلتقط زجاجة جعة كانها تنتظر ان ينضم اليها ريتشارد: "حسنا حسنا! لا داعي للعنف. القتال انتهى اصلا اتعلمون؟ فلنتحدث اذا عما تبدو عليه الوضعية الجديدة."
هيرومي؟ بحق الجحيم ماذا كنت تخططين؟
—---
بعد ساعة عرفت الاجابة. لقد عقدت هيرومي.. صفقة.
لم تعد لدي اي فكرة عما يحدث.
لقد اجلست ريتشارد واقنعته اساسا بترتيب سلمي مع القسم التاسع.
اطلقت هيرومي حرفيا اسم القسم التاسع علينا. لولا برود الدم الذي حافظ على هدوئي لعرفت ان راسي كان سينفجر.
لقد كانت مجرد مزحة! لا يمكن لاحد ان يعرف!
كنا عصابة مقلدين الان!
لكن لم يمت احد من الفتيان في النهاية. انتهى القتل ولن يجنوا الكثير من مهاجمتنا. لقد اقنعتهم هيرومي ان سماحهم لنا باستعارة القبو ووجود مخترق شبكة يعمل من مجمع الشقق س يعني انه يمكنهم الاعتماد على عملي في ضمان استمرار نظام الحماية بالعمل, وربما الاستعداد لقبول بعض الاعمال منهم من حين لآخر.
في المقابل سيكون لدى القسم التاسع ايضا امكانية الوصول الى حشد من الفتيان المشاغبين المستعدين للعمل كقوة ضاربين كلما احتجنا الى ذلك.
لقد استسلمت تماما بخصوص الانخراط في الاتفاق عند هذه النقطة. كنت متعبة ولا زلت غاضبة من نفسي لانني تعرضت للاطلاق النار ومستعدة للتوجه الى عيادة فيك لاخذ قيلولة.
وكنت اؤامس برأسي فقط بينما تتولى هيرومي التفاصيل التي لم أرد التعامل معها.
لكن الامر نجح في النهاية ويا لمفاجاتي.
بدا الفتيان سعداء بما يكفي ليكونوا مسؤولين عن أنفسهم على الأقل في الوقت الحالي, وستكون هيرومي هي حلقة الوصل بينهم وبين القسم التاسع. مما يعني انهم سيتركونني وشاني لحسن الحظ, واصبح لدي مكان لممارسة الاختراق مع شيء من الحماية اثناء القيام بذلك.
لحسن الحظ ومع انتهاء العملية اخرجتنا هيرومي متمنية لريتشارد ليلة سعيدة, ومع عودة المصعد للعمل اصبح الحفل منتهيا الان.
استقلت مجموعتي المصعد اولا الى الطابق الارضي وصولا الى شاحنة ايتشي.
تمتمت وانا انظر الى هيرومي التي كانت تزهو بنفسها تماما طوال الساعة الماضية وهي توقع الفتيان في صفقة: "لا أصدق أن هذا نجح."
قالت وهي تعدل شعرها بيدها: "عليك فقط الوثوق بي! كان الامر سهلا جدا بالنسبة لشخص مثلي." قال ايتشي بابتسامة ثم وجه اصبعه فجأة نحوي ونحو هيرومي: "كل هذه مشكلتكم وحدكم."
قالت هيرومي وهي ترفع يدها لتكتم ضحكتها: "لا تكن سخيفاً يا إتشي! إن احتجنا إلى شاحنة فسنطلبك بالطبع، ومع رابطة إس إل إس والقسم التاسع، قد نقوم بمزيد من الأعمال الكبيرة".
سألتُ ضاحكة وسط قهقهاتي على تصرفات هيرومي: "ضحكة أميرة؟ حقاً؟"
قالت وهي تبدو فخورة بنفسها: "بالطبع! لقد للتو فعلت شيئاً مذهلاً! أتعلم كم يبدو تدريب عصابة أمراً جيداً لسمعتي؟ لمَ لم يخبرني أحد قط بمدى متعة عمل السمسار هذا كله؟!"
