"أبو الوحش" (متاح أيضًا على أمازون) الفصل 25

اقرأ "أبو الوحش" (متاح أيضًا على أمازون) الفصل 25 باللغة العربية على مانجا تايم.

انتهى الأمر برمّته إلى مسألة يسيرة تتعلّق بتدبير وسيلة نقل إلى روسكيلد. لم يضطرّوا حتّى إلى طلب الدلالة، فما إن اقتربوا من سوق القوافل داخل البوابة الغربية، حتى علت أصوات عشرات السائقين بذكر الوجهات والأجور. صرخ بعض الدلّالين الأكثر دهاءً في وجه جموع الركاب المحتملين محذّرين ومنذرين من مغبّة البقاء في مدينة خطرة كتلكم التي أضحت عليها هيلمسغارتن.

"الركوب إلى روسكيلد! الركوب إلى روسكيلد! انجُوا بأنفسكم من أخطار المدينة الكبيرة وهمومها! اثنان وأربعون نوفارياً فحسب!"

لم يمحُ الوقت طويلاً حتى وُجد ياكوب، وهيسكيل، وسيج الميتة الحيّة، مقعدين في المخبأ الضيق لعربة خشبية. رُبطت شرائح معدنية صدئة بعناية مهملة وبمسامير دقيقة إلى الهيكل الخشبي، لتُوحي ظاهراً بثبات بنيوي، غير أن ياكوب كان يعلم حقّ العلم أنّها لن تصمد أمام نسائم عليلة، فضلاً عن أن توفر أي حماية تذكر لو تعرضوا لهجوم أثناء الرحلة. لم تكن المظلة بأفضل حال أيضاً، لكن رحلتهم لن تتجاوز يوماً ونصف اليوم على أبعد تقدير، فلم يكترث لأمرها.

علاوة على ذلك، فإن العيش في المجارير القارسة جعل حتى وسيلة النقل المتهالكة هذه تبدو في عينيه ترفاً مبذولاً بإفراط. كان بضع ركاب آخرين على وشك الصعود، حين وقع بصرهما على الثلاثي فاستداروا على الفور باحثين عن عربة أخرى. حدّق السائق بهم بغضب محرق، إلى أن مدّ هيسكيل، بدفعة خفيفة من ياكوب، ثمن الرحلة: كرة ذهبية كانت مقلة عين في يوم ما. بعد ذلك، عوملوا معاملة الملوك، برغم أن السائق ظل حائراً يرتقب فترة أطول، لعل بعض الركاب الحمقى يصعدون بغض النظر عن أي شيء.

"إضاعة وقت"، تمتم هيسكيل بجهد.

أطلقت سيج نظرة جامدة فارغة نحو الفراغ، كأنها دمية قُطعت خيوطها. كان ياكوب يرمقها، مشفياً غليله مرة أخرى بكيفية إخضاعه لتلك المرتدة المتغطرسة هكذا، ولم يعر سيّد الحراسة المتعجل أي رد. لقد عثر أخيرًا على عقاب لعيناتها العمياء يراه ملائماً. ثم التفتت سيج برأسها أسود المقلتين ببطء لترقب الفتحة في مؤخرة العربة. فاجأت تلك الحركة المفاجئة ياكوب ليتبع نظرتها رغماً عنه، مدركاً اللحظة ذاتها التي صعد فيها راكب جديد.

أول ما لفت انتباهه شجيرة أشعث من الشعر القرمزي، ثم تعرّف على الوجه والابتسامة ذات الغمازات، لكنه نهض عاجلاً من مقعده حين لمح العينين اللتين تعكسان عيني سيج نفسها.

"…ياكوب… نلتقي مجدداً…"

"غيوم. ماذا تفعل هنا؟"

"…جذبني… أمرها…"

"أتريدها لمجموعتك؟"

"…نعم…"

الطريقة التي تقف بها جثة دمية الكيان دون حراك قط، دون أن يتحرك فمها أو عيناها قيد أنملة حين تتحدث. الطريقة التي بدت بها واضحة العدم سوى نسخة باهتة عن الحي. أثار ذلك في نفس ياكوب ريبة جمّة. بادر هيسكيل بالوقوف أمامه مسرعاً، لسوء فهم وقع فيه.

"نسيت أن أعرّفك"، قال ياكوب ببرود.

