لم يكن موت آرون معنيا بالتفاصيل بقدر عنايته بالعمليات. عمليات مثل سلب الجثة. لم يكن آرون ليصنعها، ليس بوجود شهود على الأقل...
قال سيّده الذي يمثّل موته: "خذ ما ينفعك. صار ملكك".
...لكن من أين له أن يردّ دعوة؟ أعتق كيس الجثة من حزامه بمعونة من سكينه. تطلّب الأمر محاولتين لقطع الحبل الجلدي. أكثر من المعتاد بواحدة. إن الحق يقال، لم تكن هذه ليلة عادية. لكان قد أخذ أكثر من مجرد الكيس لو كان الأمر بيديه: هذا السروال مثلاً، وربما القميص. لكن موت الصبي الآخر كانت له عيناها ذئب مطوء الذيل، فأبقى يديه لنفسه. كان الكيس هو الأهم.
سأل سيّده: "أتريذ سرواله؟"
فزع آرون مذنباً. أختبار؟ من طريقة رمق الموت الآخر له، تأكد أنه نوع من الاختبار، غير أن عيني موته الخاص لم تحمل سوى سؤال بسيط. الأجدر به الصدق.
"نعم يا سيّدي".
تمتم الموت الآخر ممرراً أصابعه الضارية في شعره: "اسرق حياته، اسرق سرواله، ومن أنا لأعترض".
أكد موت آرون: "ارتداء ملابس الصبي سيساعده على أداء الدور".
"أدركت النظرية، شكراً لك. واصل نبش القمامة؛ إنه لمتعة دائمة مشاهدة معلّم يؤدي عمله".
تجاهل آرون نبرة الموت الآخر الحادة وأخذ الرجل بكلمته. جذب السروال الجديد بأقل مقدمات. لم بدا مختلفاً كثيراً، غير أنه بدا ناعماً وصلباً على جلده. جديداً. لم تكن الرقع لستر الثقوب؛ كانت لبدو في هيئتها تلك. لتجعل من لا ينتمي يبدو كأنه ينتمي، لعين عابرة. لم يساور آرون أدنى شك في أن هذا الصبي كان يطأ أطرافاً أعمق مما يحق له.
سأل آرون: "من كان؟"
أجاب موته: "كان آرون".
ردّ آرون بجفاف، غير مكترث بجمهوره: "مع هذا العدد من آرون في المدينة، لا عجب أنهم وجدوا صعوبة في طعن الصحيح".
لم يبدُ أي من الرجلين مسروراً.
قال موته: "سأشرح هذا، وعليك الإنصات: آرون ميت. أترويني يا ماركوس؟"
سرى وخز على فروة رأسه. شيء يتجاوز هواء الليل، ويتجاوز نظرة مَيتين.
"أنا لست ماركوس".
أدار الموت الآخر خاتماً ذهبياً على إصبعه مراراً وتكراراً وتكراراً، في دوائر لا تنتهي: "أخشى أنك مخطئ. أنت ماركوس ين سونغ، المولود الثالث لدوق سونغ من الملاذات الثلاث. لقيط، لكنه معترف به".
"أه".
طأطأ آرون رأسه ناظراً إلى الصبي الذي في عمره، ويحمل وجهه.
"شخص مهم إذن".
"نعم. أنت كذلك".
طحن الموت الآخر الكلمات بين أسنانه. وما زال خاتمه الذهبي يدور.
"حسن. ماذا كنت أفعل خارجاً في منتصف الليل، مرتدياً ثياب جرذ، بعيداً جداً عن فراش الدوق الصغير؟"
لم يردّ موت ماركوس فوراً. بل رمق آرون طويلاً وصارماً وبشيء من قلب مكسور.
"لا يمكنني العمل مع هذا الجاحد. واصل وحدك؛ ستفشل، لكن كل شيء قد فشل مسبقاً، لذا يستحيل أن يكون خيبتي تامة أكثر من ذلك. طاب مساؤك".
بأنفة فيها شبهة استشهاد، اختفى الرجل ببساطة. وبقي آرون بموت واحد ينسب إليه وصمت في الشارع. نظر إلى الجثة. الصبي. ماركوس. لم يسمع آرون عن الملاذات الثلاث إلا عرضاً؛ إحدى مدن القلاع على حدودهم الجنوبية النزيهة. وسونغ، ذاك اسم قديم. اسم نبيل دموي. امتد الصمت. فكسره بأفضل طريقة عرفها.
"هل يمكنني أخذ قميصه أيضاً؟"
أجاب موته بحس هادئ يوافق هواه: "سيثير الدم أسئلة أكثر من اللزوم".
"لم يجف بعد؛ يمكنني غسله. إنه قميص جيد".
أكانت تلك ابتسامة تختلج هناك في زاوية فم الشكل؟
"اتركه. أمامك مكان لترتاده".
"أين؟"
"القلعة، يا ماركوس. حان وقت أن تجد عملاً جديداً".
