قبل وقت قصير، لا يجاوز ربع شبر من مسير الشمس، هبّ شيون الغاضب جافلاً نحو قرية ترنيمة الأيل. رأى جلبة محتدمة أمام قاعة القرية فأسرع لينضمّ إليها. كانت إيشون تتوسّط حلقة نقاش عفوية، يحيط بها شيوخ القرية ويقف بجانبها يافعان تبدو عليهما علامات الإرهاق. لا بدّ أنّهما العدّاءان اللذان ذكرهما الأخ فاي. كان شيون الغاضب أطول من أيّ من الساواني بمقدار هامتين واضحتين، ممّا جعل إيشون تلحظه من بين الحشود فوراً.
ومضت في عينيها نظرة غضب مألوفة — لا موجهة إليه، بل إلى أفعال الإمبراطورية — غير أنّها حملت تحذيراً أيضاً. أبطأ خطواته وأخذ يستوعب الوضع حوله. بدا كأنّ القرية بأسرها حاضرة، بما في ذلك الرّضع والصغار، وقد أحاطت بهم عائلاتهم ممسكةً بهم بإحكام. وكانت الحيوانات المرتبطة حاضرةً كذلك، ترقب المشهد بنظراتها الغريبة، كأنّها تفهم الكلمات المتبادلة. لم يلحظ شيون الغاضب شيئاً مريباً.
تحرّك نحو حيث تقف بناته وسط الحشد.
همس: "هل حذّرتكم والدتكم من شيء؟"
أجابت ليتل ينغ، ابنته الكبرى: "لا. لكنّنا رأينا إشارة التحرّز، فأحضرنا أسلحتنا تحسّباً لأيّ طارئ".
التقت عيناهما مجدّداً. أشارت إيشون برأسها خفية نحو العدّاءين.
سأل ابنته: "أكنتما هنا عندما وصلا؟"
أجابت ليتل ينغ: "لم أدرك وصول الأول، لكنّني حضرت وصول الثاني".
فكّر شيون الغاضب هنيهة. كان التوقيت...
سأل: "كم من الوقت مضى بين وصوليهما؟"
عقدت ليتل ينغ حاجبيها وأجابت: "لم يكن وقتاً طويلاً أبداً. ربّما بقدر ما يستغرقه إراحة حصان وترتيب أمره".
تمتم شيون الغاضب: "المرء يتوقّع أن يتواجه العدّاءان في الطريق إذن. وفوق ذلك... الفاصل الزمني بين إرسال أحدهما لتحذير القرية بشأن قمع السلطات وإعلان الآخر عن أعمال الشغب قصير للغاية".
أومأت ليتل ينغ، وقد ازدادت تعقيدات حاجبيها. فقد لاحظت المشكلة ذاتها في التوقيت.
وقالت: "من المحتمل أن يكون العدّاء الأول قد تأخّر. وربّما لم ترسله عائلته إلّا بعد أن طالتهم التهديدات أنفسهم".
تساءل شيون الغاضب: "وهل أتى العدّاء الثاني من جزء آخر من المدينة حيث اندلعت أعمال الشغب؟"
كان بقية أبنائه قد اقتربوا وأخذوا يستمعون. ويبدو أنّ بعض القرويين فعلوا الشيء نفسه.
سأل شيون الغاضب ليتل ينغ: "ما رأيك؟"
أجابت ابنته: "يبدو لي أنّ إحداث جلبة بين الساواني في مدينة غابة الخيزران قد يكون طعماً جيداً لفخّ ما".
أجاب شيون الغاضب: "هذا ما فكرت فيه أيضاً، وغالباً هو ما تدور حوله فكرة والدتكم".
سألت ليتل ينغ: "لأيّ غرض؟"
ثم تداركت نفسها قائلة: "آه، قرية ترنيمة الأيل هي مسقط رأس الساواني. ولولا اتفاقية الاستسلام، لكانت الإمبراطورية قد تخلّصت منها منذ عقود".
أومأ شيون الغاضب برأسه.
"قد تأمل السلطات في إثارة ردّ فعل تتخذه ذريعة للانتقام".
هزّت ابنته رأسها.