"هيسكيل، لك أن تعامله كطرف محايد، في الوقت الراهن. غيوم كيان خالد استدعيت خدمته، نيابة عن التاج، لرد أمير تافه إليهم".

بدت علامات الارتباك على هيسكيل فلم يخفف من وقفته المهددة إلا قليلًا.

"لماذا المساعدة؟"

"كانوا ليقتلونني لو رفضت. فضلاً عن ذلك، رأيتها طريقة لائقة لإبعادهم عن ظهورنا، وإن بدا أن الأمر لم يدم طويلاً..."

"…الأمر… ملك الآن… وقد كان ممتعًا… للمشاهدة…"

"لماذا أنت هنا؟"

"…حين شعرتُ بها… حين رأيت عملك السماوي… شعرت بالانجذاب… إليك… مرة أخرى..."

"يا سيد، أستصعد أم لا؟!"

صاح السائق من خلف غيوم بغتة.

"إنه معي"، أجاب ياكوب الرجل.

"حسبك، خذ مقعدك، سننطلق قريباً".

وما إن دار السائق حول العربة وقفز إلى مقعده في المقدمة، حتى عاد ياكوب إلى مقعده وجلس غيوم مقابل سيج. بيد أن هيسكيل ظل واقفاً. بدا غريباً رؤيته منزوع السلاح وغير واثق هكذا.

"هيسكيل، اجلس".

تمتم المسخ عصياناً، لكن ياكوب أحكم اللجام سريعاً ليئد تمرده في مهده.

"الآن".

تذمر هيسكيل لكنه جلس، ليغدو مواجهاً لياكوب وغيوم من الجانب. بعد لحظات، انطلقت العربة، متأرجحة عبر شوارع البوابة الغربية المعبّدة.

"لماذا تثير المشاكل؟"

"لا ترحموا الكيانات، فهي تفتقر إلى القيود الحصيفة للكيانات الحقيقية".

"…لدينا… قول مشابه… بشأن البشر…"

علّق غيوم.

"لك أن تقتبس عن الجد ما شئت، لكن ليتَه فاوض كياناً كغيوم ولعلّه ما كان ليدفن في أحشاء المدينة لينقذ حياته".

أُفحم هيسكيل جراء هذا التقليل المهين لسيده وصانعه. وفي النهاية، لم يملك رداً، فقد نطق ياكوب بالحقيقة وحدها. قبل عقود، حارب الجد التاج وخسر. وفي المعركة الأخيرة، عانى الأمرين، مما قاده في طريق يائس لإطالة عمره ودرء ظل الموت الزاحف. لم يُصنع ياكوب متدرباً لضمان بقاء إرث العنكبوت العجوز وصنعته فحسب، لا، بل كان أمل الجد الأخير: أمل النجاة من البرزخ الذي أوقعه فيه نفسه.

ولكن بلا شك، لم يكن هناك الكثير مما يملكه ياكوب لإصلاح ذلك الدفن الذاتي، فالعنكبوت نفسه عجز عن حل معضلته، مع أنه ملك ترسانة سحرية أعظم بكثير من ياكوب واتّصف بدهاء وعقل لا نظير لهما في العالم أجمع. لكن الوضوح بدا جلياً في تراجعه، نظراً لمدى تهور سلوكه واختلاله حين علم بالأسفار التي ظفر بها ياكوب. شيء لم يلفظه الجد قط، لكن ياكوب تعلمه، وهو أنه كان يقدس الحرية فوق كل شيء؛

فوق المعرفة، والقوة، وحتى تبجيل العظماء. لقد ابتغى القدرة على مغادرة مختبره والنجاة، لكن بدا أن ذلك لن يتحقق أبداً. وبرغم أن الجد لم يفصح عن العظيم الذي صلى إليه، وتوسل إليه، وقرب القرابين له، وتضرع أمامه لينال النجاة، إلا أن ياكوب كانت لديه فكرة جلية. لقد صلّى فاستجاب عظيم، لكن النجاة أتت على شكل صفقة فاوستية، صفقة لئيمة لم يكن ليخترعها سوى السيدة المسلوخة. نُجي الجد مما كان حتمياً لكل الفانين، لكنه لم يستطع مغادرة مختبره أبداً.