سأل آرون: "ما الخطة؟ ألا تتوقع حقاً أن أحل محل نبيل، ودون أن يشعر أحد؟"
ساوره شعور سيء بأنه لو كان الموت الآخر لا يزال هنا، لكتفا متفقين في هذا الأمر. ركع موته ولمس جبهة ماركوس برفق.
"كم تعرف عنا؟"
تحرك آرون. دس يديه في جيبيه الجديدتين، يعبث ببربارة جيب صبي ميت.
"توجد قصص. حكايات الممالك القديمة وحدها. يأتي الموت حين يموت المرء ليقوده إلى حياته التالية. أحياناً يحاول الجيران الأخيار الإمساك من شاكلتك ليروا كنه الموت. لست متأكداً من أنني سمعت بوجود أكثر من واحد منكم، لكن أظن الأمر هكذا. أمم. أيمكن لمن هم على فراش الموت رؤيتكم؟"
"صحيح، إلى الرمق الأخير".
"إذن لماذا أستطيع؟"
"لا تستطيع".
التقى موته بعينيه. رمادي برمادي، كاشتباك سحب العاصفة لصنع البرق.
"لا تستطيع رؤيتنا ولا سماعنا. نحن لسنا هنا. أأنا واضح؟"
لو كان موته صديقاً، لقال آرون نكتة في ذلك. ماذا قلتَ؟ أو، أيهذر أحد؟ ابتلع الكلمات. كان موته متعاوناً حقاً، لكن آرون لن يبلغ به التمادي ليدعوه صديقاً.
"تماماً. إن رأيت أحداً منكم ثانية، فلن أفصح عن الأمر. ولكن لماذا؟"
"إنها قصة قديمة، ولا صلة لها بنجاتك في المستقبل القريب. عليك الآن الذهاب إلى القلعة، وعليك إيجاد عمل هناك. حيث يتوقع زملاؤنا وجود ماركوس".
"وإن لم تفعل؟"
بدا في عيني موته شيء قاسٍ. نهض الرجل. لم يكد يفوق آرون إلا ببوصة أو بوصتين، غير أن لثقله هيبة تجعل الطول بلا معنى.
"عرفت رجلاً مرة. أظنها عبارة راقت له".
حضرت الكلمات بذهنه بلسان ظن أنه خلفه وراءه. جرب ذلك. وانظر كيف ستؤول أمورك. ابتلع آرون ريقه بغصة.
"حسناً إذن. القلعة إذن. أي عمل أستهدف؟"
"لا أدري".
"أعتذر إن أسأت إليك يا سيّدي. لم أكن—لم أكن أنوي عصيانك. كان سؤالاً فحسب. إن أخبرتني—"
قال موته: "لا أدري، لأنني موت آرون، لا موت ماركوس. أعلم أن ماركوس يظفر بعمل في القلعة وما شابه ذلك من خطوط عريضة. ولو تقاطعت حياة آرون مع ماركوس، لَفصّلتُ لك كل لحظة من لقائهما. أما هذا"، وأشار إلى الصبي على الأرض، "فهو أقصى ما بلغتماه من لقاء في هذه الليلة. آرون ميت. في الربيع، سيوُلد باسمه الجديد. ليس لدَي علم مباشر بالوقت بين الآن وحينها. وحتى ذلك الحين، لا يزال ممكناً عكس ترتيبنا. إن لم تصلح كبديل ملائم فسنرد ماركوس إلى حيث ينتمي. أأنا واضح؟"
"نعم يا سيّدي. مع كل الاحترام الواجب يا سيّدي"، كيف لي أن أنفذ هذا، "كيف سأعرف ما ينبغي فعله؟"
أطلق موته زفرة. وهو ما بدا لآرون غريباً بعض الشيء، نظراً لأنه لم يلحظ الرجل يتنفس قط.
"مهما قال، فإن وصيك الجديد... متطلب، بمقاييسنا. لم يبتعد عن محروساته منذ قرون، وأشك في أنه سيبدأ الآن. أظن أنك ستسمع منه قريبا".
خاطر آرون بسؤال أخير.
"لماذا تساعدني؟ لماذا لا تفعل ما أراده الموت الآخر؟"
تلك كانت ابتسامة ولا شك في ذلك، مهما سرعان ما تلاشت.
"أظنني متطلب أيضاً، أنت لم تمت؛ وأود رؤية ما ستصنعه بهذه الفرصة. المفاجأة أمر نادر في مهنتنا. الآن. الأجدر بك الذهاب، قبل أن يحسبك الحراس شبيهاً".
تفرست عينا آرون الصبي، مرة أخيرة. صبي بوجهه، وسكين طازجة في ظهره. الأشباه وحوش أرادت تجربة صيرورة بشرية. سرقوا وجه رجل، واستولوا على حياته. أهذا ما صار إليه الآن؟ شبهاً بشرياً؟ مع ذلك. لم يمت آرون. إن توجب عليه بلوغ الربيع للحفاظ على تلك الهبة، فسيبلغ الربيع.
قال موته: "اذهب إلى القلعة. سأراك قريباً".
يا لهما من كلمتين مطمئنتين.