لسان الغزال وعظم كيرين الفصل 109 — الديار

اقرأ لسان الغزال وعظم كيرين الفصل 109 — الديار باللغة العربية على مانجا تايم.

كان المطبخ دافئاً، ونوافذ القصر مفتوحة على مصراعيها، وبدا أن أحد هذين الأمرين يبعث على الراحة والأمان بينما لا يفعل الآخر. لم يكد آرون يعير الأمر التفاتاً، حين لم يكن قد رأى من العالم سوى الهضبة، متخيلاً أن سكان المدن يفضلون النوافذ الكبيرة ببساطة. لكنها أصبحت شائعة بعد إبرام ميثاق التنين. ميزة العيش في الداخل، خلف أسوار المدينة والجبال والاتفاقات القديمة، حين هجر أهل المدن توكينز ليسكنوا مكاناً لا يتقي الهجمات القادمة من الأعلى.

ظل عرف الملح والحصن الواقع في الجيب متمسكين بفتحات السهام. أو بعبارة أخرى: حين جلس آرون في مطبخ القصر، جلس وظهره مسند إلى جدار. وإذا صادف أن ضمّ ذلك الجدار فرناً، تنبعث منه روائح طهي شهية، فذاك أفضل بلا شك.

قال آرون ماداً يده بغلاف يخلو من أي علامات: "رسالة لك".

لم يكن مفترضاً أن يسلمها سواه. لم يكن آرون متأكدماً مما إذا كان لا يزال ساعي رسائل، لكن بقيت لديه رسيلتان لتسليمهما على أي حال. تلقى جوناثان بيكر الرسالة بمظهر من يرغب في تمزيقها فوراً، لكن أموراً طفيفة كعدم الإجادة القراءة حالت بينه وبين ذلك. وربما لأن محتواها لا يناسب سوى عينيه وحدهما.

سأل آرون: "أما زلت ذاهباً إلى البيت؟"

أجاب الفتى وهو يدس الرسالة: "يُمنع أهالي الجيوب من السفر. لمصلحتنا بالطبع، يا لها من مفاجأة. مع ذلك، أخذت إجازتي بالفعل، لذا من الأفضل أن أستغلها. يا للأسف لست حطاباً. فهم مواطنون حقيقيون ولا أحد يمنعهم".

حقائق صادقة. لكن كانت لها دلالات مثيرة للاهتمام تخص ذلك الحجز في القافلة الذي دفعه جون قبل أسابيع، والاسم الذي نوى السفر تحته. لأنه وسط كل تلك الكلمات الأخرى، لم يسمع آرون كلمة لا مطلقاً. وكان هناك الكثير من الحطابين الشقر تماماً كأهل الجيوب.

قال جون وهو يسحب صينية معجنات من الفرن: "هذه آخر شيئ أصنعه هنا".

سأل آرون بينما كان الفتى يحول جسده بين يد آرون والصينية: "أيمكنني أخذ بعضها؟"

"هذه طلبية خاصة. وإياك أن تسقطها أرضاً، سأرميها بنفسي إن فعلت ذلك".

لم تستطع نظرات آرون العميقة أن تغير رأي الفتى، إذ نقل المعجنات إلى طبق فاخر للتقديم.

سأل جون: "لا أظنك سألت الأميرة إن كان بإمكاني استعارة كتابك ذاك خلال إجازتي؟"

قال آرون: "فيما يخص ذلك. كنت أتساءل. أي ناسخ وثقت به لقراءة وكتابة رسائل ليس مفترضاً بساعي رسائل حملها؟ أخوك يقرأ. وأمك تكتب. وأنت لست غبياً بالقدر الذي يظنه ذلك المعلم في هيلاند".

حدق فيه جون مطولاً. ثم ابتسم، بابتسامته العذبة المعتادة.

"أهالي الجيوب الأغبياء يسمعون أكثر من الأذكياء".

"إن لم تكن تريدها لممارسة القراءة، فلماذا تريدها إذن؟"

قال الفتى: "يا آرون. يا آرون. تلك طبعة ثانية، المصدر الأصلي لحكايات المملكة، وقد أمضيت أشهرًا أراقبتك تتذمر من أن زخرفتها الكاملة تجعل قراءتها أصعب فقط. إنها جميلة وضائعة معك وأود تأمل كل صفحة من صفحاتها. أرجوك".

قال آرون، الذي لم يكن يحاول حتى ادعاء فهم ذلك: "...يمكنني تركها هنا ريثما أحضر الاجتماع".

لكن الكتاب كان مستقراً بالفعل في حقيبة رسائله، لذا لم يكن عناءً يذكر أن يتركه مع شخص يقدره بينما يمضي لمشاهدة الانحناء لجلالته.

"فقط اتركها هنا حين تغادر".

قال جون: "أنت صديق جيد. أنا آسف لكوني لم أكن أفضل".

"لدينا كلينا الوقت لنصبح أفضل الآن".

أجاب الفتى مبتسماً: "يسعدني ذلك".

التقط آرون بعض المعجنات في طريقه للخروج. كان أمراً يتوقعه أصدقاؤه منه دائماً.

* * *

كان تسليمه الثاني إلى كونور: حزمة صغيرة مرتبة، من أخ لم يكن متأكدًا مما إذا كان سيرافقهما إلى البيت أم لا.

قال الأمير: "ثمانية فقط؟ لقد كتبت له عشرة".

رد آرون: "يمكنك التذمر إليه مباشرة إذن".

كانت تلك ميزة يمتلكها الفتى الآن بعد أن عاد أخوه إلى البيت.

"هل رأيته بعد؟"

"أجل".

بدت ابتسامة كونور رقيقة.

"قال إننا سنتحدث أكثر بعد الاجتماع. لكنه بدا بحال جيدة".

وافقه آرون: "لقد كان كذلك. أذاهب أنت؟"

قال سمو الأمير: "إلى أول اجتماع طوال الربيع يسمح لي بتجاوزه؟ قطعا لا. لن يفعلوا شيئاً في هذا الاجتماع أصلاً. سيكون مجرد ساعات من التذلل، وسيتعين عليه أن يبدو لطيفاً وهو يسامحهم، ثم سنظن جميعاً أنهم لم يكونوا يحاولون تتويجي بينما كان غائباً. سيكون الأمر مزعجاً بما يكفي في كل اجتماع بعد هذا؛ لست بحاجة لحضور كل تلك الركوع وأداء قسم الولاء".

ذات الشيء الذي كان سيفعلوه لأجل كونور، لو انتهت الأمور بشكل مختلف. كلا، لم يتخيل آرون أن الفتى أراد حضور ذلك. ليس حتى—وليس إلا—إن حان وقته هو لاعتلاء العرش. كان اليوم مخصصاً فقط لجعل أولئك الموجودين في الداخل يعترفون بأورين ملكاً لهم. أمر سيسعد آرون بتجاوزه أيضاً.