شاكسها مالكوم قائلاً: "أه، بالطبع فقد وجدت الطفلة المدللة للشركة ندائها الحقيقي"، لكنه خفّف من حدة كلماته بلطف عندما غمزها بعد ذلك: "فقط تذكرينا نحن أطفال الشوارع عندما تصعدين إلى قمة برج أراساكا".
فردت فوراً: "من أنت مجدداً؟ السائق؟"، مما استدعى احتجاجاً ساخناً من مالكوم وضحكات خافتة مني ومن إتشي.
لكنني انكمشت قليلاً من الألم في النهاية.
ضلع اللعين.
قلت لهم: "حسنًا أيها الأصدقاء. شكراً... على كل شيء. ما كنت لأتمكن من فعل هذا لولاكم".
قالت هيرومي وهي تهز كتفيها: "لا تقلقي بشأن الأمر يا موتوكو! نحن أصدقاء! بالنظر إلى مدى سحبك لنا معك، شعرت بشعور جيد لتمكني من المساعدة حقاً. علاوة على ذلك، كنا نحقق الكثير من هذا منذ فترة. أموال، سمعة، قطع معدنية"، وتمتمت وهي تعد على أصابعها.
قال مالكوم بمزاح وكان ذلك كل ما لديه: "أه. الأجر جيد".
قال نوكس، وكان الصادي بهدوء يتبعنا طوال الوقت دون مشاركة حقيقية: "مهلاً لقد كان... رائعاً. لم أكن قط بهذا القرب من شيء جنوني كهذا من قبل".
سألتُ: "مهلاً لقد كنت أساسياً. شكراً يا نوكس. هل الأجر كافٍ؟"، فأطلق ضحكة خشنة.
"لا تكن سخيفاً، ما زال لدي الكثير من الأموال التي جنيتها من تسجيلات الأحاسيس التي لم أسلّمها لك بعد". عرضت هيرومي بابتسامة تشبه ابتسامة سمك القرش وهي تبدأ في التقدم نحو نوكس: "أه؟ صحيح، أنت هو من يبيع تسجيلات الأحاسيس الخاصة بموتوكو... أعتقد أن علينا التحدث!"
حسناً لم يكن ذلك شيئاً أنوي التورط فيه.
"حسناً... أنا بحاجة نوعاً ما إلى زيارة فيكتور. لذا سأغادر من هنا. يا مالكوم... ضع مدفعي الرشاش الثقيل في صندوق سيارتي من فضلك"، وحدّقت بغضب في الصبي الذي كان ينسل خلسة نحو شاحنة إتشي.
—--
تمتمت: "الأمر ليس سيئاً لهذه الدرجة يا فيكتور"، لكن النظرة التي رماها بي جعلتني أصمت.
أمر وهو يطرد هيرومي وونوكس خارج العيادة بطاقته الأبوية: "حسناً أنتم جميعاً، تفضلوا بالخروج. ستكون موتوكو بخير، لكننا سنحتاج إلى بعض الخصوصية". كان كلاهما قد تبعني إلى عيادة فيكتور حيث كانت هيرومي تجر نوكس حولها للتحدث أكثر عن عمله.
واصلت تجاهل تورط هيرومي في ذلك.
كنت أكثر تركيزاً على فيكتور، لأنني شعرت وكأنني على وشك تلقي توبيخ.
"هل تفضل شرح سبب وجود ثقوب رصاص في ملابسك الرياضية؟"
اعترفت بتنهيدة: "تعرضت لإطلاق نار... كثيراً. اللعين كان يمتلك رشاشاً ذكياً... والآن أصبح لدي رشاش ذكي".