"يا لها من حماقة. إن أرادوا الهجوم فليهاجموا فوراً. هذه الألعاب..."
قاطعها شيون الغاضب قائلاً: "تؤدي غرضاً ما. لا تستخفّي بقوة التبرير. فهو يعزّز موقف طرف ويضعف موقف الآخر".
تفحّصها بنظرة لبرهة.
"المحارب القوي هو من جمع بين الشّدة والدهاء. تذكّري ذلك".
أومأت ليتل ينغ ممتثلة للتوجيه.
"ما العمل إذن؟"
قال: "كلّ هذا مجرّد تخمينات إلى أن نتيقّن من الحقيقة، ولا يصحّ إهانة العائلات المعنية. سيتعين علينا إرسال رسائل إلى وكلائنا في المدينة".
رأى شيون الغاضب أنّ إيشون نجحت في تهدئة غليان غضب القرويين وتحويله إلى غضب مكتوم.
بدأ قائلاً: "سيكون أهل القرية بخير..."
جاء عدّاء آخر صارخاً باتجاه الحشد. وكان هذه المرة أحد صيّادي القرية أنفسهم.
صرخ وهو يلهث: "فرسان الإمبراطورية! قادمون إلى هنا!"
تمتم الحشد وفسحوا الطريق للصياد ليدخل حلقة المتحدثين.
أبلغهم وهو يلهث: "عشرون جندياً، يمتطون الخيول في صفين".
التقت عينا شيون الغاضب بعيني إيشون، فتقاسما هواجسهما بلا كلمات. إن لم ينجح الجزء الأول من الفخّ، فقد يساعده جزء ثانٍ. أمّا إن لم يكن سوى تظافر ظروف غير متناسقة ومصادفات غريبة؟ يا للأسف، لم يحظَ بوقت لتأمّل احتمالية أمر كهذا، إذ أنبأ وقع حوافر خيول الجنود بوصولهم. تأوّه شيون الغاضب عندما تعرّف إلى قائد العشرة المتقدّم الصفوف، فقد سبق له أن حارب إلى جنبه خلال غزو الجزيرة.
لقد استحقّ تاي الوحشي لقبه بجدارة، سواء أثناء الحرب أو بعدها. ولعلّه لم يكن هناك رجل أكثر غروراً بين جنود الإمبراطورية المتمركزين هنا بأسرهم. وكان طاقم النزل يمقتون توقف فرقته لقضاء الليلة، وكانت نساء الطاقم يعرفن جيداً متى يختبئن حتى يرحل هو وجنوده. أمّا بالنسبة إلى شيون الغاضب، فكان تاي الوحشي أقرب لأن يبصق في وجهه من أن يعترف بأنهما كانا يوماً رفقاء سلاح. فقد ارتكب الرجل الضخم العار الأكبر بانضمامه إلى العدو.
همس شيون الغاضب: "ابنتي، ارحلي الآن. ابحثي عن بينغ الشريف والأخ باساو، ثم خذيهما ومعك إخوتك وأخواتك إلى الغابة. وشقّي طريقك عودة إلى النزل عبر الطرق الخلفية".
كانت ليتل ينغ تعبس في وجه تاي الوحشي. فقد أدركت ما يعنيه حضور قائد العشرة غالباً.
همست: "احذر"، ثم توارت عن الأنظار، وأشارت بيدها ليتبعها بقية الأطفال.
عمّ الهدوء الحشد مع اقتراب الجنود. استغلت إيشون الوقت لتختفي داخل الحشد. فلا يمكن السماح برؤيتها وهي تقود الناس هنا. أعظم أسرار العائلة، بأنها إحدى قيادات المقاومة، لا يمكن كشفه.
همس شيون الغاضب: "لقد أرسلت الأطفال إلى البيت، برفقة موظفينا الجدد. يجدر بك الذهاب معهم".
فرفت حاجبيها نحوه.
"وأتركك هنا؟"
أومأ شيون الغاضب نحو الجنود.
"أنا أسترعي الانتباه أكثر من اللازم، وقد رأوني بالفعل. سيلاحظون غيابي".
أحكم قبضته على فأسه.