* * *

كانت أول مهمّة لأورين هي الدعوة إلى اجتماع لكلّ مَن يلزم لتبرئة ساحته رسمياً. أُرسلت الأوامر قبل أن يطأ آرون وشقيقته عتبة القلعة حتّى. ونظراً لأنّ أعداداً غفيرة من هؤلاء الأشخاص كانوا في أماكن أخرى من المدينة عندما عاد جلالته مُظفّراً، فقد تأخّر الاجتماع الفعليّ بعض الشيء. كان آرون يتفقد الردهة أثناء أداء مهامّ توصيل التوريدات. والآن، وبعد أن حشدت أعداد لا بأس بها من الناس حول أبواب قاعة المجلس، عزم أخيراً على الذهاب إلى هناك.

تجاوز قائد الحرس وممثّل التاجر المُدجّج بالدّروع، وأومأ برأسه لاوكلان وروس التي كانت الأميرة تنتظر بكلّ ما تليق به من مهابة — ومع قدر غير يسير من الحماس المكتوم بالكاد — اجتماعها الأوّل على الإطلاق، ومضى يقف إلى جانب جلالة الملك مع بقية أعضاء المجلس. لم يكن جلالته قد دخل بعد، ولهذا لم يدخلوا هم أيضاً؛ بل اصطفّوا على جانبي الباب كحرس الشرف. أمّا لجنة التحقيق، فقد أُشير لها بالدخول مُسبقاً.

وكان أورين يحرص على تحيّة كلّ فرد منهم عند الباب، كما لو كان يتفقّد قائمةً في ذهنه. كان الاجتماع مفتوحاً من الناحية الفنية. لكنّ ملكهم بدا ضجراً بوضوح من استعراض حياته الخاصة، فرفض إصدار إعلان يعمّ المدينة. واقتصر شهود هذا الفصل التاريخي الخاصّ على بعض رفقائهم من مسافري القوافل، المتفرّقين في المدرّجات. وقفت يشينكرا حارسةً للباب، بطبيعة الحال. ورغم أنّ ملامحها لم تبدُ متوعدةً بالقدر الذي بدت فيه شامتةً، وهي ترمق أولئك الذين سعوا باجتهاد أكبر لموت جلالة الملك واقفين كالمُتظلّمين على أرضية عظم الكيرين.

قال آرون باستحسان: "وضاعة".

سأل أورين، وكأنّه لا يزال غير معتاد على طريقة كلام آرون بطريقة ما: "عفواً؟".

قال آرون: "لم تجلب كراسي إضافية. والجميع يظنّ أنّ هذا الاجتماع سيطول".

ابتسم الملك ابتسامةً خفيفة وقال: "ليس إلى تلك الدرجات. لكنّه ينبغي أن يكون مُرضياً، على الأقلّ".

سأل آرون، نظراً لأنّ في جيبهِ معجناتٍ، وخلوّاً تامّاً ممّن يُحاول تحليتها: "أين السيدة؟".

قال أورين: "معذورة. وجود الساهرة المتأخرة لدعمي هنا ليس ما أحتاجه".

أمر منطقي. كانت أدلايد داخل القاعة بالفعل برفقة أعضاء اللّجنة الآخرين. فقد شهدت على تسميم جلالة الملك، ونصف لجنة التحقيق تابع لها؛ والكلمة التي جاؤوا ليستمعوا إليها هي كلمتها، لا كلمة خاطف جلود.

سأل آرون، وهو دائم الأمل: "لا أظنّ أنّه يمكن إعفائي أنا أيضاً؟".

أطال أورين النظر إليه.

"أستعلن دعمك للمستنسخين؟".

"بالتأكيد. على سبيل المثال: أتعلم ما الذي سيكون مفيداً لمملكتنا؟ تلك التنانين القادمة من الساحل".

قال أورين: "نظرتَ إلى وضعنا، وقررتَ أنّ أفضل إضافة هي المزيد من التنانين؟".

"إنّها هنا بالفعل. من الأفضل أن تكون هنا كأصدقاء".

قال جلالته، وكأنّ الأمر لم يستوعبه إلا الآن: "أحقّاً لا يزعجك الأمر؟".

قالت يشينكرا من موضع حراستها للباب والتصصّت العرضي: "ومتى أزعجه قط؟".

نظر إليها أورين. فرمقته بنظرة من فوق كتفها، وردّت بهزّة كتف. أطلق نفساً طويلاً، وأعاد بصره إلى آرون.

"حسناً؛ أنت معذور. لكنّني أترقب حضورك في المرة القادمة. فحينها تبدأ المناقشات الحقيقية".

قال آرون: "في يوم ما سأجعلك تطردني من هذا المجلس تماماً".

أجاب جلالة الملك بتهكّم: "يبدو أنَّ اليوم ليس ذلك اليوم".

رمق آرون الرجل نظرةً أخيرة، جانباً المزاح جانباً.

"أمتأكدٌ أنك لا تريدني هناك؟".

"أنا متأكدٌ من أنك ستجلب من المتاعب أكثر مما أتحمل في هذا الاجتماع بالذات".

أومأ آرون للرجل. وأطلق زفرةً.

"حسناً. بالمناسبة، إن عثرتم عليَّ ميتاً، فالسيدة هي من فعلت ذلك يقيناً".

أطلق جلالة الملك ضحكةً قصيرة، وكأنّ الأمر نكتة. كانت أدلايد قد ابتعدت عن أولئك الذين في الداخل؛ فأدركت ذراع آرون حين استدار مغادراً، وجذبته قليلاً بعيداً عن البقّة. ثم فاتحته بالموضوع الذي طالما تفادته في الطريق.

"آرون. أبي— والدنا..."

اليوم سيكون مخصصاً للملك، لا الدوق. لكنّ الرجل ما زال محبوساً تحت القلعة، بتهمة قتل يمكن لشهادة آرون أن تساعد في تبرئته منها.

قالت أدلايد: "ليس عليه أن يموت".

لم تقل شقيقته أرجوك. بل اكتفت بتثبيت نظراتها عليه. كان الدوق سونغ معارضاً لوجود مستنسخ كملك لدرجة أنّه أبدى استعداداً للموت هو وحاشيته لكشف أمر أورين بالاستناد إلى هذا الاحتمال. وهو ما لم يبشر بالخير إزاء آرائه حول دمج المستنسخين في مجتمعهم بشكل عام. صحيح أنّه لا يجب على الرجل أن يموت، نعم. لكنّه قد يحتاج إلى ذلك.

وعدها آرون: "سنتحدث لاحقاً".