طلب وهو يقترب مني على كرسيه المتحرك: "كيف ما زلتِ على قيد الحياة؟ أخبرتني أن تعافيك يستغرق ثماني ساعات. أتفهم إن كنت لا تستطيعين إخباري، إن كان شخص ما يمنعك عن الحديث عن الأمر، لكن..." "لا، ليس الأمر كذلك. أقسم لك. لا أحد سواك يعرف بشأن فيكتور... إن تناولت حقنة ماكس دوك فإنها بطريقة ما تعزز الشفاء لفترة... أعتقد أنني لم أشارك هذا الجزء فقط. آسفة"، قلت ذلك وأنا أتألم فعلاً. كان يجدر بي على الأرجح إخبار فيكتور بذلك في المرة الأخيرة. تمتم وهو يفرك أنفه تحت نظارته: "هذا يبدو غير منطقي البطلة. الشيء الوحيد في ماكس دوك هو... حسناً لا شيء من شأنه أن يسبب شفاءً سريعاً مفاجئاً. تلك الأشياء مجرد أدرينالين، وبعض... لا بأس. لا يهم. هل يجعلك تشفين؟"
تنهد فيكتور، وبدا وكأنه يحاول جاهداً مقاومة الصراخ في وجهي: "نجل، بسرعة كبيرة، تقريباً كل شيء باستثناء العظام المكسورة. أنا..." "حسناً ستبقين الليلة. سنختبر ما تفعله حقاً حقنة ماكس دوك بك. يا له من ملك يا موتوكو، أيتها الفتاة. الشفاء السريع قد يكون له ملايين الآثار الجانبية!"
كان الأمر لطيفاً. وإن شعرت بشيء من الخجل. كنت أعرف أنه آمن بفضل نظام اللاعب... لكنني لم أستطيع توضيح ذلك له تماماً.
"آسفة يا فيكتور. أنا متأكدة تماماً أنه آمن؟" قرر وهو يومئ بحزم ويطبت على كتفي بينما ذهب فعلاً لإغلاق أبواب العيادة حتى لا يدخل أحد: "اختبار".
تمتم وهو يلوح برأسه بعيداً عن المكان الذي كنت أخلع فيه ملابسي الرياضية بالفعل: "الآن. أيتها الطفلة تخلصي من تلك الملابس فهي تالفة على أي حال، لدي ثوب طبي هنا في مكان ما يمكنك ارتدائه... يا للهول أيتها الطفلة!"
"ماذا؟"
تمتم وهو يرمي إلي بأحد تلك الأثواب الطبية المكشوفة الظهر التي قد يرتديها المرضى: "فقط ارتدي هذا".
أجبته بنبرة لاذعة: "حسناً. لا أعرف لماذا تتصرف بغرابة، فأنت تكبرني بنحو ثلاثة أضعاف"، ولم أجنِ سوى ضحكة مخنوقة.
"يا موتوكو، أنت في الرابعة عشرة. وأنا أكبرك بنحو ستة أضعاف."
"مهلاً ماذا؟!" قال وهو يعود بكرسيه إلى الخلف ليبدأ في ربط المستشعرات بي: "أنا في الرابعة والسبعين يا فتاة".
مهلاً.
هل كان سبب كون طاقة فيكتور الأبوية شديدة هكذا لأنها كانت في الواقع طاقة جد؟
—--
انتهى الأمر بفكتور باحتجازي طوال بقية الليل لإجراء اختبارات على شفائي ومحاولة معرفة سبب تسبب حقنة ماكس دوك في تأثير شفائي.
في النهاية اكتشف الكثير، وخرج بأسئلة أكثر بكثير مما كان لديه من قبل.
لكنني هربت. مكالمة سريعة لسيارة كوادرا الخاصة بي جعلتها تقود إلى هنا لكي أتمكن من العودة إلى المنزل وكنت قد رحلت.
كانت الشقة هادئة عندما دخلت وتوجهت فوراً إلى غرفتي ممتنة لعدم وجود جون بينما نزعت ملابسي الرياضية التالفة وألقيت بها في الحقيبة التي أحتفظ فيها بجميع ملابسي المتضررة.
سأحتاج إلى التأكد من ألا يكتشف جون ذلك حتى أصلحها أو أتخلص منها.
اغتسلت سريعاً لأزيل بقايا الأوساخ ثم ارتديت ثيابي مجدداً ووجدت نفسي في غرفة المعيشة بينما بدت خيوط الشمس الأولى تتسلل بحذر عبر الستائر المدرعة.
ماذا أفعل الآن؟
تنهدت وأنا أرتمي على الأريكة. لم أكن راضية تماماً عن وضع الصبية ولم أرد البتة التورط مع أي عصابة شوارع عشوائية.
