قال هودان: "نحن مستعدّون للرحيل يا سيّدي. وطلب منّي الحرّاس أن أكرّر الشكر على معاطف الفرو التي منحتها إيّاها. ستكون بالغة الأهمّية لنا في هذه الرحلة، لا سيّما وأنّ تساقط الثلوج قد بدأ بالفعل".
لوّح كيفاموس بيده ممتنعاً، وهو يحدّق في الحرّاس.
"ليس الأمر شيئاً يُذكر. ومع أننا تمكّننا من توفير ملابس شتوية ملائمة لهؤلاء الحرّاس، ما زال يتعيّن علينا فعل شيء حيال البقيّة".
عاد بنظره إلى هودان.
"آمل أن تقتلوا بقية قطّاع الطرق وتعودوا بنجاح ومعكم المزيد من العمّال للقرية".
أومأ هودان برأسه، وبدأ يهرول نحو بقيّة الحرّاس، الذين كان معظمهم قد اعتلى صهوة جياده بالفعل. وأشار قائد الحرّاس بيده إشارةً إلى الجميع، ومع نقرةٍ على الأجنّة، بدأت الخيول تسير ببطء باتجاه البوابات.
تمتم دوفاس وهو يرفع بصره نحو السماء: "ليعنهم الملك".
وتحت الثلوج المتساقطة برفق، غادرت الخيول والحرّاس بوابات القصر واحداً تلو الآخر. وهكذا، دخلت خطّة إنقاذ حجّارين حيّز التنفيذ.
* * *
سأل كيفاموس دوفاس: "كم عدد الحرّاس لدينا إجمالاً الآن؟"
كانا قد عادا إلى الداخل وجلسا في قاعة القصر بعد تناولهما طعام الإفطار. ومع بدء تساقط الثلوج، آثر الجميع البقاء في الداخل ما لم تكن هناك ضرورة للخروج. وحتى لوسيم، الذي اعتاد الركض هنا وهناك بفضوله، كان جالسًا بهدوء قرب طاولة الطعام الطويلة بينما كانت سيرين تحاول شرح شيء له ولـ كلاريسا.
أجاب المدبّر: "كان لدينا اثنا عشر حرساً قبل وصولك، ثم استقطبت اثني عشر آخرين. والآن بعد أن عاد كالوبو، أصبح لدينا خمسة وعشرون حرساً. ولا يشمل ذلك هودان فيروي والمرأتين اللتين استأجرناهما كحارستين".
أومأ كيفاموس برأسه: "إذن باستثناء أولئك الذين غادروا في مهمة الإنقاذ، يتبقى لدينا هنا ثمانية عشر حرساً من الرجال. هذا لا يزال عدداً جيداً بما يكفي لنتمكن الآن من تحمّل إرسال المزيد منهم إلى خارج القرية".
سأل فيروي بفضول: "ما الذي يدور في ذهنك يا سيّدي؟"
وضع كيفاموس يده أقرب إلى المدفأة لتدفئتهما أكثر.
"كنت أفكر في وضع طعامنا عندما يعود هودان برفقة أولئك الحجّارين. أظن أنّه يجب أن نبدأ بإرسال جماعات صيد الآن. ومع أن الثلوج تسقط في الخارج بالفعل، فإن أي لحم يعودون به لن يفيدنا سوى في صالحنا".
وأضاف: "يجب أيضاً فعل شيء لتوفير ملابس أفضل للقرويين. وفي حين قد ينجون طوال الشتاء وهم يرتدون ما عليها، لا سيّما مع الفحم الذي نوفره لهم للتدفئة، إلّا أنني لا أريدهم هذا العام أن يستمروا في الارتجاف برداً كالشتاء السابق. لقد رغبت في إرسال عدد من الاستطلاعيين للبحث عن كرمات لوسوفيل في التلال الشرقية منذ فترة، وآمل أن يجدوا بعض الأغنام هناك، والتي يمكننا جلبها إلى القصر واستخدام صوفها لصنع بعض الملابس الدافئة".
علق غورسازو قائلاً: "مع أن محاولة جمع بعض الأغنام تبدو فكرة جيدة، إلا أن جزّ جلودها لا يتم عادةً إلا بعد الشتاء، حين تبلغ ذروة كثافتها. لذا لن يكون من الجيد جزّ صوفها في هذا الوقت حتى لو نجحنا في العثور على بعضها".
تمتم كيفاموس، إذ لم يخطر ذلك بباله: "هذا منطقي حقاً".
