"لا تقلقوا يا أصدقائي"، بدأ كلامه: "تيرانات ليست القرية نفسها التي كانت عليها حين هاجمنا ذلك اللعين قبيل الشتاء. كان لدينا أقل من اثني عشر حارساً في ذلك الوقت، لكننا نملك اليوم أكثر من أربعين!".
أومأ الحراس الآخرون موافقين على كلامه، فتابع بصوت عالٍ: "لدينا أيضاً ستة أبراج مراقبة جاهزة لرصدهم، واثنا عشر قوساً مركباً لذبح أي قطاع طرق يقتربون! لقد تدربتم جميعاً بجد طوال الشتاء — فثقوا بي، أولئك اللصوص لا فرصة لهم أمامكم!".
بدأ بعض الحاضرين يومئون بثقة عند ذلك.
وأخيراً، رسم ابتسامة خطيرة على محياه: "حان وقت الانتقام الآن!".
"بحق الجحيم نعم!"، صرخ أحد الحراس: "سنريهم ما يعنيه مهاجمتنا!".
"لا أحد يستطيع الانتصار علينا!"، هتف آخر، رافعاً ذراعه الحاملة للسيف عالية.
"سنرسل اللعناء إلى الملكة!"، زأر هودان.
"من أجل تيرانات!"
"من أجل اللورد كيفاموس!"
"من أجل النصر!"
ابتسم كيفاموس وهو يرى ثقتهم، عالماً أنه أدى واجبه. لن يمحو ذلك كل مخاوفهم، لكنه لم يكن يكذب حين قال إن هذه أصبحت قرية مختلفة حقاً الآن. أدرك الجميع مدى الطريق الذي قطعوه، وكانوا مستعدين جميعاً للقتال حتى الموت لحماية وطنهم. لم يكن يستطيع الشعور بفخر أكبر بقرية وكهف شعبه. وكل ما بقي الآن هو التعامل مع ذلك اللعين الذي تجرأ على مهاجمة قريته مرتين!
* * *
مر يوم كامل منذ أن لمس ذلك الحراس بعض الحركة في الغابة، لكن لم يحدث أي شيء آخر يستحق الذكر طوال النهار، وتمكن القرويون من الذهاب إلى أعمالهم في المناجم، وعلى المزارع في الجنوب، فضلاً عن الذهاب إلى السد للتحقق من حالة الأسماك في تلك البحيرة الاصطناعية. مع أنه لم يكن هناك شيء هناك بعد، وقد يستغرق الأمر ما يقرب من عام بحلول الوقت الذي تبدأ فيه ما يكفي من الأسماك تعيش في تلك البحيرة ليستخدمها القرويون كمصدر غذائي مستدام.
وبصرف النظر عن الحراس الذين يستطلعون من أبراج المراقة، أرسل هودان أيضاً زوجين من الفرسان للاقتراب من الغابة المحيطة خلال النهار دون دخولها لتجنب تفوق الأعداء عليهم وليتبينوا إن كان بإمكانهم العثور على أي شيء، لكن لم يكن هناك شيء بعد. كما أُعلن للقرية نبأ الغارة المحتملة على تيرانات، فظل الجميع يرمقون المحيط بعين حذرة، لا أنهم رأوا شيئاً. لقد جعل ذلك الجو داخل القرية مضطرباً، لكن لم يكن هناك يقين بعد بشأن الهجوم، فلم يتردد القرويون في الخروج خارج الأسوار للعمل.
كان الوقت الآن صباح اليوم التالي، وكان كيفاموس يخطو بخطوات متوترة قرب بوابات القصر، منتظراً بشغف عودة فيروي وبقية الكشافة بأي أخبار. كان دوفاس يتحدث إلى السيدة نيريدا بالقرب منهم، يسألها عن مؤونتهم المتبقية من الطعام، بينما كان هودان يتحدث إلى الحراس الذين كانوا في نوبة الليل وعادوا للتو للراحة، بينما كان أولئك الذين سيناوبون في وردية النهار من الثامنة إلى الرابعة قد غادروا بالفعل.