خصوصاً عصابة كانت على بعد خطوة واحدة من الإبادة بسبب جشعها المفرط. سيشكل هؤلاء الصبية صداعاً مزعناً لي. وكنت متأكدة من ذلك.
ولم أكن أرغب في رؤيتهم يلقون حتفهم.
فالأمر كان حتمياً. فمدينة الليل لا ترأف بأحد.
نفضت هذه الأفكار عن رأسي. فأنا مسؤولة فقط عن المقربين مني. هذا كل ما في الأمر. لا أكثر. وإن لقي أعضاء العصابة حتفهم آمل ألا أعلم بالأمر أبداً.
نهضت. وجمعت قسماً من معدات الاتصال الخاصة بي من أنحاء الشقة وخرجت. كان هناك شيء آخر أحتاج إليه قبل العودة إلى مخبئي الجديد للاختراق.
—--
استنزف شراء بدلة اختراق كاملة مع نظام تبريد يعمل رصيدي بعض الشيء لكن امتلاكها كان بالغ الأهمية.
لم أكن أرغب في قلي عقلي كما كادت تفعل من قبل.
أبدت الخياطة العجوز التي طالما اشتريت منها ملابسي الرياضية استعداداً تاماً لإتمام البيع خصوصاً بعد أن طلبت المزيد من تلك الملابس.
فأنا أتلقى طلقات نارية تثقب تلك الثياب اللعينة باستمرار على أي حال.
قدت سيارتي الكوادرا متوجهة نحو مجمع الشقق.
تمتمت لنفسي: "شقق سترايت لين." واضطررت لهز رأسي استنكاراً لأن الصبية أطلقوا على أنفسهم اسم المجمع حرفياً. كان هذا المجمع قديماً ومتهالكاً. ولن تفاجئني رؤية أشخاص يقتاتون على احتلال مبنى شبه مهجور هنا.
ولكن من ناحية أخرى. كانت الأضواء مضاءة والمياه جارية لذا لا بد أن أحداً يمتلك المبنى ويحرص على سير الأمور.
لم يضم المبنى مرآب للسيارات بل اضطررت لإيقاف الكوادرا في مساحة تبعد عن الشارع بمقدار كتلتين سكنيتين وقطعته سراً على قدمي.
لاحظت سريعاً أنني أصبحت محط الأنظار.
كان الأطفال يحدقون بي.
عرفت بعضهم من العصابة ولم أعرف البض الآخر. ولم أشك لحظة في أن خبراً بحجم خسارة عصابة الشقق لخبير الاختراق الخاص بهم وفقدانهم لمهامهم الكبرى ينتشر كالنار في الهشيم.
وأن لديهم زعيمة جديدة الآن. بينما تسببت مراهقة ذات شعر بنسفسجي في توقف قلب زعيمهم القديم...
أو ربما وضعوا مكافأة لمن يقتلني وأمروا الصبية بالتخلص مني فور عودتي إلى المبنى. فقط لتجنيب ريشارد عناء التعامل معنا...
لكن ذلك لم يعدو كونها مخاوف بارانويا. فريشارد يحتاجني حية والأحرى أنه بحاجة لمتخترق لضمان عمل أجهزته وتمرير المعلومات لتوجيه صبيته نحو مهام يستطيعون إنجازها وكسب المال الوفير منها.
استهدف مورغان وفيليوسيتي شحنات أسلحة أو إمدادات اختراق بمعية جيش الصفوة من الصبية. لم تكن العصابة موجودة قبل ذلك. وأشك في أن ريشارد اكتسب فجأة كل المعرفة اللازمة لإدارة عصابة.
حين دخلت المجمع لم أتفاجأ بوجود طفلين يقفان قرب المصعد وقد هبا واقفين فور اقترابي.
كانت الفتاتان تحملان بنادق صيد.
قالت الصغرى بينهما وهي تذكرني بهيرومي سابقاً: "ريشارد يريد التحدث إليك أو إلى الشخص الآخر." تتحدث ببراعة صاخبة واستعراض لجذب الانتباه وإخفاء توترها الحقيقي عن الآخرين.
