"يا لك من وغد!"
"يا لك من وغد!"
"يا لك من وغد!"
تردّدت ثلاث صرخات أخرى من السماء. اقتربت الأصوات محملة بغضب لا يُحدّ، وكأنّ كل كلمة صاعقة تهوي. دويّ! وميض برق. هبط شخص في الفناء. كان رجلاً في الخمسينيات، مربع الوجه، كثّ الحاجبين واسع العينين، ينضح سطوة. إنه لي جينغهونغ، والي ولاية ليانشان. تقدّم بخطى حاسمة نحو البيت. ثقلت كل خطوة بالهيبة حتى اهتزّت الأرض من تحت قدميه. شابه حضوره المهيب جبلاً شامخاً، يفرض حتى على النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم في التراب أن تركع أمامه.
وبدا كبحر لُجّيّ يبتلع استقلاب عدد لا يحصى من المخلوقات البحرية ليل نهار ممتداً بلا انقطاع.
"أمرتك بالبقاء في العاصمة. لمَ تسللت إلى هنا؟ أمرتك باتباع أوامر الزعيم. لمَ يصعب عليك هذا الحدّ؟ أمرتك ألا تختلط بالعامّة. فتركت لي وحدي كومة من القاذورات لأنظّفها. كيف تنتظر مني أن أنظّف هذا؟"
تقدّم مع كل سؤال محتدماً وغضباً، وحِدّة هالت تتصاعد. تموج برق بنفسجي فوق رأسه وتلوّت أفاعٍ كهربائية. فمزقت طاقة الظلام الشيطانية التي سوّدت نصف السماء إلى أجزاء لا تحصى، وساحقةً كل أثر لهالة شيطانية لم يبقَ بعدها سوى رعد سماوي بنفسجي.
"أجبني أيها الوغد!"
"هاهاهاها. وغد؟ والدي العزيز والمجلّ أتوجه إليك بكل هذا الحب وتدعوني وغداً. أهي قسوة رحيمة؟ حسناً. حتى لو كان هذا حبّك، ألا يمكنك إضافة كلمة ابن بعد وغد؟"
خرج لي شويان ببطء من البيت شاحب الوجه وابتسامة خافتة ترتسم على شفتيه ويداه مقبوضتان خلف ظهره.
"يا لك من وغد! أسألك أن تجيبني. لمَ أتيت إلى ولاية ليانشان؟ ومن أرسلك؟"
اسودّ وجه لي جينغهونغ وكأنه على وشك تقطير ماء. واشتدّ البرق البنفسجي في عينيه عنفاً مع غضبه.
"أريد وأريد وأريد. كفى يا لي جينغهونغ. كل مرة أريدك أن تفعل كذا وأريدك أن تفعل كذا، وأريدك أن تأكل العذرة وتشرب البول. ألا تستطيع سؤال شيء واحد؟ ابني العزيز، ما الذي تريد فعله؟"
التقى بصر لي شويان بنظرات أبيه لتزداد عيناه برودة ويقطر صوته تهكماً.
"ابن عاق! أسألك مرة أخيرة. من أرسلك؟"
كبح لي جينغهونغ غيظه. كان عليه أن يتأكد أأتى هذا الوغد لنزوة أم بتوجيه من أحدهم.
"أه، أبي العزيز. اعترفت أخير إذن بأنني ابنك. هاها. إذن دعني أخبرك. لست بحاجة لمن يرسلني. أذهب حيث شئت. أما أنت فمسكين. تُقاد بحبل مثل كلب. قل لي، أأحسدك أم أشفق عليك؟ هاهاهاها..."
ضحك لي شويان واشتدّت طاقة الشياطين في قلبه. كلا، لم تكن تكفي. احتاج أن يبدو أكثر غروراً وطغياناً. أراد تنفيس كل الحقد والألم اللذين تراكما على مدى السنين.
"ابن عاق! ابن عاق! ابن عاق حقاً!"
استشاط لي جينغهونغ غضباً ونتأت عروق جبينه. وفرقع برق بنفسجي في أنحاء جسده. لكنه تمالك نفسه وأعاد سؤاله.
"من أرسلك؟"
"أأنت أصمّ؟ لست بحاجة لمن يرسلني!"
"حسناً. حسن جداً. يا لي شويان، أنت تعصي الزعيم. تلك هي الخيانة. وتعصي أباك. ذاك هو العقوق. ابن عاق وخائن. أي عقاب تستحق!"
زأر لي جينغهونغ. فانفجرت طاقته السماوية. وتكوّمت سحب الرعد في السماء. وتقاطع البرق البنفسجي على الأرض. وحوّل الضوء الساطع العالم لناهض نهار.
"هاهاها. أحسنت يا لي جينغهونغ. ارتكبت جرائم. وحوّلت مدينة شيانغشي بأسرها إلى نطاق شيطاني. وابتلعت عشرات آلاف الأرواح. مذنْب أنا في حق كل شرّ. وأستحق الموت. ولكنك أنت كأب، أيّ ذنب تستحق!"
رفع لي شويان رأسه نحو السماء ثم خفضه نحو الأرض. وانتشرت طاقة الشياطين من عينيه للخارج. وفي ومضة التهمت نصف البرق البنفسجي في السماء. فاستحال نصف السماء مظلماً مجدداً. الظلام حسن. والأسود لون العافية. انظر إلى الحمر الوحشية في السافانا. كلها تلمع بالسواد. والأجمل أن الحمر الوحشية تمارس نظام تزاوج حرّاً. وهي تولد بلا آباء. هاهاها. ما أجمل هذا. وما حاجتي لأب!
