اليوم ۱۰٦، ۷:۳۰ صباحاً
تسحب قوة خفيّة سموطاً بحجم ساعدي من البركة وتضعه فوق العنكبوت الشلّاح المشلول الذي التقطناه في طريقنا. تغنّي إدنا أُهشودة بلا كلمات لشجرتين التحمتا وهما تنموان متجاورَتين، ويبدو المشهد الآخر أكثر صراحة، ليذكّرني مرّة أخرى بماني، وبالبهجات التي تقاسمناها، وبكل ما فقدته. تختلف هذه الأُهشودة عن تلك التي غنّتها سابقاً حين دمجت عنكبوتين. أكبتُ المشاهد النابضة وأركز على اندماج العنكبوت والسمكة.
في المرة السابقة، استخدَمت رقية إدنا مانا خضراء وانتهى الأمر، لكن هذه المرة تبدو مختلفة تماماً. أغلب المانا المتدفّقة في المخلوقين هي خضراء الحياة، غير أن هناك تيارات من الأصفر والأزرق، ولمسة من البرتقالي. الفوضى والجبن، والنظام والشجاعة، وكان من المفترض أن تكون البرتقالية للنجوم. لا علاقة لأي من هذا بالسمكة والعنكبوت. أُمعن النظر فيما أراه بينما يندمج المخلوقان في عرض سحري بشع.
يمكن تفسير الفوضى والنظام، إدنا تزعزع استقرار شكلين من الحياة وتعيد ترتيبهما في شكل واحد، فهل ظهر اللون البرتقالي بسبب علم الفلك الذي لا أستوعبه؟ أنا رجل كثير القراءة، وأعرف ما تفعله المفاهيم المعنية بشكل أفضل من إدنا، لكن قوة النجوم تبدو في غير محلّها هنا. يتساقط العرق على وجه إدنا، وترتجف يداها، ويهتز صوتها، لكنها تمضي قدماً، ويتقدم الاندماج. أصبحت للسمكة الآن أرجل عنكبوت ثمان مشعرة.
تنبت العيون على رأسها، وتنبت شعيرات قصيرة بين حراشفها. يظل العنكبوت ذابلاً، ويتحول فم السمكة إلى كلّابات، وهي كلمة لم أكن أعرف وجودها قط قبل قراءة حزمة من الموسوعات في مكتبة هادريوس. أراقب إدنا وهي تنفق كل المانا الخضراء في جسدها، وتشرع في استبدالها بألوان أخرى. تُفرغ نفسها ببطء، صامّةً كل ما تملكه في الرقية. يتلوى المخلوق ويتخبط بينما تنهار إدنا. أهوي بباتسي على المسكين، مضعاً حداً لعذابه، وأنظر إلى صديقتي.
ها؟ صديقة؟ فكرة غريبة، لكنني أظنها أصبحت كذلك. أضمها إلى ذراعيَّ، ويخبرني الماسح أنها مرهقة، وقد تبقّى أقل من خمس ماناها. أسمح لقليل من مانا الخاصّة بي بالتدفق فيها، وهي حيلة تعلمتها في المكتبة. يشرب جسدها فاقد الوعي ذلك بنَهَم، وبعد أن أعطيها نصف ما أملكه أتوقف عن النقل.
"كيف فعلت ذلك؟"
تسأل، فقد كانت واعية طوال الوقت تقريباً، وتتفحص ما كنت أفعله.
"هناك كتاب في المكتبة يشرح كيفية تقديم الاسعافات الأولية للمصابين والمستنزفي المانا. وكانت هذه التقنية من بين ما ناقشه. والآن، كيف حال ترقيتك؟"
تطرف عينا إدنا، وتبتسم.
"رئيسة سحرة، مسار الحياة، المستوى صفر."
يتسع ابتسامتها أكثر.
"مهارات جديدة، سعة المانا العظمى وخبرة سحر الحياة. الأولى تقول إنها تزيد احتياطي المانا لدي بشكل كبير، والأخيرة تزيد كفاءة رقى الحياة بشكل كبير."
تشرع إدنا في الضحك مثل شريرة مجنونة.
"أنا أول رئيسة سحرة منذ أكثر من ألف عام!"
تمسح المطر عن وجهها وتحدق في عييني مثل تلميذة مشدوهة بالحب.