بينما ظلت الأخرى صامتة ومسكت بندقيتها التكتيكية بقبضة أشد. وبدت على الأقل كمن يعرف كيف يطلق النار بها ولكن الخبرة أخبرتني أن السلاح كان أكبر من حجم الفتاة خصوصاً لافتقاره إلى أخمص.
قلت لهما وأنا ألوح بالحقيبة التي في يدي اليسرى والتي احتوت على بدنتي وحاسوب محمول إضافي: "أخبراه بالنزول إلى القبو إذن. فعندي عمل يجب إنجازه."
ولم تكونا على علم بما تحتويه الحقيبة.
عبوس وجهيهما معاً ولكن الفتاة الأطول هي التي بادرت بالحديث. وقالت بلهجة آمرة: "ريشارد لم يكن يطلب..." لكنها سمحت لي بالاقتراب أكثر من اللازم وبعد نصف ثانية انتزعت بندقية الصيد من يديها مباشرة وأمسكت بسبطانة بندقية الفتاة القصيرة في اللحظة ذاتها.
واضطررت لإفلات حقيبتي لفعل ذلك.
تألمت قليلاً حين اصطدم الحاسوب المحمول بالأرض. وآمل ألا يكون قد تضرر.
قلت لهما ببساطة لأجعلهما تدركان سيطرتي التامة على سلاحيهما: "لا يفترض أن تفعلن ذلك." وأردفت موضحة: "أنا لست عضوة في عصابتكم. لكننا نعمل معاً الآن. إن احتاجني ريشارد فليتفضل بمقابلتي." ولاحظت أن الفتاة الصغرى ظلت تحاول جذب بندقيتها من قبضتي رغم كل شيء.
ولسوء حظها كانت مجرد مراهقة خالية من أي تعديلات سيبرانية بينما كنت أنا لاعبة معدلة سيبرانياً بالكامل. ولم تفلح محاولاتها قط في زعزعة ذراعي ذرة واحدة.
تمتمت الفتاة الأطول بحدة وكأنها أدركت خطورة الموقف الذي فاق توقعاتها: "حسناً."
أومأت برأسي ولم أتخلى عن إمساك سبطانة البندقية إلا بعد أن تأكدت من استتباب الأمور لأعرض إعادة البندقية التكتيكية على الفتاة الطويلة.
ولم تتردد في انتزاعها بغضب ونظرات حارقة.
قلت وأنا أعرض هويتي بينما كانت الفتاة القصيرة تعبس وكأنها تهم برفع بندقيتها مجدداً قبل أن تدرك خطورة ذلك حين أعادت الفتاة الطويلة بندقيتها إلى مكانها مدمجة بإيماءة موافقة: "أنا موتوكو بالمناسبة. وبما أننا سنتشارك العمارة في المستقبل فرأيت أنه من الجيد أن تعرفي."
قالت: "ماري". ثم توجهت نحو المصعد. تبعتها الفتاة القصيرة بعد ثوانٍ معدودة وهي تبدو مرتبكة حيال سبب عدم إطلاق النار علي.
راقبتُهما وهما تصعدان إلى الطابق الخامس. الطابق الذي تسيطر عليه العصابة الآن.
بادرتُ إلى الولوج لنظام المصعد عبر مسح وأمرته بالنزول. لم يكن هناك زر للتوجه إلى الطابق السفلي حرفياً، لذا فإن شخصاً يمتلك مهارة اختراق شبكي وحده يستطيع النزول إلى هناك حقاً.
بعد دقيقة من وقوفي في الانتظار ريثما يصعد المصعد القديم، ويُخرج الفتيات ثم ينزل. بلغتُ طابقي السفلي أخيرًا.
ما زال يبدو غريباً اعتباره ملكي، لكنه كذلك حقاً.
تفحصتُ مجموعة المعدات واضطررتُ لهز رأسي. بعض هذه الأشياء رفيعة المستوى للغاية. أعني أن مجرد حقيقة امتلاكه حوامل خوادم تعني أن المالك السابق في 3 إل كان مخترق شبكة بارعاً للغاية. كان هناك نظام طبقات يحدد مكانة مخترقي الشبكة.
لم أُمعن التفكير في الأمر طويلاً، لكنه كان يسير على هذا النحو.
