رأَت عائلة السيد كيغير بأسْرها تتقدم نحوهما بخُطىً سريعة ومحياٍ طافحٍ بالبشر، وتقدّمت إلزي ومعها أخوها الصغير اللذان ما إن أبصراها وتيمي حتى طفقا يهرولان. غير أن التباساً غشّي بصر ميزي. لماذا؟ ولأيّ سبب عادوا؟ ألم يطووا أمرهما بالأمس القريب؟ إذن ما الذي أتاهم بها؟ لكن إلزي قلّصت المسافة وأسرعت نحوها تحضنها بقوة أوشكت أن تفقد ميزي توازنها لولا جهد جهيد.
قالت إلزي ودموعها تنفجر على كتف صديقتها المقرّبة: "بوسعك العودة معنا يا ميزي!"
التفتت ميزي يمنة ويسرة بدهشة لترى الطفلين الأصغر سنّاً يبكيان بدورهما وهما يتبادلان اللكمات في آنٍ معاً... ربما كانت تلك طريقتهما في التعبير عن مدى تعلق أحدهما بالآخر.
تراجعت إلزي خطوةً إلى الوراء لتتأمل وجهها وقالت: "يمكنك العيش معنا الآن! لقد سأل أبي ذا شأنٍ فوافق!"
رمشت ميزي مذهولة، وكان قلبها يخفق بعنف. أيعقل هذا؟ هل يتسنى لها ولتيمي العودة للعيش في كنفهم؟ ما كانت إلزي لتتخذ من الأمر هزلاً. التفتت إلى الخلف فرأت السيد كيغير وزوجته يبلغان المكان وأعيناهما تترقرقان بالدموع وابتسامات عريضة ترتسم على محيّاهم. أيبكون هم أيضاً؟ ولماذا؟ واقتربت أم إلزي فانحنت وجمعت الأطفال الأربعة في حضن دافئ وأجهشت بالبكاء بلا تكلف.
وبعد هنيهة التفتت إليها قائلة: "أنا آسفة يا ميزي! أنا آسفة كل الأسف لأننا سمحنا لكما بالرحيل عنا! فكري في مسامحتنا! لن أسمح بتكرار هذا أبداً!"
ما الذي يدور؟ عجزت ميزي عن تدبّر أمرها، غير أن عينيها خانتاها فانهمرتا بالدموع طوعاً لا كرهاً. أهو الحقيق؟ أم أن هذا حماس يقظة أم إنها استغرقت في النوم قرب الأرجوحة لتحلم؟
وبعد برهة نهضت أم إلزي ولا تزال تحتضنها وتيمي، فرمقتهما بالنظرة ذاتها التي تحنو بها على أولادها وقالت: "بإمكانكما الانضمام إلينا والعيش معنا الآن. كلاكما".
بدا أن عقل ميزي توقف عن العمل وعجزت عن التفكير السليم. أدرك قلبها كنه ما جاب الخاطر بينما أبى عقلها تصديقه. حاولت النطق فخانها صوتها هو الآخر. وطوال ذلك الوقت كانت إلزي تلتصق بها من جنبها، وتيمي ممسكاً بكفها. غصّ حلقها بعبرة، فابتلعتها لتستعيد صوتها.
همست قائلة: "أحقيقٌ... أحقيقٌ ما أقول؟ ألن تتركانا هنا؟"
عاودت أم إلزي البكاء، فانحنت لتضم الأطفال جميعاً مرة أخرى.
"نجلّ جلل الحق! واطمئني، لن أسمح برحيلكما عنا أبداً! كلاكما ولداي منذ اليوم".
حدقت فيها وفي تيمي ههنا للحظة وابتسمت بدموع تغيم في عينيها.
"لكما أب وأم منذ اليوم أيضاً".
رمشت ميزي لتبدد الغشاوة عن عينيها قليلاً ورمقت السيد كيغير الواقف جوارها يدعك عينيه. وما إن تنبّه إلى سؤال عينيها حتى ابتسم وأومأ برأسه. وهنا، استسلم عقل ميزي لكل مقاومة، فأجهشت بالبكاء جهاراً نهاراً وهي تعتصر أم إلزي بين ذراعيها. وما هي إلا لحظات حتى انضم إليها تيمي وبقية الأطفال في عناق جماعي آخر. لم تدرِ كم استغرق الأمر حتى هدأت روعهن جميعاً، لكنها مسحت عيناها أخيراً لترَ أم إلزي ـ لا بل أمها!