في ممرّ القاعة الخلفي، تفضّل جلالة الملك بالدخول أخيراً. تنحّت لجنة التحقيق جانباً لتفسح المجال له ولمجلسه؛ فقد عرض ذراعه على الأميرة روس، وقادها إلى ما كان مقعد السيدة وايت. لم يكن الأمر بذاك التأثير القوي الذي كان سيخلفه المقعد الفارغ لولي العهد. لكنّه كان أقرب ما يمكنها بلوغه، بالمعنى الحرفيّ تماماً، وكانت تبتسم ببريق طاغٍ لأخيها وهي تقبله. وبات بإمكان الجميع رؤية مدى سعادتها، ذلك أنّه بينما وضعت وشاحاً في شعرها لحظة عودتها إلى القلعة، فإنّها لم تغطّ وجهها.

توقف آرون لبرهة ليتبادل ابتسامةً خفيفة مع لاوكلان، إذ اتخذ الأخير موقعه في الباب مقابل يشينكرا؛ ثم غادر حقّاً. لا يزال لديه تلك المعجنات، واجتماع من نوع أقلّ رسميّة بكثير لحضوره. مرّ بقائد الحرس والتاجر المُدجّج بالدّروع مجدداً في طريقه. وكان الاثنان مُستغرقين في حديثهما لدرجة أنّهما لم يلاحظا دخول بقية أعضاء المجلس.

قال التاجر، وهو رافيرتي، ممّا بثّ في نفس آرون نقيض الثقة تماماً: "أرجوك ألا تفعل سوى أن تثق بي؟".

فردّ قائد الحرس: "لا، إن كان «ثق بي» هو أفضل ما تمتلكه".

وهو ما لم يثق به آرون أيضاً من منطلق المبدأ، ويزداد عدم ثقته به كلما تذكر حديثاً دار بين هذين الاثنين في هذه القاعة بالذات، في ليلة كان يهرب فيها من الزنزانة. كانت المنسوجات المعلقة على الجدار كما كانت في السابق، رغم أنّ النوافذ المزخرفة بالزجاج الملوّن قبالتها كانت تلقي أطيافاً أدفأ ممّا فعلت تحت ضوء القمر، وعلى الجدران في الغالب. كيرين وغريفين، تنانين وكيلبي، كلها تعلقت في المساحات المُظلمة بين أحزمة الشمس المُلوّنة.

خطا آرون خطوة متجاوزاً المتآمرين الاثنين. ثم استدار. نظراً لأنّ هذا وضح النهار، في قلعة بات يعيش فيها الآن، وإن وُجّه النداء لرجال المعاطف الحمراء فلن يكون هو من يُحبس هذه المرة.

سألهم ببشاشة تامة: "أهناك شيء ينبغي لبقية مجلس جلالة الملك معرفته؟".

ردّ قائد الحرس: "أتصور ذلك، نظراً لأنّني أودّ معرفته أيضاً".

قال المستشار رافيرتي: "لاحقاً".

وكان هذا جلّ ما حصلا عليه منه قبل أن يغادر. لم يتوجه إلى قاعة المجلس؛ طرف آخر مُعفىً من إجراءات اليوم، سواء بأمر الملك أو من تلقاء نفسه. راقبته قائد الحرس وهو يغادر، وقد غدت شفتاه خطّاً دقيقاً. ثم رمقت آرون بنظرة جانبية متفرّسة.

"كان حفيدي يسأل عن أسرع الطرق إلى الجنوب. لأربعة أو ثلاثة، مسافرين بلا قافلة. أأنت من أثرت ذلك؟".

سأل آرون: "أأنا؟ أنا مستشار محترم".

قالت: "أفضل أصدقائي كان قطّاً. لا أعلم ما أنت، لكنك تفيده".

وهي نهاية لم يتوقعها لتلك الجملة. مدّت العجوز يدها لتضعها على كتفه، ببطء يكفي ليتنحّى جانباً إن شعر بالحاجة إلى ذلك. كانت هناك صلابة في قبضتها، وعضلات صلبة كمفتل الحبل تحت كمّها. كانت عجوزاً بالطريقة التي تكون بها الشجرة عجوزاً، أو الصخرة: لم تفعل عوامل التعرية سوى تجريدها من ضعفها.

فنصحته قائلةً: "لو كنت مكانك، لما أذيته".

لقد غرق صديق تلك العجوز في البلاط. وخلّفت وراءها ملكاً مُشوّهاً في فراشه بأسلوب عجزوا حتّى الآن عن إثبات أنّه لم يكن هجوم وحش ما. لم يهتم آرون لمعرفة ما سيحلّ بالأحمق الذي يؤذي حفيدها.

فأكد لها آرون: "باعتباري أنا، فلن أؤذيه أيضاً".

ربتت عليه بحنوّ جدّة حقيقية؛ ثم استدارت في الاتجاه المععکس لرافيرتي، ومضت تبحث عن مقعدها على مائدة مجلس جلالة الملك. لودّ لو كان ذلك أخطر محادثة في اليوم. ويا للأسف، كان لا يزال عليه توصيل تلك المعجنات. طرق آرون باب السيدة. ففتحتْه. كانت ترتدّي ثوبها الأزرق مجدداً؛ وكان موتها، بالثوب ذاته، يتلصّص هنا وهناك في غرف السيدة ويداهما متشابكتان خلف ظهرها، كطفل مُنع من اللمس.

سألت السيدة وهي تسكب لنفسها كوباً من الشاي: "وبأيّ شيء أستحقّ هذه الزيارة، في وقت ذهب فيه كلّ شاهد مُعتبر مع ملكنا؟".

أنزلت كوباً آخر من على الرفّ —فتنحى موتها جانباً لإتاحة المجال— وسكبت كوباً ثانياً له. ثم جلس اثنان منهما إلى طاولتها المستديرة، في النسيم العليل من أبواب شرفتها المفتوحة، بينما كانت ترتشف بينما هو لا يفعل.

مدّ آرون معجناته على منديلها وقال: "أحضَرتُ تلك التي تفضلينها".

فقالت: "يا للغرابة، وكذلك أنا".

كان طبق التقديم الذي ملأه جون مستقراً على طاولتها، وفيه عدد أقلّ ممّا رأاه آخر مرة. التقطت واحدة وأخذت قضمة متعمّدة، مُثبّدةً نظرتها عليه.

وجدت نفسي مجبراً على إضافة: "ليست مسمومة. لستُ أحاول قتلك. هذه المرة".

أخذت السيدة قضمةً أخرى. وارتشفت شايها مجدداً. ولم تقطع التواصل البصريّ، حتّى عندما وضع آرون معجناته الخاصة. لم تكن مسمومة حقّاً. كانت هدية سلام؛ وما أحضره من سكاكين لم يكن سوى احتياط تحسّباً لسير الأمور في الاتجاه الخاطئ. ومع العلم، تماماً كما مع قائد الحرس والتاجر من قبل، أنّ هذا بيته الآن، وأنّه ليس بالرجل الذي يُسهى عن اختفائه بتلك البساطة. كانت لدى السيدة من الأسرار ما يحتاج إلى الحماية أكثر ممّا لديه.