الطبقة صفر. استخدام أنظمة قديمة جداً، مثل الحاسوب الشبكي للوصول إلى الشبكة. لم يعد أحد يستخدم هذا حقاً إلا الأشخاص الذين يبحثون عن معلومات عبر الإنترنت فقط. وغالباً ما يكونون فوق سن الستين.
الطبقة واحد. وهي ما كنتُ أفعله في الغالب. مجرد استخدام سلك الاتصال الخاص بي في الأنظمة.
الطبقة اثنان. وتُعتبر الاختراق الشبكي الحقيقي. تتيح نظارات الواقع السيبراني وأنظمة أخرى للشخص رؤية الشبكة بأبعاد حقيقية، لا مجرد شاشة مسطحة. بالطبع هذه هي المرحلة التي يبدأ فيها الناس بالتعرض لارتفاع الحرارة، لذا كانت حمامات الثلج خاصة بهذه الطبقة.
إن لم تكن ثرياً بدرجة تكفي لشراء بدلة مخترق شبكة، فأنت في الطبقة الثانية.
الطبقة ثلاثة. وهي أشياء احترافية. كانت بدلات مخترقي الشبكة تُعتبر جزءاً من هذه الطبقة. وغالباً ما تُضاف إليها كراسي الشبكة ومقاييس الحيوية، كان كل ذلك في هذه الطبقة.
الطبقة الرابعة كانت مستوى النخبة... منصات الخوادم، وربما غرف التجميد العميق، بل وحتى تبريد الدم المباشر، كلها كانت جزءاً من هذه الطبقة، وعادة ما تكون أعلى ما يمكن أن يصله المرء دون أن يكون تابعاً لشركة كبرى.
كان في 3 إل يحوم حول هذا المستوى. المعدات التي تركها خلفه كانت أشياء باهظة الثمن بمستوى النخبة...
ولم أكن على وشك دس رأسي في أي منها، دون إجراء فحص شامل ومسح لكل شيء تقريباً. سأقوم بتنزيل كل البيانات على أقراص لإلقاء نظرة عليها لاحقاً، لكن لا وألف لا لاتصالي بخادمه الخاص.
حتماً سيكون لديه برنامج خبيث أو نظام دفاع أسود هناك جاهزاً للقتل.
لكن كانت هناك طبقة أخرى. معدات الطبقة الخامسة هي أشياء مراقبة الشبكة المجنونة. أشياء مثل تثبيت كروم بالكامل يضيف أساساً كل ما امتلكته الطبقات السابقة ولكن في أجهزة سيبرانية متنقلة تتيح للشخص الاختراق الشبكي في أي مكان، وبسرعات وقوة أفضل.
لذا امتلكتُ مجموعة من الأشياء عالية المستوى للبدء في تفقدها. لحسن الحظ أن كل مهاراتي في الاختراق الشبكي تعني أنني استطعتُ فعل هذا حقاً.
لذا شرعتُ في العمل، وصلتُ حاسوبي المحمول بالخادم، وتعرض للهجوم فوراً، وتنهدتُ بينما انطفأ متلاشياً أساساً.
أجل. متوقع.
بعد إعادة تثبيت سريعة للحاسوبي المحمول للتأكد من عودته للعمل والتشغيل. بدأتُ في اختراق الخادم مثل أي نظام آخر. لكن بما أنني عرفتُ مدى خطورته، كنتُ أستخدم المهارة المستمدة من لمسة الشبح للقيام بذلك. أرسل بتات من البيانات ببطء عبر منافذ الوصول الجانبية حتى تنمو بتات البيانات الصغيرة لتصبح برنامجاً حقيقياً يمنحني الوصول.
طبعاً قُوطعتُ قبل وقت طويل من انتهائي. دوت صصفارة عبر الطابق السفلي واستغرق مني الأمر لحظة لتفقد الشاشات الممتدة على طول الجدار والمتصلة بنظام الأمان الذي تم وضعه في المجمع.
كان ريتشارد يطلب الوصول إلى الطابق السفلي. يبدو أن هناك طريقة لطلب الوصول.
كان واقفاً في المصعد، ويمسك بجهاز اتصال في يده وكان ينتظر بوضوح.