"لا تقلقي. هذه قرية ترنيمة الأيل — لا يستطيع الجنود إثارة شيء هنا وإلّا خرقوا اتفاقية الاستسلام. وحتى إن تقاتلوا، فلا طاقة لهم بالفوز بفرقة واحدة. والأرجح أنّ هؤلاء الجنود مقصودون كقرابين للعمل الذي سيأتي لاحقاً، لذا امضي أنتِ. سأكون بخير".
أقنع هذا النقاش إيشون، فتسللت هاربة، وانزاح جزء من الثقل الجاثم على قلب شيون الغاضب. لاحظ أنّ عائلته لم تكن الوحيدة التي تعمل على إيمان أفرادها. فقد كان الأطفال يُنقلون مسرعين، وليس إلى منازلهم أيضاً. بل كانوا يُقتادون سراً إلى الغابات المحيطة بالقرية. وما إن وصل موكب الفرسان إلى قاعة القرية، حتى ابتسم تاي الوحشي المتقدّم الصفوف للحشد.
قال ضاحكاً: "انظروا إلى ذلك. لقد تجمّعوا لنا كالأسماك المنتظرة في الشبكة".
تحرك الحشد جانباً مع اقتراب حصانه. وتفرّق الجنود من خلفه، فبادلهم الساواني المثل مصطفّين خلف شيوخ القرية. تنقلت نظرات تاي الوحشي من طرف الصف إلى الآخر، قبل أن تستقر على الشيوخ.
وخاطبهم متعالياً من فوق صهوة حصانه: "أنا هنا بأوامر من قاضي المدينة. لقد شوهد متمرد وشريكه الفار متّجهين في هذا الاتجاه".
تمتم الحشد، وارتجف شيون الغاضب دهشة. أهي مصادفة بعد كل شيء؟ فكر قائلاً: هل أتوا حقاً بسبب بينغ الشريف والأخ باساو فقط؟
نادى تاي الوحشي: "حسناً؟ كفّوا عن الهراء وتحدثوا كما يفعل البشر — أراكم الاثنان أم لا؟"
أجاب الشيوخ بصوت واحد: "لا يوجد متمردون في هذه القرية"، أحدهم بلغة البشر والآخر بلغة الساواني.
قال تاي الوحشي: "هذه كذبة إذن، ولدينا شهادات شهود تثبت ذلك. ستبقى شلتكم هنا بينما نفتش منازلكم ونُجرى التحقيقات".
وأشار بيده نحو قاعة القرية.
"سنستخدم هذا المكان للتنسيق. أيها الهمج، ابتعدوا وشكّلوا صفّاً منظماً لكي نستجوبكم فرداً فرداً".
حتّى ذلك الحين، لم يُعر قائد العشرة وجود شيون الغاضب اهتماماً خاصّاً. وتغيّر ذلك الآن.
ضحك تاي الوحشي مجدداً وقال: "إلّا إن كنتم تظنون أنّ الرجل الضخم هناك قادر على حمايتكم؟ يسرّني أن أراه يحاول".
نادى شيون الغاضب: "أهذا تحدٍّ لمبارزة؟"
ابتسم تاي الوحشي بتهكم.
"أأحصل على زوجتك جائزةً إن قتلتك؟"
أجاب شيون الغاضب: "ما ستناله هو رحلة إلى العالم السفلي".
"هه هه، انظروا إليه".
أشار تاي الوحشي لرجاله كي ينتبهوا.
"ضعوه بين حفنة من الهمج فيتحول إلى تجسيد للشجاعة. ولن يدرك الناظر إليه أنه تخلى عن الشرف ورفقاء السلاح معاً".
بصق شيون الغاضب: "أنت وأمثالك لا شرف لكم".
اضطربت الخيول بقلق تحت الجنود الذين طالهم الإهانة. ورمى قائد العشرة نظرة صارمة على جنوده ليهدّئ من روعهم.
والتفت مجدداً إلى شيون الغاضب ليقول: "أنت لم تتغيّر قط. طباعك الحادة هذه ستقودك إلى حتفك يوماً".
سأل شيون الغاضب: "أهذا تهديد؟"
"أوه نعم، ولكن ليس الآن. فعليّ حقاً واجب يجب أداؤه، وأنت تقف في طريق تحقيقه".