أخذ آرون قضمة متعمّدة من إحدى معجناته. المعجنات التي لم يسمّمها على وجه التأكد. وكجلّ ما يصنعه جون، فالشيء الوحيد الذي يمكن تذوقه بصدق هو السكر.

فقال: "إذن، الساهرة المتأخرة لديها مستنسخون. لماذا أردتِ مني معرفة ذلك؟".

قالت: "يمكننا التحدث في ذلك، أو يمكننا الحديث عن أمور لا تعرف إجابتها بالفعل".

كان موتها قد هائم على وجهه. فقد انحنت لتنظر تحت الطاولة؛

ومع هتاف خفيف «هاه»، استقامت مجددا.

غامر آرون برمقة حارقة نحو اتجاهها المُشتّت للانتباه للغاية. رفعت يديها، وانصرفت إلى الشرفة. وفي غضون ذلك، اعتبرت السيدة صمته إجابةً بحد ذاتها.

قالت: "هناك أمر يُزعجني منذ قدومك الأول، آرون"

—وأدرك حينها أنها لم تكن تستخدمه لاسمه، بل كاسم— "كيف علمتَ أنّ اسم الفتى الميت هو آرون؟ كنت قد بدأتَ استخدامه بالفعل بحين تحدثنا. وهو ما يوحي بأمور مُثيرة للاهتمام للغاية، بغض النظر عن الجهة التي أنظر منها. كيف ينبغي لي أن أنظر إليك؟".

أخذ آرون قضمة أخرى من المعجنة.

"أمتأكدةٌ أنتِ من رغبتك في الإجابات من كائن مملّ مثلي؟".

قالت كاستنتاج نهائي، رغم أنّه لم يكن غير متوقع: "آرون".

فأجاب: "أديجونجا".

كان للأسماء سطوة. لم تكن من النوع الذي يمكنه استخدامها، لكن ثقلها ظلّ مُعلّقاً بينهما على أية حال.

سألها آرون: "ما هو هدفك الحقيقي؟".

قالت مع رشفة أخرى، وبعد تطهير طفيف لحلقها: "إنقاذ البشرية".

"هذا كلّ شيء؟".

"بالتأكيد لا. لا يقتصر الأمر قطّ على ذلك؛ الأشياء المملة وحدها هي ما لها سبب واحد لكلّ فعل. وأنت قد أصبحت أكثر إثارة للاهتمام بكثير، منذ أن أدركتَ أنّ كهفك الصغير لم يكن العالم بأسره. حتى لو كنت لا تزال تفكر بالطريقة ذاتها".

"كيف عرفتِ أمري أصلاً؟ ولماذا عرفتِ أمري؟".

لَوّحت بيدها، كأنّ معرفة وجه زعيم الروح اللطيفة أمر هين بالنسبة لابنة العلية. الملك في ملكين، في الوقت الذي كان الرجل حيّاً فيه.

"ليس صعباً زرع جاسوس في المُدون، حين يكون الاختبار الوحيد الذي تطلبه منهم هو معرفة ما إذا كانوا قد استُنسخوا أم لا".

وكانت الساهرة المتأخرة، بعد كل شيء، تعجّ بالمستنسخين. فأيّ من معارفه، أصدقائه أو أعدائه، كان تابعاً لها؟

تابعت قائلةً: "أخبرني أحدهم ذات مرة أنّ الولادة هي كلّ ما يُمنح لنا. وكلّ ما عدا ذلك يجب أن ننتزعه، وهناك عالم بأسره سبقنا إليه. كهفك الصغير، هذه الجزيرة الصغيرة؛ لقد حان الوقت لنتوقف عن كوننا مملّين. سنحصل لمستنسخيك على حقوقهم، نعم. ماذا يأتي بعد ذلك، آرون؟ ما هدفك؟ إلى أين ينتهي بك المطاف؟".

لقد كان أمراً هائلاً بالفعل؛ فلماذا يتوجب وجود تالٍ؟ لكن بطبيعة الحال كان هناك ما هو تالٍ، خارج كهفه الصغير. نظراً لوجود أهل التجمعات السكنية لتحالفات حقيقية معهم، ومظالم ملّاحي الملح بعد سنوات من حرب بدأها الملك الهالك لأجلهم، وتنانين المستنسخين —سواء البشر الذين لم يرغبوا في ذلك، أو الأطفال حديثي الفقس الذين قدموا متوقعين الميثاق الذي وعدتهم به ذكريات بيضاتهم فوجدوا الخيانة بدلاً من ذلك.

وحين يتم ترطيب كلّ أولئك بطريقة ما، فسيكون هناك الشيء التالي، والذي يليه.

سأل آرون: "أيّ نهاية؟".

فابتسمتْ، كأنّ تلك هي الإجابة الصحيحة. وانتظرتْ.

أدرك آرون: "القارة. أنت تتحدثين عن القارّة. أتودّين حقّاً قتالهم؟ أتظنّين حقّاً أنّ بمقدورنا الفوز؟".

قالت: "تلك أسئلة منفصلة تماماً. والأهمّ من ذلك: هل من مكسب يُرجى من تجنب المعركة؟".

لا. سوى انقراض البشرية التدريجي، إن تواصلت الاتجاهات السكانية التي أمضى الصيف بأسره يقرأها مع روس وكونور.

ثم قالت: "والآن، أستستمر في محاولة قتلي، أم نتعاون معاً؟".

ومدّت يدها، كأنّ الأمر بهذه البساطة حقّاً.

قال آرون: "يعتمد ذلك إلى حدّ بعيد. أتنوين محاولة قتلي مجدداً؟ أشكّ في أنني أملك المزيد من الإخوة المناسبين لتطعنهم في الظهر نيابة عني".

سألت: "وماذا سأجني من قتلك الآن؟".

وأدرك أخيراً، أنّه لم يكن سؤالاً؛ بل كان إجابتها. ولهذا السبب مات ملكها، وسُجن زوجها، وقُطِع لسان الثعلب وأُكل. ولهذا السبب كان الأمر بخصوص أمره بالطعن في زقاق مجرد تفكر لاحق؛ تقليم خفيف لشجرة العائلة، لفرع ملّت رؤيته. ما الذي أجني من قتلك الآن: كان هذا السؤال الذي تطرحه باستمرار، على الجميع. لقد استوعب ذلك.

قال آرون، إذ لم يبقَ ما يقال حين يكون التخلص من الفرد الخطأ منهم غير ذي بال بالنسبة لها بأيّ حال: "لم تكوني قريبةً جداً من ماركوس، أليس كذلك؟".

وماذا تجني حقّاً.