وافقتُ على الطلب، وأرسلتُ الإشارة، ونزل المصعد.
باستثناء إلقاء نظرة خلفي على الشاشات، لم ألتفت بعيداً عن الخادم الذي كنت أعمل على اختراقه.
خطا ريتشارد خارج المصعد إلى طابقي السفلي بخطوات واثقة محددة وهو يسير مقترباً ليتوقف بجانبي.
سألتُ وما زلتُ مشتتة، وهناك القليل من البيانات التي احتجتُ لإرسالها عبر مستشعر الأشعة تحت الحمراء والتي قد تتطلب بضع بتات وكان من الصعب بعض الشيء معالجة البيانات بالشكل الصحيح: "ريتشارد. ما الخبر؟ قالت ماري إنك تريد التحدث؟"
قال: "أردتُ التحدث. لكي أتعرف إلى رفيقي الجديد". لَفَظ كلمة رفيق بنبرة جعلت من الواضح عدم سعادته بالفكرة.
أجبتُ: "لستُ رفيقك. ولن أكون. لا وقت لدي ولا رغبة في الانضمام إلى عصابتك. أنا مجرد شخص يتشارك معك مبنى، وأكثر من مستعد ليزودك من وقت لآخر بمعلومات عن بعض الصفقات الرابحة".
قال: "كلانا يعلم أن هذا ليس كل ما ستفعلينه. ستتداعى إس إل إس في غضون أسابيع بلا دخل. لا يمكنني ترك أصدقائي يذهبون لمحاولة الحصول على أموال الحماية، هذه المنطقة برمتها تتبع فالنتينو تقنياً. لكنهم لا يهتمون بالصغار أمثالنا طالما أننا لا نعبث بأعمالهم. ممنوع تعاطي المخدرات، ممنوع الكثير من السرقة في المنطقة. هذا يجعل كسب اليورو دولار أمراً صعباً". أبعتُ نظري عن الخادم لألتقي بعينيه. قلتُ متمتمة وأنا أنأى بنفسي عن الخادم إذ سيبقى ثابتاً لفترة: "حسناً تحدث إلى هيرومي إذن، إنها من نوع السماسرة. أنا... لا انتظري".
وحين فعلتُ ذلك، راقبها ريتشارد تبدو عليه علامات الانزعاج والقلق.
قال: "أستطيع التحدث إليها، الشروط التي وضعناها مقبولة أظن. لكنها قالت إنك الزئيس." قلت وأنا أحكّ مؤخرة رأسي: "أعني نعم. أنا بطريقة ما قائدة رفاقي، لستُ رئيسك." ثم أشرتُ إلى مقعد دوّار بجانب شاشات الحماية، ربما كان مقعد مورغان القديم، وجلستُ على مقعد الشبكة منثنيةً لأواجهه.
"اسمع. قبلتُ عملاً من واكاكو. سرقات جماعتكم أثضبت قطعاً بعض أصحاب النفوذ. كادت واكاكو ألا تقبل المهمة، كنتم ما زلتم صغاراً. صغاراً لدرجة أنها لم تهتم حتى بعرض الأمر على أحد، لكنني احتجت إلى عتاد للشبكة. لذا أعطتني هذه المهمة. كان بإمكاني قتلكم جميعاً." قلت له بفظاظة. وأشرت بإبعادي السلكي مباشرة نحو قلبه. "لم يكن الأمر صعباً. صامتاً، صاخباً، أياً يكن. أنت محظوظ لأنني لا أُحب قتل الصغار. لذا وجدت طريقة لإنجاز المهمة دون إزهاق أرواح أيّ من الفتية الذين زجّهم مورغان في هذه الفوضى."
قال معترضاً على الفور في محاولة لاستعادة بعض الثقة من تهديدي الواضح: "كان بوسعنا القضاء عليك. لدينا عتاد جيد! وحماية جيدة!"