"أيها الوغد!"
"أنت الوغد! أب يعجز عن تعليم ابنه فهو المخطئ. يا لي جينغهونغ، أتدرك ذنبك!"
زأر لي شويان في وجه السماء وضرب الأرض بقدمه. وتجمّع خلفه ظلّ ليتشكل ببطء في هيئة بشرية شائنة. كانت له عيناه نمر ووجه أسد ولحية طويلة كثّة. وارتدى رداء إعدام قرمزيّاً، وقبعة رسمية على شكل زهرة لوتس مزخرفة بحبات يشم وتدليات، وحذاء ذهبياً يطأ جحيم بركة دماء من ثلاث عشرة طبقة، وسوطاً من حديد ذي أشواك سوداء مقسمة تسعة أقسام في يده. لقد حضر ملك الجحيم ذو الوجه الشبح. والتفت بوجه الأسد نحو لي جينغهونغ.
والتوى وجهه في تكشيرة بشعة كاشفاً عن أنياب، ولسان قرمزي يتلوى استعداداً للالتهام.
وتساءل: "يا لي جينغهونغ، أتدرك ذنبك؟"
"تبّاً. مغرور."
ابتسامة ازْدراء على محيّا لي جينغهونغ. ومض نور بنفسجي في عينيه. وانفتح ثقب في السماء فوقه. وخرج طير من مهبط مجهول. كالتنين وليس بتنين، وكالأفعى المائية وليس بأفعى مائية. وأفرخت أربعة أجنحة من ظهره. وذيله كذيل طائر الفينيق. ومخاليبه كمخالب نمر أبيض. وغطا جسمه السماء برمتها من سعته. وتقدّم نحو ملك الجحيم. وتحول وجهه إلى سيّد الرعد السماوي، ثم إلى ملامح لي جينغهونغ الحازمة ذاتها، ثم إلى هيئة الإمبراطور الأبدي الطيبة والرحيمة.
تجلي كل الأشياء. أنا كل الأشياء. وكل الأشياء قد تكون أنا. أنا سيد السماء والأرض. والحياة والموت والتناسخ تقع برمتها في خاطرة واحدة منّي. دويّ! رعدت السماء والأرض. وحجبت سحب داكنة الشمس والقمر. واشتدّ الرعد. وتحوّلت. فصارت السماء بأسرها وجه لي جينغهونغ. وصارت الأرض بأسرها جسد لي جينغهونغ. دويّ! صوت رعد آخر. وتحولت مرة أخرى إلى تجسّد سيّد الرعد السماوي. ورفع أصابعه الخمسة. فتجمّع برق السماء والأرض والبحار والنجوم والفراغ اللانهائي بأمره ليتدفق داخل جسده.
وقال: "آمر ملك الجحيم بالموت!"
دويّ! انصبت سيول من البرق البنفسجي من فمه ضاربة جسد ملك الجحيم بانفجارات متشظية. وبدا شكل ملك الجحيم باهتاً وكأنّه على وشك التلاشي.
نخر لي شويان وصاح مجدداً: "يا لي جينغهونغ، أتدرك ذنبك!"
وفي تلك اللحظة تضخم جسد ملك الجحيم ذي الوجه الشبح أضعافاً مضاعفة. وقفز محلّقاً فوق السماوات التسع ومتطلعاً باستعلاء نحو سيّد الرعد السماوي. وهوى بسوطه المقسم تسعة أقسام. تشقّق! تشقّق! تشقّق! ضرب السوط الأرض. فانشقت هوة هائلة شطبت المدينة من السماء إلى الأرض قاطعة مدينة شيانغشي. وانهارت المباني. وتكسرت الأشجار. وضاعت أرواح لا تحصى. ومع امتصاص طاقة دمائها، ازداد السوط ذو الأقسام التسعة قرمزيّة وبريقاً.
"ابن عاق!"
رعدت السماء والأرض. وجاءت قوة مرعبة من الشمال البعيد. وامتدت يد بنفسجية هائلة عبر السماء مستعيرة قوة من زعيم قاعة الحياة الأبدية. وارتفعت لتلاقي ملك الجحيم ذي الوجه الشبح. تشقّق! تشقّق! تشقّق! راح السوط ذو الأقسام التسعة يرقص ضارباً اليد البنفسجية. دويّ! اصطدمت القوتان. فاهتزت السماء وتزلزلت الأرض. وبدت مدينة شيانغشي بأكملها كأنها على وشك التحطم. وتصدعت الأرض. وتطاير الغبار.
وانتشرت اخاديد لا تحصى كشروخ عملاقة. تفف! بصق لي شويان دماً. وتحطم ملك الجحيم ذو الوجه الشبح من خلفه في ومضة مخترقاً الهواء إلى العدم.
"أبي العزيز، لقد حالفك الحظ."
لو لم يتدخل فانغ تشينغ مسبقاً ويمتص معظم طاقة حياته لما أتيحت للي جينغهونغ أي فرصة.
"تبّاً. ابن عاق. عد معي إلى العاصمة. فالزعيم سيقرر عقابك."
أمسك لي شويان من تلابيبه مستعداً للإقلاع.
ولكن في تلك اللحظة رنّ صوت: "أقلتُ إن بإمكانك الرحيل؟"