"كنت أكره ذلك اللقيط، إلى أن كففتُ عن ذلك. لكنّ جلّ ذلك كان أنت على ما يبدو. أراك منسجماً جيداً مع شختك، حسبما أرى".

هزّت حاجبها، ورمقت سيف التدريب البليد المُثبّت بطاعة إلى جنبه بنظرة.

قال آرون: "تريد مني زيارة الجنوب".

"سيكون من المفيد لك، زراعة علاقات هناك باسمك الخاص".

اعترف آرون: "لا أعلم إن كنت أحبّ مدى كبر العالم خارج كهفي".

ضحكت بخفة. واستمرّت في مدّ يدها تلك.

"لقد فات الأوان للعودة. لكن يمكنك اصطحاب أصدقائك معك، إن رغبت في ذلك".

صافحها آرون، وما الذي يجنيه بالرفض. لم يكن الأمر كأنّها لن تحاول قتله مجدداً؛ فقد وعدت بطريقة أو بأخرى بفعل ذلك إن كان ذلك سيخدم خططها. لكنّه بدأ يصبح ذا قيمة وهو على قيد الحياة. وكان أمراً ممتعاً، أن تثق بشخص، وترى ما سيحدث. سحبت يدها وتناولت كوبها مجدداً.

"أودّ لو كنتَ أنت مَن أُعيد إلى المنزل. لكان ماركوس نال الكهف، ولكنتَ أنت تقف تحت القدمين في الملاذات الثلاث. لكنتُ بقيتُ. بل وربّما دعوتك ابني".

حسناً، كانت تلك حقيقة مزعجة نوعاً ما. والأكثر إزعاجاً، هو أنّه يكاد يتخيلها بنفسه. يكاد يرغب بها. لعلّها كانت ستقوم بعمل أفضل من الرجل. سعلت. أخذت رشفةً أخرى من كوبها، بجرعة تفوق الرشفة؛ واستمرّت في السعال. شعر بحلقه يجف لمجرد رؤيتها. وجفّ أكثر وهي تنظر إلى منديلي الصغير، والمعجنات المُتطابقة في طبقها الخاص. ضغطت بيدها على حلقها. تحسست الأخرى تحت الطاولة؛ فأخرجت الحجر المستدير من مخبئه، وابتلعته مع آخر قطرة من شايها.

بدا وكأنّه يجرح حلقها في طريقه للأسفل، حُكماً من خلال تفاقم سعالها. لم يكن آرون يعلم المدة التي يستغرقها حجر البازهر ليفعول. لكنّ السيدة كانت تعلم على ما يبدو، إذ رفعت بصرها إليه، وابتسمت بكل أسنانها.

"أيها الفرد الذكي. كان يجب عليّ— لقد جعلتَ ذلك الغلام في المطبخ يفعلها، أليس كذلك؟".

لم يفعل آرون ذلك. لكن ذلك لم يكن ليردع جون بالضرورة، سيّما مع تحرر قومه، وقرب مغادرته القلعة للانضمام إليهم. كان لون شعرها يتغير. كان أمراً طفيفاً؛ خصلات شعرها الرمادي كانت تتلاشى، ليحلّ محلّها خصلات حمراء داكنة وسط شقرة عُليتها. لم تكن تملك سوى القليل من خطوط وجهها، على قلة ما كانت عليه بالأصل. لم تكن عيناها الحقيقيّتان زرقاوتين: بل كانتا عنبريتين داكنتين. وكانت حدقتاها مشقوقتين، وأسنانها حادة، وذيولها بارزة.

لم يستطع المستنسخون إخفاء التغيرات التي ترافق التنقل جيئة وذهاباً بمرور الوقت. لكن الأوهام كانت تكفل ذلك بالتأكيد، ونساء الثعالب اشتهرن بذلك. كانت تمتلك ثلاثة ذيول. معلومات قط الكايبو باتت قديمة. رغم أنّه شكّ في خروجها كثيراً، وسط فرائها. كانت السيدة على قدميها الآن. وهو كذلك. كانت تبتسم. أخرج سكاكينه، وهو ما يماثل ذلك تماماً.

سأل، مُشيراً إلى ذلك الذيل الثالث: "أهو الملك، أم أبوك؟".

قالت: "أبو أختي، لكي دقيقاً".

إذن كانت النصف البشري من زوج الاستنساخ ذاك.

"سامحتُ ليام قبل سنوات، ويا للأسف. لكنّني لم أتجاوز تماماً واقعَ جرّي إلى وكر لأؤكل. لقد كانت تجربة تكوينية، باعتبارها تجربة طفولة".

خرجت كلماتها وأنفاسها في أزِيز مسموع. ولم يؤثر ذلك على جاهزية وقفتها.

قال آرون: "أمتلك حجر البازهر الحقيقي".

قالت: "استنتجتُ ذلك".

"أستطيع..."

كان باستطاعته. لكنّه حتى وهو يقولها، لم يكن متأكداً من فعله ذلك. لا يزال حلقه يشعر بالجفاف. وעל منديله استقرت معجناته المسروقة، ولم يُؤكل منها سوى واحدة. للحقّ، لم يكن جون يرغب في إعطائها له. فقد كانت طلبيّة خاصة، بعد كل شيء. آخر ما طهاره جاسوس العُليّة قبل مغادرته. أطلقت ضحكة نباحية، حرفياً.

"أتتوقع مني أن أكل من يدك؟ بعد هذا؟ لستُ بمثل تلك الأليفة".

يمكن للسمّ أن يجبر على التحول، إن كان جسد المستنسخ الآخر هو الأقوى. لقد سمّموا أورين ببطء، على مدار تسعة أيام، لمنحه فرصة للنجاة إن لم يكن يمتلك جسد تنين ليتراجع إليه. ولم يكن جوناثان بيكر —جوهناليسترين— يكترث لصحة السيدة المستمرة بهذا القدر. وشكّ في أنّ الغلام ذهب إلى حدّ المبالغة في القتل، نظراً لمدى سرعة إغلاق حلق آرون نفسه. كان الغلام يملك دائماً يداً ثقيلة بمكوناته المفضلة.

وحين دفع آرون بحجر البازهر الحقيقي إلى فمه، انزلتِ السيدة من هيئة بشرية إلى ثعلبة كاملة بيسر أيّ مستنسخ خبير. تلامع فرائها حيث لامسته الشمس، بدرجة لون أحمر مُمتزجة بشقرتها الطبيعية لدرجة تحولها إلى ذهب متوهج. وكانت ذيولها بيضاء الأطراف كذيول أبيها. كانت أكبر حجماً من الثعلب ذي الذيل الواحد، إن لم يكن بكثير. وكانت أسنانها تلك كبيرة بما يكفي لتمزيق الحلق بالتأكيد.

