اليوم 373، الواحدة صباحاً
الطابق الثالث مظلم أيضاً، كحال سائر الطوابق حتى الطابق الخامس والثلاثين بعد المنهك. يسطع ضوء في أسفل درج السُّلم المؤدي إلى الطابق السادس والسبعين. يقول إعادة إن السُّلم سيعمل مجدداً بعد تسع ساعات وست عشرة دقيقة. علينا الإبطاء، لكي تكون مهارتي جاهزة في الطابق الأخير.
قُلْتُ: "أظن أن المعركة الحقيقية تبدأ من هنا".
ابتسمتُ لإدنا.
"لا يزال بإمكانك العودة، يمكنني تولي هذا وحدي".
"ألم تلاحظ كيف أن الزنزانة لم تمنحنا أي صفات في المرة السابقة، رغم إبادتنا لكل تلك الفقاسات؟"
أظن أن تجاهل السؤال طريقة ألطف لقول لا.
"نعم، لاحظت. كنت أخبرك منذ البداية أن هذه اللعبة مُدبَّرة، وأن الدليل يحمل أجندة خاصة، لكنك ظننتِ أنني مجنون".
رفعتْ حاجبها.
"ولستَ مجنوناً؟"
"أنا مجنون، لكنني لا أتعمد الحديث عن هذا، وأنتِ تعلمين".
من الغريب كيف أن الموت معاً يقرب بين الناس. تبدو إدنا فجأة كإنسانة سُويَّة. إنسانة ذات حس فكاهي تالف، لكنها أخلاقية ومستقيمة على الأقل. أتساءل إن كنت ألبي معاييرها.
"هل لديك أي خطط لما بعد انتهائنا من هذا؟"
سؤالي غريب، لكنني أظنه يساعد في رفع المعنويات. سأحاول تحطيم الصدع وهاطريوس بكل ما أوتيت من قوة، لكنني لست متفائلاً تماماً بشأن فرَصي. فُرَصِنا.
قالت وهي تهز كتفيها: "لا أعرف".
"كنت أفكر في إصلاح ما يمكن إصلاحه في هذا العالم. تحتوي الكتب في مكتبة هاطريوس على الكثير من المعلومات حول شكل العالم قبل أن تبدأ الحشرات العملاقة في الاجتياح عبر الريف".
"يمكنني إرشادك إلى الكتب المناسبة، إن أردتِ".
وصلنا إلى أسفل السُّلم، وانطلقت نحونا ستة مجسات تنتهي بإبر لاسعة. لوحت إدنا بيدها وأكلتها موجة من النيران، محولة إياها إلى رماد قبل أن تبلغنا. أتبعت ذلك بأم الصواعق، عمود من الكهرباء البنفسجية صعق الوحش حتى المات، مفجراً فجوة في كتلته العملاقة.
كذبتُ على إدنا: "هذه أجدى".
كان التراجع عن التطور أجدى، لكنه أبطأ أيضاً، ومع اقتراب ذلك الكائن القديم البشع، لا أُريد المخاطرة بحياتنا في سبيل جزء يسير من المانا. خطوت إلى الغرفة الخالية، وانطفأت أنوارها بالكامل، ولم يلتقط الماسح شيئاً، حين لاحظت هبة ريح مفاجئة في آخر لحظة ممكنة. لوحت بيدها إلى اليمين، مرسلاً دفقة من النيران المتفتتة نحو المهاجم، ومحرقاً نصلاً قشرياً. أصاب خاصرتي، لكن السحر أدى فعله لحسن الحظ، وانفجر الطرف المسنن إلى غبار ورماد.
"لقد أصبحوا أذكى".
ربتُّ الغبار عن زي خدمتي.
"صار الماسح عبئاً. استخدمي سحراً للإدراك، سحراً يساعدك على الرؤية في الظلام ويجعل سمعك أرهف دون تحويل جسدك".
وفي غضون ذلك، حشدتُ المانَا خاصتي. ما أردتُ منها فعله هو محاكاة حس الخطر، وتوفير رؤية الأشعة السينية، والرؤية الحرارية، والسماح لي بالسماع خارج نطاق السمع البشري المعتاد.