ـ تنظر إليهم بعطف. ثم التفتت إلى السيد كيغير ـ لا، بل إلى أبيها! ـ الذي أومأ لها. مسح عينيه هو الآخر ورمق الأطفال الأربعة بنظرة حانية لبرهة ثم ابتسم عرض شفتيه.
وقال: "هيا يا أطفال. لنعن إلى الديار!"
وأخذ بيد الصبيين بينما أمسكت أم إلزي ـ لا بل أمها! ـ بأيدي الفتيات، وطفقوا يمشون قاصدين بوابات مجمع البيوت الخشبية الطويلة. كان قلب ميزي ينبض بوجيب سريع. ومع إدراكها أن ما تعيشه ليس حلماً، إلا أن العجب أخذها لأن أحداً يكترث لأمر أيتامٍ مثلها لم يكن أحد يلتفت إليهم بنظرة ثانية فيما مضى، حتى وإن اشتد بهم الجوع أو ضاقت بهم السبل بلا مأوى. بيد أن الأمور بدت كأنها تتغير لصالحهم أخيراً، إذ لم يعودوا أيتاماً حقاً، أليس كذلك؟
بدا الأمر غريباً على نفسها وهي تفكر في ذلك، لكن ربما كانت الأمور الطيبة تحدث حقاً لمن هن على شَاكلتها وتيمي في هذه القرية... وحين اجتازوا البوابات وانعطفوا نحو القرية متوجهين إلى مسكنهم ـ إلى دارها ـ التفتت وراءها لتأمل المبنى الضخم، ولم تستطع منع دمعات جديدة من السقوط على خدّيها. لقد كان هذا المكان موطناً لها لأقل من ساعة، لكنه سيظل أبداً أحد أحب الأماكن إلى قلبها في القرية، أياً كانت البقعة التي ستقطنها.
فهنا وجدت أبويها الجديدين بعد كل شيء. ******* ~ كيفاموس ~ ~ قصر البارون ~ أمسى الوقت متأخراً من المساء، وقد انقضى يومان على اكتمال مجمع البيوت الخشبية الطويلة. وحسن الحظ أن عملية انتقال القرويين تمت أمس بلا حوادث تذكر. وظلت ثمة مناوشات طفيفة حول اختيار الأسرة، إلى جانب النزاع حول من سيفترش الأرض، لكن دوفاس استطاع تسوية الأمر بنفسه. كما نقلوا قدراً مناسباً من الحبوب والفحم إلى مخزن المجمع بوصفه سلفة من حصة الحبوب الأسبوعية التي يمنحونها للعمال.
وهذا يعني أنه باستثناء بضع حالات، فلن يضطروا لدفع حبوب إضافية لأولئك الذين تولوا أعمال النزل المؤقت بإيواء من لا مأوى لهم سابقاً. كما انخفضت كمية الطعام التي يتعين على الخادمات طهوها انخفاضاً ملحوظاً، وصارت وجبات أغلب الشيوخ والأطفال تُعد في مطبخ مجمع البيوت الخشبية منذ يوم أمس. وفي وقت سابق من اليوم، أنجز تانيوك وعدد من العمال بناء غرفة الحبس بمساعدة ناقلة الجذوع.
كانت غرفة بسيطة ومؤلفة من جذوع الأشجار، وفي نافذتها الوحيدة قضبان خشبية، مع وسيلة لإحكام إغلاق الأبواب من الخارج حتى لا يلوذ أي سجين بالفرار هذه المرة. ونأمل أن يوفق فيروي في كشف ملابسات مقتل سيجكيل قريباً، فلا تظل غرفة الحبس فارغة لفترة طويلة. أخذ نفساً عميقاً. كان إنجاز مجمع البيوت الخشبية بداية موفقة لكل أعمال البناء التي يبتغي إقامتها في القرية. لكنها مجرد بداية.
فلا يزال هناك الكثير ليُنجز. وإذ رمق الجالسين داخل قاعة القصر بابتسامة رضا تعلو وجوه الجميع، تذكر أمراً ما. كان يطمح لرؤية صفوف من المصانع تدور عجبتها في هذه القرية مستقبلاً، لكن ذلك لن يكتب له النجاح بتاتاً إذا كان جلّ العمال أميين. فحتى إن تعذر جعلهم بوعي خريج جامعي قابل للتوظيف على الأرض، فإن القرويين بحاجة ماسة لمعرفة الكثير مما يجهلونه الآن. التفت إلى الجالسين.
"دوفاس، لقد كنت أفكر في أمر منذ فترة، وأحسب أن الفرصة مواتية الآن لنشرع فيه".
"ما هو، يا سيّدي؟"
سถาม الماجوردومو. ورمقه غورسازو وفيروي بنظرات فضولية أيضاً.