كانت أنفاس آرون قد بدأت تستوي. ولم تكن أنفاسها كذلك. كان هناك زبد على جانبي فمها. ثم انطلقت نحو أبواب الشرفة المفتوحة، ولامست مخالبها الحاجب بجانب موضع جلوس موتها وهي تتطلع للخارج. قفزت السيدة فوق الحاجب حتّى بينما ركض آرون خلفها. لم يحظَ سوى بلمحة أخيرة لأطراف ذيلها، قبل أن يتمكن من رؤية ثلاث حمامات بيضاء، تحلق منخفضة نحو الفناء قبل أن ينفصل كلّ منها في اتجاه مختلف.

على الأقلّ شعرت بصحة جيدة بما يكفي لإلقاء وهم مجدد. إن كان ذلك أمراً جيداً. احتاج إلى التفكير، لكنّ جلّ ما استطاعه كان الوقوف ببلاهة محاولاً تتبع كلّ حمامة بعينيه بينما غارز الحجر في راحتيه. أراها أحد غيره؟ نظر إلى الجدار، نحو برج جرس بوابة الحراسة، حيث— حيث كان أحدهم يُنزِل رجلاً بمعطف أحمر، بهدوء تامّ وبعيداً عن الأنظار. توقفا لنظرة حولهما، تماماً كما كان يفعل، وتعرّف آرون على تنين الاستنساخ الذي تحدث إليها خارج العلية.

لم تزل تتصرف وكأنّها لا تعرفه، حتى حين التقت نظراتهما. قد تكون هناك سبب آخر لذلك، سوى تظاهرها بالغباء. لم يستطيع رؤية عينيها تضيقان من هنا. سوى طريقة جمودها. لم يرتكب آرون الخطأ ذاته؛ فترك عينيه تتحركان، ورأسه أيضاً، ثم رسم عبوس المرء الذي لم يجد ما كان يبحث عنه. وتجاهل موت السيدة التي لا تزال تُدلي قدميها من فوق الحاجب.

قال الموت: "لكانت أكلت الصينية بأكملها من تلك الأشياء وحدها، لو لم تكن موجودة لتسرق بعضاً منها. وتجعلها تتحدث وهي تمضغ. لحصلت على حجر البازهر الخاص بها دونه، بالطبع، لكنّ صديقك الصغير في المطبخ يملك يداً متساهلة مع أكثر من مجرد السكر. وأنا على يقين معقول من أن فكرته عن السمّ تبدأ بما سيقتل غريفين، ليصعد من هناك".

فقال آرون: "لا أبتغي إساءة، لكن هل لديك أيّ شيء مهمّ لتقوله؟ لقد جدّ أمر لتوّك؛ ولعلك لاحظتَ ذلك".

ضحك الموت.

"لا، لا، لا تدعني أوقفك. إنهم على حقّ؛ أنت تجعل الأمر أكثر إثارة للاهتمام بكثير".

قاوم آرون رغبة التراجع عن النافذة، أو التحقق مما إذا كان لا يزال مراقباً. فاستدار، كرجل لم يرَ شيئاً لا ينبغي له رؤيته، وعاد للداخل. وأغلق الشرفة من خلفه. ثم تحسّس سكينه، وركض نحو الباب. كان هناك حارس أسفل الممر. ليس شخصاً مألوفاً. لكن كان هناك شخص آخر أيضاً، يتراجع للخارج من غرفة أخرى، وبحوزتها سلة. ثبت آرون ابتسامته، وأومأ للحارس، وهرع للحاق بالمرأة.

قال وهو يأخذ السلة: "السيدة سامرز، من الرائع رؤيتك".

فقالت التدبيرية: "لا تكلف نفسك عناء التملّق يا فتى".

رغم أنها تركته يحمل عنها على أيّ حال.

"ماذا تريد؟".

"نعم، حسناً".

انحنى مقترباً، متستراً، مُتعقّباً الحارس بعينيه حتى استدار الأخير عند الزاوية.

"لدينا تنين واحد على الأقلّ في القلعة. برج الجرس الرئيسي قد أُخِذ. يبدو أنهم يحاولون التكتم، لكنّ أحدهم على الأقلّ يشتبه في أنني رأيت. استعن بأحد تثق به —أحد تثق به حقّاً— واجعله يركض لجرس المدينة. أشكّ أن الأمور ستسير بلطف، متى حان وقت كتمان السرّ".

لم تكد تتعثر في خطواتها. أسهل من عزو الأمر لعرجتها المعتادة، إن كان أحدهم يراقب.

تمتمت: "دائماً ما تشغلني بالعمل".

والتقت عيناه؛ وأومأت بأقل إيماءة. ثم واصلت السير، ربما أسرع بقليل ممّا اعتيادت القيام به. لكنها امرأة مشغولة، بعد كلّ شيء. تخلّص آرون من السلة خارج غرفة، حيث ربما تركها خادم للحظة، واتجه نحو الدرج للأسفل. كانت روس في قاعة المجلس، مع شقيقته ولاوكلان وأورين— يمكن القول إنّ روس كانت ضمن الأكثر كفاءة في القلعة بأسرها. وكان كونور وحيداً في غرفته أعلى البرج الملكي، يقرأ الرسائل التي جلبها آرون، في أبعد نقطة عن الهروب الآمن دون الجلوس فعلياً فوق السقف.

...ربما كان جالسًا فوق السقف حرفياً. فقد أحبّ المكان بما يكفي. لن تُسامح روس آرون أبداً إن قُتل أخوها بسبب خيار اتخذه. عثر على أقرب مدخل للطرق القديمة، وانطلق صاعداً. كان ولي العهد في غرفته، لحسن الحظ. وكان ظهور آرون من الطرق القديمة عاجزاً عن الكلام بفرط اللاهث تحذيراً بحد ذاته.

سأل الغلام وهو يهرع نحوه: "ما الأمر؟".

جذبه آرون نحوه، وقاما بختم المدخل بدمائهما عبر بصمات سريعة؛ ثم جعلهما يتسابقان نزولاً. لم يكلف نفسه عناء جلب مصباح. لم يكن بحاجة إليه، لا للجدران الملساء ولا الدرج المستوي. كان كونور بطيئاً بما يكفي لدرجة جعله يلهث قريباً، بينما استعاد آرون أنفاسه بما يكفي للشرح.

"تنانين في القلعة. وبعضها استنسخ مسبقاً، لذا فالأمر ليس بصدد ذلك".

وشكّ أن القدر الكبير مما رأوه هذا الربيع كان متعلقاً بذلك.

"أخوك وروس في قاعة المجلس. سنصل إليهما—"

قاطع كونور بلاهث: "اذهب. أنت أسرع —ومن سيُدخلني إلى هنا؟".

قال آرون: "إن لم نستطع انتظارك، فاذهب إلى توكينز. هناك حداد في الطابق الثالث؛ تعتني بالأطفال".