"تأكدي من ألا تكون عيناك وأذناك شديدي الحساسية، فقد يعيقك ذلك في المعركة عند وقوع أصوات عالية ووميض ساطع".
استغرقت وقتاً أطول بكثير مما يحتاجه فحص بقية الطابق، ووجدت أن الكائنات القديمة البشعة قد مشطته بالكامل. بعد عشرين دقيقة، أكدتُ ما كنت أعرفه مسبقاً — لا أثر لشفرة عشب، أو براعم شجيرات أو أشجار في الأفق، ولا علامات للفقاسات.
أعلنتُ النتيجة المنطقية: "أكلوا الفقاسات كي يتطوروا".
ناظراً إلى تأخير هبوطنا بطريقة لا تجدها تلك الكائنات الغريبة مريبة.
"يمكننا توقع كائنين قديمين بشعين في كل طابق من الآن فصاعداً، وثلاثة بدءاً من الطابق التسعين فصاعداً. أعيدي تعبئة ماناك، وسأوازن جهدي لأخوض كل القتال دون استهلاك الكثير من ماناي".
كنت أود التحقق من شكل حشرة القاتل، لكنها تفتتت إلى رماد حين ضربتني. لم ألمح حتى لمحة منها، باستثناء النصل المسنن الذي هاجمتني به. ربما كان ذلك الطرف عائداً لفرس النبي، أو شيئاً مشابهاً، مثل ذبابة فرس النبي. وعلى أي حال، توجهنا نحو الطابق التالي بحذر؛ إن استغل هاطريوس الفرصة لتطوير كائن قديم بشع جديد، لربما خلق شيئاً يمكنه التربص في بيوت السلالم، لذا أبقيت عيني مفتوحتين.
الأمور تسير على ما يرام حتى الآن، ووصلنا إلى القاع. تماماً مثل المرة السابقة، طعنت الإبر اللاسعة نحونا، وحصلت هذه المرة على نظرة قريبة تكفي ليخبرني نظام الدفاع البيولوجي بخصائصها. سبعون بالمئة مانا خضراء، عشرة بالمئة مانا بنية، عشرة بالمئة مانا سوداء، خمسة بالمئة مانا برتقالية، خمسة بالمئة مانا بنفسجية، المكونات الأساسية - عشرون بالمئة عقرب ظل، أربعون بالمئة أُكْتُوب مُسَنَّن، عشرة بالمئة جندب عادي، وثلاثون بالمئة روبيان ملاكم.
انفجر الكائن البشع إلى رماد في أعقاب موجة نيراني، ومرة أخرى، لم يتسنَ لنا رؤية الكثير متجاوزين الإبر. ركَّزت رؤية الأشعة السينية على حافة المدخل، لكن الصخور حجبت نظري. اقتربت ببطء، حين أرسل إليَّ حس الخطر المصطنع رؤية لنصل أسود مسنن يخرق قلبي. كان الأثر فظيعاً وفصل عقلي عن جسدي. تراجعت مترنحاً، وشق المخلب صدري، ضارباً ومكسراً الأضلاع، ورددت التحية بموجة نيرانية.
مات الكائن البشع، وكنت في عذاب شديد، لكن خيطاً من المانا، وقصداً مُركَّزاً بشكل صحيح رتقاني فوراً. لا عجب في أن سادة الدود كانوا خالدين، فمجرد بذل طفيف لإرادتي يكاد يعيدني من الموت. ربما كان ليفعل، لو لم يكن موتي حتمياً تماماً في تدمير جثتي وكل ما حولها تدميراً تاماً. تماطلت في هذا الطابق أيضاً، وكررت العملية، دون التعرض لإصابة ثلاث مرات أخرى. ومرة أخرى، بدت المسألة برمتها كحلقة إعادة، وتساءلت عما إذا كان العاديون يعانون من تلك المشكلة.
"أيها الإدنا، هل تمانعين أن أطرح سؤالاً مجنوناً؟"
أشارت لي بذقنها كي أتابع.