وتابع غورسازو: "مع أنني لست خبيراً في ذلك، إلا أنني أعتقد أيضاً أنها عملية معقدة، وتتضمن خطوات عديدة لصنع الملابس الصوفية".
حاول كيفاموس استرجاع عملية صنع الملابس ممّا قرأه في مكان ما على شبكة الإنترنت في الماضي.
"أنت محقّ. ممّا أتذكره، هناك بالفعل خطوات متعدّدة متورّطة في العملية؛ بدءاً من الحصول على صوفها، وتمشيطه وغزله ليصبح خيوطاً، ثم نسجه ليتحول إلى قماش، وأخيراً قصه وخياطته ليصير ملابس".
فجأة، لاحظ أن الجميع كان ينظر إليه بدهشة، باستثناء غورسازو الذي علت وجهه ابتسامة عارف.
سأل متردداً: "ماذا؟"
علّق فيروي بضحكة خفيفة: "أنا مندهش فحسب من أنك تعلم كل هذا القدر عن الخياطة... والغازل، كما تعلم؟ لم أظن قط أن نبيلاً سيلم بهذا القدر من المعرفة عن أمر عادة ما يُترك للعامة أمثالنا، وغالباً للنساء".
ومع أن كيفاموس قضى بالفعل وقتاً طويلاً في القراءة عن أمور عشوائية، إلا أن ذلك كان عبر الإنترنت لا في أي مكتبة هنا، لكنّ هذا التفسير سيكفيهم مجدداً. وتساءل أيضاً عمّا إذا كان هناك سبب لكونه قد نُقل إلى عقل وجسد شخص قضى وقتاً طويلاً بمفرده، على الرغم من أن أسباب كيفاموس الأصلي لقضاء الوقت في المكتبة لم تكن سوى الاختباء من إخوته.
ضحك قائلاً: "حسناً، أنتم تعلمون بالفعل أنني قضيت معظم وقتي في مكتبات قصر أولريغا. وإحدى حسنات ذلك هي أنني أعرف الكثير من المعارف الغامضة حول... أمور العامة".
ضحك دوفاس بدوره.
"أجل، لقد أخبرتنا عن ذلك من قبل، لكنه ما زال أمراً مدهشاً. وعادةً ما يقضي حتى أولئك الننبلاء الذين يحبون القراءة أوقاتهم في قراءة كتب عن الاستراتيجيات العسكرية أو تلك الأمور الرجولية".
وأضاف: "ليس الأمر أنني أمانع بالطبع، فعظامي العجوز تفضل بالتأكيد الحصول على ملابس أكثر دفئاً، لا سيّما إن صنعناها بأنفسنا، مما يعني أنها ستكون رخيصة للغاية، بدلاً من شرائها من مكان مثل سينران الذي يكلف الكثير. ومن المفترض أن تكون ليا قادرة على خياطتها أيضاً".
ذكّرهم كيفاموس: "حسناً، لنستبق الأمور. نحن لا نعلم حتى إن كنا سنتمكن من العثور على أي أغنام هناك. ولكن نعم، إن تمكنا حقاً من بدء تربية الأغنام في تيرانات، ومع افتراض قدرتنا على صنع ملابس صوفية عالية الجودة منها، يمكننا حتى بدء بيعها للتجار الزائرين، مما سيضيف مصدر دخل آخر لخزائننا".
قال دوفاس بنبرة متحمسة وهو يومئ: "تعجبني هذه الخطة! المزيد من الدخل مرحب به دائماً! خصوصاً وأن نفقاتنا ستتضاعف بجنون بعد الشتاء، حين يُرسل الكونت شخصاً ليطالبنا بالضرائب، ناهيك عن القمح الإضافي الذي سيتعين علينا شراؤه لإتمام البذر، إذ ستكون أسعارها مرتفعة للغاية في ذلك الوقت أيضاً".
قال كيفاموس: "هذا صحيح تماماً".
كان يعلم أن صناعة الملابس الصوفية، أو أساساً أي نوع من الملابس من المواد الخام مثل الصوف أو القطن، ستكون عملية طويلة ومعقدة، ولم يكن متأكداً إن كانوا يملكون المعرفة اللازمة لذلك هنا. لم يكن يظنّ بإمكانهم زراعة القطن هنا في هذا المناخ، لكن إن استطاع شراءه من مكان آخر بسعر رخيص، فسيكون لذلك نطاق أوسع بكثير للتصنيع والتصدير، مقارنة بالأشياء المصنوعة من الصوف. لقد اشترى بالفعل ما يكفي وزيادة من الرقّ والحبر من بيداسو، وأمامه الشتاء بأسره لتصميم تلك الآلات وجعلها تُبنى هنا.