كان غورساسو يعلم سيرين في هذا الوقت كالعادة، بينما انشغل آخرون بمهامهم المعتادة. أما كلاريسا ولسيم، اللذان كانا عادة يقفزان حول القصر في هذا الوقت منتظَرين بترقب ذهاب القرويين إلى العمل لكي يبدؤوا في جمع نشارة الخشب مع بقية الأطفال، فبدا عليهما الخمول اليوم بسبب أنباء اللصوص، مما يعني أن جميع الأطفال مُنعوا من مغادرة أسوار القرية في الوقت الحالي. لذا أرسلتهما السيدة هيغا للعب مع أصدقائهما الذين يعيشون في مجمعات البيوت الطويلة، نظراً لأنه كان يوماً ترفيهياً أساسياً لأطفال القرية جميعاً حتى يُسمح لهم بالخروج مرة أخرى.
سرعان ما لوح له هودان: "سيدي، تعال إلى هنا".
مشي كيفاموس نحو قائد الحراس ولاحظ وجود حارستين تتحدثان إليه.
أشار هودان إلى المرأتين الواقفتين أمامه: "كانت إيسومي وسافومي في نوبة العمل على برج المراقبة الجنوبي الشرقي الليلة الماضية".
ثم أومأ للمرأتين بالتكلم.
"لكن..."، بدأت إيسومي، وهي تنظر بتردد إلى قائد الحراس: "ما زلت غير متأكدة مما رأيته...".
"أي شيء يمكنك إخباري به سيساعدنا في معرفة المزيد"، طمأنها كيفاموس: "فقط أخبريني".
بدأت الأخت الكبرى سافومي قائلة: "خط الأشجار بعيد جداً في الجنوب عبر المزارع، لكنه في الشرق ما زال قريباً بما يكفي لنرى الأشياء. حوالي... السادسة صباحاً على ما أعتقد، تماماً حين بدأ الجو يفتح، رأيت بعض الحركة من هناك. لم يكن أي من القرويين قد غادر للعمل بعد في ذلك الوقت، لذا لا يمكن أن يكونوا هم، لكن الجو كان لا يزال مظلماً بما يكفي لألا أكون متأكدة مما إذا كانوا بشراً أم لمجرد قطيع ذئاب أو ما شابه. وإلا لكنا أطلقنا البوق وأرسلنا من ينبه القصر".
"نعم..."، أومأت إيسومي: "بصري جيد جداً، لكنني لم أكن متأكدة أيضاً. على الرغم من أنهم لو كانوا لصوصاً، فهم أذكياء، إذ لم يكن أي منهم يحمل سيفاً أو خنجراً ظاهراً في ذلك الوقت، وإلا لكنا لاحظنا الانعكاس".
أومأ كيفاموس ببطء: "لا يمكننا التأكد من أي شيء بناءً على هذا وحدها، لكن مجيئه فور رؤية ذلك الحارس الآخر لشيء ما في التلال الليلة الماضية، قد يرجح جداً أنهم لصوص. حسناً، لقد أحسنت اثنتاكما. اذهبا الآن وخذَا بعض الراحة بعد إفطاركما. نحتاج من الجميع أن يكونوا في أقصى جاهزيتهم الآن".
أومأت الأختان واتجهتا نحو قاعة الخدم، قبل أن ينظر إلى قائد الحراس ليسأله عن رأيه. وعندئذ لاحظ المرتزق السابق وهو يدخل عبر البوابة الشرقية الصغيرة للقصر، مع ثلاثة حراس آخرين يرافقونه.
"فيروي هنا"، تمتم هودان في الوقت ذاته: "أيها الأحمق، امشِ أسرع!"، نادى بصوت عالٍ.
أطلق المرتزق السابق شخير استخفاف، قبل أن يرسل الحراس الآخرين إلى قاعة الخدم، وواصل المشي نحوهما. وسرعان ما أصبح فيروي واقفاً أمامهما، وقد علقت بعض الأغصان الصغيرة والأوراق بسترته الجلدية، مع أنه لم يتبدُ عليه أي أذى.
تحدث قائد الحراس بنفاد صبر بينما بقي المرتزق السابق صامتاً: "أرأيت شيئاً أم لا؟"
ظل فيروي يملي نظراته على قمم الأشجار الظاهرة فوق سور القصر لحظة، قبل أن يطلق زفيراً قوياً: "سنتعرض للغارة. وربما حتى الليلة".