قال الغلام: "اذهب"، ولم تكن لآرون وسيلة لرؤية تعبير وجهه، لكن صوته بدا واثقاً بالقدر الكافي.

ترك آرون الأمير هناك، في الظلام. دقت الأجراس حين كان في منتصف الطريق نزولاً. اثنان، اثنان، أجنحة في الزرقة. كان الصوت مكتوماً عبر الجدران. إن كان هناك قتال دائر بالفعل، فلم يستطع سماعه. ولم يستطع الإحساس أو سماع صوت المنجنيق المألوف أيضاً. وهو ما قد يكون بسبب حجب الجدران له، أو لعدم وجود تنانين في السماء، لكنّه الأرجح لأن إسقاط المنجنيق كان ليتصدر أولوياتهم كإسكات الأجراس.

ولم تكن القلعة تملك الكثير منها أصلاً: وما امتلكوه لم يكن سوى تلك التي نقلها آرون وقائد الحرس من مستودعات المُدون، بعد التأكد من عمل الأشياء حتّى الآن. كان هذا المكان فخر عائلة أوشي، المبني بعد ترسيخ ميثاق التنانين بحقّ وحقيق. دليلاً على عدم حاجة البشر للخوف من سمائهم مجددا. لقد مضت مئات السنين منذ ذلك الحين. ترتيب قصير النظر. بلغ الطابق الأرضي. كانت قاعة المجلس إضافة جديدة للقلعة: أُضيفت متأخرة عن البقية، بعد أن أُنسي المنسي.

لم تكن هناك طرق قديمة تؤدي إليها مباشرة. بل خرج في المطابخ بدلاً من ذلك، و—وذهب جون، بالطبع فعل، وسرق السام الصغير كتاب روس— وهو أمر غبيّ ليوجه الغضب نحوه، لكنّه جعل آرون يتجاهل ألم ساقيه لفترة أطول قليلاً. كان يرتدي رداء الظبي على كتفيه، لكنّ ذلك لم يكن ليقدم نفعاً يذكر على أرضيات القلعة الملساء مع بشر متوترين. كانت الميليشيا تتحرك نحو مواقع دفاعية عامة، حسبما استطاع آرون التخمين، لكن حتّى تنشر السيدة سامرز الخبر —أو حتى تكشف التنانين عن نواياها حقّاً— فسيظلّ معظمهم يترقبون التهديدات من السماء، لا من الأشخاص الواقفين بجانبهم.

وصل آرون إلى أبواب قاعة المجلس. وحسناً، ارتدّ للخلف. كان هناك شيء ثقيل للغاية يمسك بها مغلقة من الجانب الآخر، ولمح شيئاً من الحشور تحت الباب، الآن بعد أن اضطر للتراجع خطوة لينظر. كانت هناك مداخل أخرى، لكنه لم يتوقع بصراحة نتيجة مختلفة. كانت هناك نافذة أعلى المدرجات، كبيرة بما يكفي للتسلق عبرها، لأنّ تصميم القلعة كان سيئاً، لكنها كانت على الأقلّ وسيلة خروج إن تمكن هو وروس من— إن تمكنت من التسلق صعوداً على جدار.

وهو ما يستطيع فعله، بينما هي لا تستطيع، وليس بأيّ سرعة. لما أهدر كلّ هذا الوقت في تعليمها أمر السكاكين، بدلاً من تعليمها التسلق؟ تلك الأصوات القتالية التي لم يستطع آرون سماعها في الطرق القديمة، أو في القلعة عموماً: كانت هنا. مباشرة وراء هذا الباب، والتنين الذي يمسكه مغلقاً. ولم يتطلب الأمر عبقريّة لإدراك سبب مهاجمة التنانين بينما قيادة القلعة بأسرها في مكان واحد.

لقد حاولوا قتل أورين في الشمال. وكان جلالته غاضباً من آرون لإنباته غابة كاملة في طريقهم، لأنّ أورين ظنّ أنه تدارك الأمر، لكن زعيم التنانين كان ذكياً؛ وكان ليتكيف مع استراتيجيتهم قريباً بما يكفي. هذا ما جادل بشأنه آرون. لقد تكيّفوا، حسناً. ولم تكن السكاكين لتفيد روس بشيء ضد التنانين، مما يعني أنّ آرون لم يعلمها قط شيئاً نافعاً واحداً. أسند جبينه إلى الباب. حاول ضبط أنفاسه، أو يديه، أو أفكاره.

حاول التفكير. لا بدّ أن يكون هناك شيء يمكنه فعله— إلا أنه لم يكن. يموت الناس طوال الوقت. ويستمرون في محاولة تخليص أنفسهم من المشاكل بالتفكير، حتى يصبحوا أمواتاً بما يكفي. ولم يكن هناك سوى قدر محدود من التفكير يمكن لآرون فعله دون التفكير في كيفية كون روس المقاتلة الأقل إعداداً في تلك الغرفة. وكيف لن ينقذ ذلك أياً من البقية أيضاً، لأنّ آرون رأى الجميع يدخلون ولم يكن أحدهم مُسلحاً لقتال التنانين.

غرست شقيقته سيفاً في واحد مرة، لكنّ ذلك حدث فقط لأنّ التنين قام بمعظم العمل؛ كان على البشر الاستعداد لقتال التنانين، وإلا فلن يكون هناك قتال أصلاً. أخته. لديه أخت. كان سيذهب إلى الجنوب معها، ويزور بيتها، وكان يخطط للتذمر طوال مسافة معتبرة لكنه كان سيذهب على أيّ حال. كانت لديه أخت، ولربما ما زالت لديه، لكنه عجز حتّى عن فتح باب. كان عليه... كان عليه جلب كونور. وإخراجه، على الأقل.

والسيدة سامرز والخادمين الذين عمل معهم، وكلّ عمال المطبخ الذين تركهم جون وراءه. على الأقل خرج فتى العُليّة، مبكراً بما يكفي لتجنب أيا ما سينتج عن هذا على الأرجح. دفع آرون الباب بكتفه. لم يفد أحداً، لكنّه كرّره، وكرره، و— وبصوت يشبه انهيار جدار صخري، انفتح الجدار بجانب أبواب قاعة المجلس بعنف، ودفع روس لاوكلان للخلف، تاركاً أثراً أحمر على ظهره. استدارت لمواجهة مدخلها الجديد.

وفي يدها، حملت سكينها المُزخرفة، بنقوشها الفاخرة من كتاب لم يحمل كلمات أخرى. وكانت يدها الأخرى تنزف بغزارة من راحة كف مشقوقة بعمق. تساقط الدم على الأرض—بسرعة كبيرة، احتاج إلى التفاف، وضغط عليه، وإلى غرز وأسابيع لتلتئم— تراكم دمها على الأرض. وتدفق، في خطين متعرجين، نحو الحواف الممزقة لمدخلها الجديد، متتبعا رسماً بدائياً للكلمات حول أبواب الطرق القديمة.