لم يكن يتذكر التصميم الدقيق للآلات، لكنه قرأ ما يكفي على شبكة الإنترنت حول كيف بدأت الآلات الجديدة تُبتكر على الأرض لدرجة أن خلفيته في الهندسة الميكانيكية ستسمح له بتصميمها من الصفر هنا. وإن استطاع حقاً جعل النجار والحداد المحليين يصنعان مثل هذه الآلات؛ كمنسالة آلية، ومحلج قطن، وما إلى ذلك... فالإمكانيات بلا حدود. في الواقع، هكذا بدأت الثورة الصناعية الأولى على الأرض!
ومن يدري، إن تمكنوا حقاً من إنتاج مثل هذه الآلات هنا، فسوف يضاعفون إنتاجية العمّال بمعامل كبير لدرجة قد تطلق شرارة ثورة صناعية في هذا العالم أيضاً! لقد بدأ يتحمس بالفعل بمجرد التفكير في الأمر، ولم يعد يطيق الانتظار لبدأ رسم تصاميم تلك الآلات.
نظر إلى المدبّر: "على ذكر ذلك، لماذا لم يبحث أحد عن الأغنام هناك، في الماضي؟"
هزّ دوفاس كتفيه: "السبب ذاته لعدم بحثنا عن كرمات لوسوفيل بعيداً عن القرية. كما تعلم، كانت هذه المنطقة غير مكتشفة وغير مأهولة قبل تأسيس تيرانات، وقضى البارون السابق وقتاً أطول في سينران مع نبلاء آخرين مقارنة بما قضاه هنا. وكان هناك أيضاً حقيقة أنه حتى لو جلبنا بعض الأغنام إلى هنا، فلن نكون قادرين على صنع ملابس منها على أي حال، نظراً لأن جميع الأشخاص تقريباً الذين هاجروا إلى هنا كانوا عمال مناجم فحم في السابق، ولم نحصل على العديد من الحرفيين المهرة هنا".
وتابع بعد لحظة: "مع ذلك، كنت قد طلبت إذن البارون السابق للبحث عن الأغنام هنا، إذ كنت أعلم أن وجود تلك التلال والجبال في الشرق يعني بالتأكيد وجوب وجود العديد من الأغنام هناك، ويمكننا على الأقل بيع الصوف للتجار الزائرين. لكنه رفضني على الفور، قائلًا إنه لا يريد أن يجعل قصره يبدو أشبه ببلدة صفيح، لذا لم يسمح لنا بالاحتفاظ بحيوانات أكثر مما نحتاجه تماماً".
وأضاف: "هذا هو السبب ذاته الذي جعله يستعمل جدرانًا مزدوجة الألواح باهظة الثمن للغاية في القصر بدلاً من صنعها مباشرة من الجذوع، إذ لم يكن يريد لنبلاء آخرين أو أي زوار من سينران أن يظنوا أنه يعيش في كوخ؛ وكانت هذه كلماته بالحرف".
تنهّد كيفاموس.
"لقد أخبرتني بأنه لم يكن يرغب حقاً في أن يصبح بارون تيرانات، وأنه لم يأتِ إلى هنا إلا لأنه كان أمراً من الكونت. حسناً، دع الماضي يبقى في الماضي".
وأضاف: "مهما كانت أولويات البارون السابق، لا أريد ترك أي فرصة جيدة دون استكشافها هنا".
ردّ دوفاس بابتسامة عريضة: "وأنا ممتن لذلك يا سيّدي! أستطيع أن أرى بالفعل صندوقنا الحديدي يفيض بالذهب في المستقبل... ربما سيترتب علينا حتى شراء صندوق حديدي آخر في المستقبل!"
ضحك الجميع على تلك الرؤية الذهبية لبرهة. وحين هدأوا، نظر إليهم كيفاموس بجدية.
"حسناً. إذن أعتقد أن علينا البدء بمجموعتي صيد من اليوم، وحين يعود هودان مع بقية الحرّاس يمكننا إرسال المزيد منهم للصيد".
نظر إلى فيروي.
"لديك قدر لا باس به من الخبرة في العيش البرّي، فبرأيك ما الذي يجب أن تكون عليه تشكيلة جماعات الصيد؟"