قلت بفظاظة وأنا أجعله ينكمش أزماً: "كان بإمكاني إلقاء قنابل متفجرة خلال الحفل ليلة البسة." وأردفت: "قبل أن تدركوا أصلاً ما كان يحدث... اسمعوا أنتم محظوظون حقاً، ولست هنا لأحكمكم كإمبراطورة أطفال شوارع أو ما شابه. لكنني لست طيبة القلب لدرجة ألا أكون رفيقة لكم." اعترفت بذلك وأنا أحاول التعبير عن ضيقي بيدي.
"تأتين، وتفسدين أول أمر جيد حدث لنا؟ تدمريننا دون حتى أن تقتلينا، وهو... حسناً أجل أنا ممتن لعدم اضطرارنا لاستدعاء سيارات الإسعاف، لكن مع ذلك. لقد دمرت ما كنا نصبح عليه، وتريدين الآن مجرد مصادقة؟ ماذا تريدين؟" "أريد عتاد شبكي هذا، وأريد أن تُترك وحدي. أنقذني هيرومي من اضطراري لجر هذه الخردة من هنا وهذا رائع، لكنه يجعلنا جيران الآن. وهو أمر لم أكن أخطط له. اسمع يا ريتشارد. أظن أنك فعلت أمراً جيداً بمساعدتك لرفاقك أليس كذلك؟ سأبذل قصارى جهدي للحفاظ على حماية هذا المكان في أعلى مستوى. سأساندكم حتى لو تعرضت الشقق لهجوم، فأنا أعيش هنا الآن أيضاً بعد كل شيء، لكن مساعدة عصابتك ليست أولويتي أتفهم؟"
قال بصوت يبدو عليه التعب: "أجل. أعرف. نحن أطفال شوارع. لسنا الأولوية أبداً، ربما لا تفهمين ذلك رغم ذلك."
قلت: "ماذا؟ ولم لا أفهم؟ أنا ابنة شارع أيضاً!" حتى وإن كان ذلك صحيحاً جزئياً فقط.
"أنتِ من أطفال الشركات أليس كذلك؟"
"كلا. هيرومي وحده. عائلتي كلها من تايغر كلوز، مع أنني لست مهتمة حقاً بأمر العصابات. أنا مجرد م مرتزقة. أما والدا هيرومي فهما من أراساكا."
"أجل تخيلت ذلك. ولهذا لم نكن لنسبب أي مشاكل... هل أنت ابنة شارع حقاً؟ لا تبدين كواحدة." "أنا غريبة الأطوار فقط!" قلت له مع إشارة بإبهامي للأعلى. "لكن أجل أنا أعيش في شقة صغيرة مع أخي جون الذي يعمل تنفيذيّاً لدى تايغر كلوز. لذا اسمع، نحن ندرك الأمر. حتى هيرومي. لا أريد العبث معك، أو مع رفاقك. لست مثل مورغان، الذي سيستغلكم وفي النهاية يجعلكم تتحملون الوزر." قلت له فانكمش وجعاً.
تنهد وقال: "حتى لو كنتِ كذلك، لكنا قمنا بالمهام على أي حال. لم يحتاج مورغان لإقناعنا بقبول المهام. كنا مستعدين. أموال أكثر مما رأى أي منا لأجل بضع مهام فقط؟"
"حتى لو انهار كل ذلك فوق رؤوسكم؟" "بالتأكيد! حتى لو متنا جميعاً فقد كان الأمر يستحق. لقد أصبحنا شيئاً مذكوراً! جعلنا هذه المدينة تعرف أننا موجودون!" قال بحرارة وكأن الاهتمام بحياة المرء... خطأ.
تباً لهذه المدينة.
قلت وأنا أهز كتفي: "تباً لذلك، سأعيش حتى الثامنة عشرة بعد المائة." ثم أردفت: "لكن اسمع. لن أتدخل بينك وبين رفاقك. سأساعد في الحماية، وربما أكثر إن كان الأجر مجزياً، وفي المقابل، كل ما أطلبه حقاً هو أن تمنع أي شخص من العبث بأغراضي."
أومأ برأسه وقال بصوت بدا مهزوماً نوعاً ما: "حسناً. يمكنني قبول ذلك. فقط ربما أخبريني إن رأيت فرصة جيدة لجني بعض المال."
أومأت برأسي وكان هذا كل ما في الأمر تقريباً.