قالت، ولا تزال تواجه قاعة المجلس: "ليس. أنت".

وحين حاول أورين التقدم من خلفها، رفضه المدخل نفسه.

قال الملك بتهكم: "يمكنني استخدام الأبواب الحقيقية ببساطة".

فقالت الأميرة روس: "تفضل إذن. افتحها".

ومن خلال المدخل كان ذيل التنين الذي عبرته، في صنع بابها. ورأسها، وهو يهبط الآن لتتفرس فيهما. كانت رمادية فاتحة كحجارة غرفة المجلس، مع لمسات بيضاء: عظم كيرين. كانت تحاكي الأرضية. لم يكن آرون متأكداً تماماً من كون التنين أنثى. لكنّه عرف أن منصب حارس الباب شُغل مؤخراً من يشينكرا، وشكّ فجأة في أنه قد تم تغييرها. وقف الملك بسهولة ورأس تنين يراقب من فوق كتفه. وعلّق سيفه الجديد إلى جانبه، لا يزال في غمده.

وخلفه، كانت الأرضية الرمادية تتسرب حمرة، ومعظم من بدأوا الربيع بالمطالبة بدم جلالة الملك لن يفعلوا ذلك مجدداً. كان القتال لا يجار دارياً، بعيداً جداً عن مرأى آرون، لكن لم تكن هناك سوى نتائج قليلة من هنا. اجتماع مُرضٍ، حقاً. كان اللون الأحمر يتسلل بثبات إلى ألوان يشينكرا. وهناك لطخة على خَدّ جلالة الملك أيضاً، أكثر واقعية بكثير من تلك التي تخصّها. لم تستطع رؤية شقيقته.

قال: "نحتاج إلى الخروج"، وهي النقطة التي لاحظه فيها الجميع.

قال أورين: "آرون. إنه آرون أليس كذلك؟ لستَ ماركوس؟ اغفر لي؛ لم تكن جيسي متأكدة".

قال آرون: "كونور في طريقه للقائنا. نحتاج للذهاب".

حافظ على بصره منصباً على الملك عبر باب روس، وحاول جاهداً عدم النظر إلى الأبواب الحقيقية المجاورة للرجل تماماً، والتي كان بوسع أورين فتحها في أيّ وقت. رغم أن ذلك سيعطي من لا يزالون يقاتلون فرصة للركض.

قرر التنين الذي يرتدي وجه أورين: "آرون. أتريد أن يكون المستنسخون مواطنين؟ انضم إليّ. لا داعي للركض؛ لو أردت موتك، لأدخلتك إلى هنا. أدرك أن هذا فجّ بعض الشيء، باعتباره مقدمة لائقة، لكنّك تملك أروع الأشياء لتقولها. لن أؤذي من يحني ركبته لي. ولديّ تأكيد موثوق بأنك من النوع الذي أختاره لمجلسي".

تمنّى آرون، بإخلاص شديد، ألا تحمل تلك الكلمات أيّ إغراء. لكنّ أيّ شدّ قد يشعر به منها تبدد سريعاً بفعل شدّ جسديّ من روس، التي كانت تتراجع مبتعدة عن بابها، وتأخذ ذراع آرون معها. تقدم لاوكلان بجانبهما في وضع حراسة؛ ثم عاد ففكر مرتين، وغرز سيفه في مقابض أبواب القاعة الحقيقية. لن يكون الاقتحام سوى تأخير بسيط لتنين، لكنه أكثر ما ستشتريه محاولة خدش حرشفها.

قال آرون: "لستَ ملكي. لست حتى أوريني".

"إن كان ما أنا عليه يهمك لهذه الدرجة، فأخبرني: متى قتلته جيسي؟ ومتى خرج، وعدتُ أنا للدخول؟ أنت لا تدري حتّى".

لم يكن آرون يدري حقّاً. رمق الرجل الأبواب الحقيقية بنظرة. وابتسم بتهكم لخطوة لاوكلان التأخيرية البسيطة؛ ثم أشار لهما بالانصراف، بلطف الملوك.

"اذهبا للإخلاء إذن. استقرا في مكان ما. سيكون هناك متسع للحديث لاحقاً".

أعطت روس ذراعه شدةً أخرى. ثم كانا يركضان، هو وروس ولاوكلان، وعجز أورين عن اللحاق بهما عبر الباب الذي صنعته روس. ولم يحاول حتى. بل استدار مجدداً نحو القتال في الداخل، محنياً ذراعيه كأنه يستعد للانحناء؛ ثم انتفخ، نامياً، بتلك البشاعة غير المتناسقة المعتادة لمن استُنسخُوا حديثاً. كان جلالة الملك تنبداً أحمر بلمسات ذهبية. ثم تفعّل تمويهه وزحف البياض العظمي حتى خصريه، يليه أحمر داكن.

كانت روس أسرع من كونور. وامتلكت من الأنفاس ما يكفي للصراخ أيضاً.

"تنانين. تنانين في القلعة. الجميع إلى المُدون، بأمر من..."

كانت عبارة "ملكك"

هي التقليدية.

فأنهى لاوكلان ما عجزت عنه: "أميرتك"، وهذا ما مضوا عليه.

فتحت المسار ذاته في الطرق القديمة الذي فتحته مرة للقاء آرون في سهارة العام القديم: ذاك الممتد من القلعة عبر السور الخارجي، والمنفتح على الشارع في الخارج. وما كان عليهما العناء. فتحت البوابات الرئيسية أيضاً، وجلس تنين يبرز اللون الأصفر على حراشفه الرمادية الحجرية فوقها. راقبتهما وهما يغادران، مثلما راقبت كلّ شخص آخر شجاع بما يكفي للعبور من تحتها. لم تحرك ساكناً لوقفهما.

وهو ما كان أسوأ، أسوأ بكثير، ممّا لو فعلت. كانت هناك خطة هنا، ولم تكن لآرون أدنى فكرة عما تكون، سوى عدم اكتراث ملك التنانين بهربهم أو بقائهم. انتظرا كونور. ووقفا حراسة خلفية في الطريق، حتى مرّ بهما آخر عمال القلعة. لكنّ كونور لم يستكشف قط الطرق القديمة بالطريقة التي فعلتها توأمته، وربما لم يعرف هذا المخرج، ممّا يعني إمكانية خروجه في أيّ مكان. أغمضت روس عينيها. واستنشقت نفساً، وزفرته.

ثم اتبعت قومها نزولاً عبر درج الملكة، وتبعها هو ولاوكلان خلفها. إلى المُدون. إلى ملكين اثنين، أو أياً كان عدد الملوك. كان آرون في بيته.