ضمن الحيز الضيق حيث استُدعي ياكوب منذ سنوات طويلة، عاش مرشده، دون أن يتجاوز جدرانه الحجرية قط. عاش حياته بالوكالة من خلال خدامه، والمسوخ، والوحوش، ومتدربه. ذات مرة، لم يدر ياكوب متى بالتحديد، حاول العنكبوت العجوز الرحيل، معتقداً أن سجنه سجناً عقلياً صُنع ليخدعه، لكن ما إن تجاوز الحدود، حتى تحول نصف جسده إلى رماد، ليغدو الهيكل الذي هو عليه الآن. وهيسكيل كان يعلم هذه الحقيقة حق العلم.

لابد أنه رأى زيف صانعه. لابد أنه رأى العجوز المتباكي المثير للشفقة المختبئ هناك، مترجياً أن يحميه خلق الوحوش من الوحش الوحيد الذي يخشاه الرجال أجمعون.

"غيوم"، بدأ ياكوب.

"إن وافقت على مساعدتي، فلك سيج".

"…أي عون… تبتغي…"

"نحن نستدعي نارلا".

ساد صمت قبل أن يرد ذلك النسيج الميت المتحجر، ثم أتى، متصاعداً كالرعد الزاحف في الظلام، ضحكاً مطولاً ومجنوناً.

"…سأعينك… إن سُمح لي بمعاينة… هبوط نارلا إلى هذا العالم الفاني…"

ابتسم ياكوب من تحت كمامة عطره. بدا أنه ما كان بحاجة لكل ذلك الحذر من الكيان.

"أتبجل العظماء؟"

"…إنهم الأسلاف… الأوائل لنا جميعاً…"

أومأ ياكوب بحماس.

"حقاً".

"…عليك أن تعلم… أنني سأكرس نفسي… بالكامل لمساعدتك…"

"هذا حسن".

"…لتحقيق ذلك… أعلمك أن… الملك يبتغي سجنك…"

"أنا أعلم"، رد ياكوب بلا مبالاة.

ألقى هيسكيل نظرة قلقة بينهما. أدرك ياكوب أنه لابد خمن الأمر بنفسه بالفعل، لكن التأكيد ظل مقلقاً له بلا شك. لا سيما بالنظر إلى حقيقة نجاحهما مرة من قبل.

"…سأسخر… أوعيتي الأخرى… لإعاقَتِهم…"

"أيمكنك تشغيل أكثر من دمية جثة بوعيك؟"

سأل ياكوب، بدا الاحتمال مستحيلاً في نظره، لكنه من جانب آخر لم يكن يعلم حدود قوى الكيان. فبعد كل شيء، على الرغم من اتباع الشياطين والكيانات لقواعد مرسومة، إلا أنهم احتفظوا من حيث القوة والمزاج بغرائب وقوى جمة غالباً ما كانت فريدة لكل مخلوق على حدة.

"…نعم… أملك حالياً ثماني عشرة… وتتضاعف قوتي بزيادة عددهم…"

لم يكن مستغرباً أن يستطيع كيان خالد إبادة أمة في أيام لو سُمح له بالعبث، فكر ياكوب بقتامة.

"أيلحظون غياب واحد؟"

"…بسبب قبضتي… على حياة… ملكهم… فهم يمنحونني حرية وافرة…"

"ولا يمكنهم تتبعك؟"

"…لا…"

"حسن جداً. نحن ذاهبون إلى روسكيلد، بلدة في الغرب حيث نأمل في إيجاد إحدى ضرائب طقوس الاستدعا."

"…أيمكنني رؤية… التعليمات…"

"لا"، رد هيسكيل بصرامة.

كان يتمسك بلفافة التنجستين بغيرة، كأنه يرجو الكيان أن ينتزعها منه.

"غيوم. قد تكون حليفاً، لكنك لم تكتسب ذلك الحق. الكلام كلام، وبرغم أن بني جنسك لا يُعرفون بالكذب الفاضح، إلا أن هناك أموراً لا يمكننا ائتمانك عليها، حتى لو وثقناك بألف عقد وقسم".

"…أنا أفهم… ما أبتغيه فحسب هو معاينة… تجسد عظيم…"

جعل الإخلاص الطفولي لرغبة الكيان ياكوب يبتسم بخبث من تحت قناعها حين تشكلت فكرة في ذهنه. ومن خلال الفتحة في مؤخرة العربة، رأى البوابة التي سُميت البوابة الغربية باسمها تنكمش في الأفق.