امتلأ رئتا تاي الوحشي ليصيح في الحشد: "قلت ابعدوا! أخلوا الباب واصطفّوا!"
تحدث شيوخ القرية إلى الحشد بصوت واحد: "علينا الانصياع في الوقت الراهن. لا يمكن النيل من كرامتنا على يد من يُدعون بالبشر، لذا أفسحوا لهم الطريق، ولا تدعوا الغضب يقودكم".
تذمّر الحشد، لكنّه بدأ في تنفيذ توجيهات الشيوخ. ثم صدر صهيل مفاجئ من أقصى يمين صف الجنود. كان أحد الجنود يحمل سيفاً ملطخاً بالدماء، وشاب يترنّى ساقطاً على الأرض وقد شقّ نحره. بدا أنّ الجميع توقّفوا — قرويون وجنود على حد سواء. لم استمر الحيرة سوى هنيهة، ليحلّ محلّها الغضب من الجانبين. ركض تاي الوحشي بحصانه نحو الجندي وصفعه بقوة على رأسه.
صاح مطالباً بالإجابة: "ماذا تفعل؟"
أجاب الجندي بالحدة ذاتها: "رأيته يسلّ سكيناً. كان يهمّ بطعن بطن حصاني".
صاح تاي الوحشي: "أأنت أحمق؟ ما فائدة فعل كهذا!"
أدار جواده ليواجه الحشد.
"تراجعوا! قلت تراجعوا! أي مقاومة ستُقابل بالموت، وأعدكم بأنّ أحداً منكم لن ينجو. ستصبح هذه قرية أشباح!"
لكنّ قائد العشرة كان متأخّراً جداً — متأخّراً بأكثر مما ينبغي. فقد أزهق جنوده روحاً داخل حدود أقدس مكان للساواني. وكان هناك سبب يجعل قرية ترنيمة الأيل تتمتع بسلام وازدهار بمعزل عن أي مكان آخر في الجنوب. فقد كانت موقع استسلام الساواني، ونصّت الشروط المتفق عليها صراحةً على عدم وقوع المزيد من المجازر، وعدم ارتكاب الإمبراطورية لأيّ عمليات قتل هنا. اندفع خنزير عملاق شارداً من بين المنازل؛
وانغرزت أنيابه في حصان الجندي الذي قتل القروي. فقذف الوحش الكحيلي جانباً ودهس الرجل الذي هوى من فوق ظهره. انزلت أفعى بعشر خطوات زاحفة من خلف قاعة القرية، والتفت لفترة قصيرة قبل أن تنقضّ على تاي الوحشي. انحنى الرجل متفادياً محاولة العضّ؛ وحرّك جواده ليخلق مسافة بينه وبين حماة القرية. لم يتبقَّ هنا من الساواني سوى الصيّادين. وكان نداء حماة القرية واضحاً، فحملوا أسلحتهم وتتبعوا جنود الإمبراطورية.
كان شيون الغاضب قد تحرّك بالفعل. ومن اللحظة التي رأى فيها السيف الملطخ بالدماء أول مرة، أدرك أن العنف قادم. وخرج الجانب القاتل الكامن فيه من مخبئه وراء دور حارس النزل. انتظر فقط ليرى إلى أين يتجه تاي الوحشي، ثم تحرك لاعتراضه. وسرت طاقة الجوهر وطاقة العنصر الناري داخله. كان تاي الوحشي قد بلغ بدوره عالم تفتح الطاقة. فقد كانت غنائم الحرب سخيةً لجنود مثله. وتشابكت طاقة قائد العشرة لتشكل حاجزاً.
انفجرت ضربة شيون الغاضب إلى الأمام لتخترق السحر والرجل، والحصان أيضاً. وتناثرت أشلاؤهما كليهما متدحرجة على الأرض. أطلق الساواني القريبون صرخات حربهم.
وهتف هائل: "لقد مات الدوق يو! آن الأوان لطرد الإمبراطورية من جزيرة الخضرة البرية!"
التفت شيون الغاضب نحو بقية جنود الإمبراطورية. لقد حان وقت القتل مجدداً.