"هل يراودك ذلك الشعور بأن الأشياء نفسها تحدث مراراً وتكراراً؟"
"تقصد مثل خوضك القتال ذاته مراراً وتكراراً طابقاً تلو طابق؟"
أومأت.
"إنه ليس شعوراً، الفخاخ متطابقة تماماً. إما أنهم يحاولون تبليد حواسنا أو أنهم عاجزون عن التفكير التكتيكي".
أظن الاحتمال الأخير واردأ. الملوك الخارجية، التي تخاطبني كملك شبه ضئيل، لا تحتاج حقاً لتخطيط المناوشات بين البشر، لكن الأفضل هو الاشتباه في أنهم يدبرون كميناً. هبطنا طابقين آخرين مواجهين هجمات متطابقة، ونحن في طريقنا إلى الثالث والثمانين. إن استمرت الأمور على هذا المنوال، سنواجه هاطريوس مجدداً في أقل من ست ساعات بقليل. وكما هو متوقع، أحرقت مجسات الإبر حتى الصميم، ثم فتت حشرة القاتل.
دخلت الغرفة، ناظراً يميناً ويساراً، الطابق خالٍ. خطوت خطوة أخرى، وضربتني رؤية أخرى — زوبعة من الأطراف المسننة تمزقني إرباً. سقطت على الأرض، ناشراً نبضة تراجع في كل مكان حولي، وسقط اثنان من حشرات القاتل على الأرض، تتخبطان وتتقشران وهما تتحللان. غاص نصل حقود في فخذي، فاتحاً جرحاً هائلاً، وضرب آخر ظهري، وتلك الكائنات البشعة اللعين تضربني في سكرات موتها. نسيت فحص السُّقف اللعين.
تصاعد الغضب داخلي، وانفعل الغضب. انقلب العالم سواداً قبل أن أتمكن من رتق نفسي.
"استيقظ"، هزني أحدهم، وخشيت أن أكون غارقاً في حلقة موت أخرى، لكن عقلي المذعور تميَّز صوت إدنا.
فتحت عيني ونظرت إليها. العالم شديد العحدم، لكنني استطعت تمييز شكلها بفضل حدس الظلام الأولي. تلك هي المرة الأولى التي تفعل فيها المهارة شيئاً مفيداً.
"ما الذي حدث؟"
ألقيت سحر الإدراك مجدداً، لقد أنقذتني تلك الرؤية المستقبلية حياتي للتو.
"كنت على وشك سؤالك الشيء نفسه. قطّعك الوحوش، لكن الأمر لم يكن سيئاً لهذه الدرجة. ثم، بدلاً من علاج نفسك، مزقت سروالك، وربطت فخذك بعصبة، وخلدت إلى النوم. ما اللعنة؟"
هاه. يفعل الغضب ما يلزم لإبقائي حياً في أي موقف معين. عادة ما يكون ذلك بالقتال وقتل من يهاجمونني، لكنني أظن أنه في بعض الأحيان، يكتفي بإيقاف النزف ويخلد إلى النوم لتعظيم الشفاء وتقليل معدل ضربات القلب.
"مهارة أخرى لي، لكنها أخطأت الهدف هذه المرة".
نظرت إلى فخذي، وكان سليماً تماماً.
"لا تقلق. لقد عالجتك بينما كنت نائماً".
نهضت ومددت جسدي، فلا أثر للإصابات البالغة التي عانيت منها للتو. هل تعني بنيتي الجسدية العالية أنه يمكنني ببساطة تجاهل الجروح حتى يلتئم جسدي بشكل طبيعي؟ سيكون ذلك مضحكاً حقاً. إلى أي مدى يجب أن ترتفع بنية المرء ليتجدد ما فقد من الأطراف؟ سؤال جيد، شيء ينبغي لي اختباره في حلقة مستقبلية، بمجرد أن أصطفف عدة فئات وأرسم شروط ترقيتها لتكون سهلة الإنجاز في أسبوعين.
سألتْ إدنا، والقلق يبدو جلياً على صوتك بسبب صمتي: "هل أنت مستعد للطابق التالي؟"
"نجل، لنذهب، لدينا كبير سحرة قديم لنقتله وأهوال غريبة لننفيه".