"كم عدّ القرويين الذين يفكّون الخط هنا برأيك؟"
سأل كيفاموس. أطرق دوفاس يفكر هنيهة.
"لم أسأل كل قروي بنفسه عن هذا، لكني أزعم أنهم لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة ـ جلّهم من التجار وأصحاب المتاجر ـ ممن يملكون إلماماً بالقراءة والكتابة. وما عداهم فلعجزهم عن خط حروف أسمائهم".
تمتم كيفاموس: "هذا ما كنت أتوقعه في الغالب".
ثم رمق الحضور بنظرة شاملة.
"لكن هذا ما أود تغييره من الآن فصاعداً. أريد تأسيس مدرسة بدوام جزئي..."
وإذ لاحظ نظرات الحيرة على وجهي فيروي ودوفاس، استطرد موضحاً: "أعني مكاناً يُعلّم فيه الجميع أصول القراءة والكتابة داخل مجمع البيوت الخشبية. لم يكن الأمر ميسوراً في السابق، أما وقد صار لدينا مكان يتجمع فيه خلق كثير من القرويين، فستكون فرصة سانحة لنشر التعليم بينهم".
وأردف: "ولا أعني تعليم الصغار وحدهم. بل أريد للكبار أن يتعلموا أيضاً، مهما بلغ بهم العمر".
"ولكن... لماذا؟"
سأل دوفاس عاقداً حاجبيه.
"وما عسى القرويين أن يصنعوا بتلك المعرفة؟ أليس أجدر بهم استغلال ذلك الوقت في العمل والكسب لإعالة أسرهم؟ فليس يتعلم سوى أبناء النبلاء على أي حال. وأي منفعة لجوج من المعرفة يرجوها العامة؟ إنهم ليسوا بحاجة لفك الخط ليقطعوا شجرة أو يمارسوا أعمال الزراعة".
علّق فيروي قائلاً: "أنا أوافقه الرأي، يا سيدي".
ثم أضاف وهو ينخر بسخرية: "أنا شخصياً عاجز عن تمييز اسمي المكتوب عن آثار خدوش الدب على لحاء الفيداروس، لكن ذلك لم يمنعني من حز رقاب قطاع الطرق متى دعت الحاجة، أتعلم ذلك؟"
ثم استطرد باستهزاء: "ولماذا يختار أي كان التعلم؟ لعمري لن أطيق التحديق في رقّ ملعون لسيدة سماوية ساعات طوال ولو وقفت حياتي عليها!"
بقِي غورسازو صامتاً، لكنه رمق كيفاموس بنظرة عارفة ببواطن الأمور. ومع أن معلمه العجوز ظل شحيح المعرفة بالحياة على الأرض، إلا أنه كان يتوق دائماً لنهل المزيد منه، وكان كيفاموس لا ينفك يقصّ عليه حكايات عن العجائب التي يعدها الناس من المسلّمات على الأرض. وطالما أكد لغورسازو أن تزايد أعداد المتعلمين كان أحد المحركات الرئيسية لكل الاختراعات والتحسينات على كوكب الأرض.
ومما لا شك فيه أن النسبة الضئيلة للغاية من البشر هي التي اختلعت أغلب الأشياء مع بدايات الثورة الصناعية على الأرض، لكنك لا تدري قط من سيخرج من بين الركام ليكون ذلك العبقري. ولكي يتأتى حدث كهذا، فإنهم يحتاجون على الأقل إلى أبسط مقومات المعرفة والتعليم. وهذا عين ما يرمي إلى توفيره هنا. لذا تيقن أنه يستطيع الاعتماد على مؤازرة غورسازو في هذا المسعى يقيناً تاماً.
وأوضح قائلاً: "لا أريد لهذه القرية أن ترتهن لبيع الفحم وحده في المستقبل. إنه مصدر رزق غير مأمون البتة، ناهيك عن أنه زهيد الربح، إذا نظرنا إلى حال القرية حين وطئتها قدماي".
أومأ دوفاس برأسه عند سماعه بضعف عائدات مناجم الفحم. لم ينطق بكلمة.
تابع كيفاموس حديثه: "لدي الكثير من الخطط لتغيير هذا مستقبلاً. بعد أن ننجح في زراعة حبوبنا الخاصة بدءاً من العام القادم. لكنني سأحتاج من أجل ذلك إلى قوة عمل أفضل تعليماً بكثير. أو على الأقل ألا يكون العمال أميين تماماً".
لاحظ أن كبير الخدم ما زال يبدو غير مقتنع.
سأله: "قل لي يا دوفاس، كيف أصبحت كبير الخدم في هذا القصر؟"