"تباً!"، شتم هودان: "كيف ذلك؟"
"قبل شروق الشمس بفتة، رأيت أنا وشريكي في الاستطلاع رجلاً في الشمال الشرقي للقرية بين الأشجار هناك"، أبلغ فيروي: "إنه قبل ليلة المحاق بيوم واحد فقط، وتلك الهلالة الصغيرة بالكاد أعطت أي ضوء. لذا لم يكن الضوء ساطعاً بما يكفي لنعرف من يكون، لكن لا يمكن أبداً أن يكون أي قروي هناك بعد الإعلان عن احتمال وجود لصوص في الجوار".
"حتى إننا حاولنا القبض على اللص الوحيد"، تابع المرتزق السابق: "على أمل أن نحصل على كل المعلومات عن جماعته منه، لكننا حوصرنا من جانب آخر وأطلق أحدهم سهاماً نحونا. لم نُصب بأذى قبل أن نهرب، لكننا لم نتمكن من الإمساك بأي منهم أيضاً".
تنهد كيفاموس: "أنا مسرور فقط لأنكم بخير. إذن هناك لصوص هناك بالتأكيد... لكننا ما زلنا لا نعرف إن كانت هذه جماعة تورهان أم جماعة أخرى. يمكننا التعامل مع جماعة أصغر بكثير بسهولة أكبر".
هز فيروي رأسه: "لم تكن تلك المشاهدة الوحيدة. فقد رأى فريق الاستطلاع الآخر ثلاثة رجال في الجنوب الشرقي أيضاً. لم يطاردوهم لأنهم كانوا محاطين بأعداد أكبر، لكن ذلك يجعلهم خمسة لصوص على الأقل هناك. جماعة تورهان أكبر بكثير من ذلك، لكن لدي شعور سيء حيال هذا الأمر. أعتقد أنه هو".
"تباً لذلك اللعين"، لعن هودان: "آمل أن تجده أثناء الاستطلاع الليلة وتجهز عليه!".
هز كيفاموس رأسه فوراً: "لا، لا فائدة من الاستطلاع في الغابات بعد الآن. نحن نعلم يقينًا أن هناك لصوصاً يحيطون بالقرية الآن، لذا سنعرض حياة حراسنا للخطر فحسب. وسواء أكان تورهان أم جماعة أخرى، فلا بد أنهم رأوا أبراج مراقبتنا بحلول الآن، وسيتوقعون تمركز الرماة هناك، لذا من المستبعد أن يهاجموا خلال ساعات النهار حيث يمكن اصطيادهم بسهولة وهم يركضون عبر المسافة بين خط الأشجار وأسوار القرية. لكنهم سيكونون أكثر حذراً بكثير خلال الليل، لذا يمكن محاصرة كشافتنا وقتلهم بسهولة من قبلهم".
أخذ قائد الحراس مفتول العضلات نفساً عميقاً: "أنت على حق... ألا يجب ألا نسمح للقرويين بالخروج من أسوار القرية أيضاً إذن؟"
"ليس بعد"، أجاب كيفاموس بعد لحظة تفكير: "يذهب القرويون إلى مناجم الفحم في مجموعات تضم أكثر من مئة شخص، وما لا يقل عن ثلاثين حين يذهبون إلى المزارع. هؤلاء اللصوص هنا لنهب الذهب والطعام منا، لا لابادتنا. لذا لن يخاطروا بمهاجمة مثل هذه المجموعات الكبيرة. أما تورهان، فهو يريد الانتقام من الحراس، لذا فمن غير المرجح أن يقتل القرويين لهذا الغرض. بل على العكس، قد يرغب في اتخاذهم عبيداً، لكن تلك مجموعات كبيرة، ولن يفعل ذلك حتى يحاول شن هجوم علينا على الأقل".
أومأ فيروي: "ما زلنا لم نؤكد سوى خمسة لصوص هناك، لذا لا يمكنهم خطف مجموعات العمال الضخمة تلك، لكن إذا رأينا المزيد من اللصوص، فقد نضطر إلى إعادة النظر في الأمر".
"أنا أعلم"، وافق كيفاموس، "لكن لا يمكننا إيقاف تعدين الفحم، وبالتأكيد ليس زرع البذور ما لم يكن هناك خيار آخر".