"شكراً لك، هذا ألطف شيء فعله أي شخص لي على الإطلاق."
يتيبس جسدي.
"ما علاقتك بالتفتيش والكنيسة؟"
تسأل.
"لقد قتلت أربعين مفتشاً وقسيسين اثنين،"
يتحرك فمي من تلقاء نفسه.
"أنا لا أكرهم، ولا أعبأ بهم، ولكن من الأفضل تدميرهم إن استمروا في إزعاجي."
هل تواصلتَ مع بلانت للتو؟ لا، أنا ببساطة تحت تأثير رقية إكراه، وقد انفصل فمي عن تفكيري الواعي. أريد أن أنتابني الذعر، وينبغي لقلبي أن يتسابق، لكن جميع الأعضاء تعمل بشكل طبيعي، ويُفرض عليّ هدوء قسري.
"أتريد لي أي أذى؟"
"لا، ولكن قد يتغير ذلك بعد هذه الإساءة. سأقتل كل من يخونني."
"لا تقلق، ستنسى هذه المحادثة، وأنا لا أخونك، بل أتأكد من أنك لا تخونني. ألديك أي خطط لإساءة معاملتي أو إساءة ثقتي؟"
"لا. أريد أن أتعلم منك قدر الإاستطاعة، ولكن نظراً لقلة تفكيرك في العالم الطبيعي والعجائب المحيطة بك، أخشى أنه لا يوجد الكثير لأتعلمه، باستثناء بعض الرقى."
تعبس إدنا.
"كيف عثرت على يوميات هادريوس؟"
"لقد اهتممت بالرموز والعناصر المسحورة أثناء قراءة الكتب، وبصراحة شعرت بالملل الشديد من القراءة، لذا تحققت من كيفية عمل بعض العناصر السحرية."
أجهد نفسي مقاومة للرقية، ويتجهم وجهي بينما أناضل للسيطرة على لساني.
"أطلق سراحي يا إدنا،"
أتمتم الكلمات بكسل.
"أنا أغضب، وعندما أغضب، أقتل ثلاثين مفتشاً بعصا كبيرة."
تومض التروي في عينيها لحظة، وتزول الرقية.
"إياك أن تفعل ذلك مرة أخرى."
أرمقها بنظرة حارقة، ماسحاً اللعاب من زاوية فمي بيد، وممشراً بإصبع نحو أنفها باليد الأخرى.
"سأقتلك، وليست هذه تهديداً فارغاً."
تصارع كيلا تضحك، تلك اللعانة الغبية، لكنها تهدأ مرة أخرى.
"أنا أعتذر، لكن كان عليّ التأكد من أنك لست عميلاً يسعى لهلاكي."
"وتظن أنني أسعى لهلاكك بمساعدتك على أن تصبح أقوى ساحرة في العالم؟"
"أعلم أن الأمر يبدو مستبعداً، لكني عشت أحداثاً متعددة لم أؤمن قط بوقوعها."
تبتسم لي، ولا يسعني إلا أن أطابق الصورة مع صورة رجل مشبوه يوزع الحلوى في حديقة عامة.
"يمكنني تحسين جسدك الآن، إن كنت مهتماً."
أهز رأسي، وبالكاد أضع عرضها في الاعتبار. من يدري ما قد تفعل بي، بخلاف تحسين جسدي.
"سأفعل ذلك بنفسي بمجرد أن أصبح رئيسة سحرة."
يتراجع التوتر ببطء. ما زلت أفكر في قتل إدنا. قيمتها مشكوك فيها، وقد سحق هذا الانتهاك أشهر الثقة التي بنيناها. أحاول النظر إلى الأمر من وجهة نظرها. لا يمكنني أن أنكر أنني فعلت أشياء تتعارض مع رغباتها، مستغلاً الموقف. لم ترغب إدنا قط في أكثر من شخصين في مجموعتها، ولم ترغب أيضاً في إضاعة الوقت في تدريب الفتيات اللائي اعتبرتهن عبئاً. تزحف قشعريرة في جسدي، وأهز عضلاتي المتشنجة.
لقد أحدثت الرقية القصيرة أثراً بالغاً فيَّ حقاً.
"هل هناك أي شيء آخر تريد مناقشته؟"
أسأل، فتهز رأسها.
"أتظن أنك قادر على مواجهة المفتشين كما أنت الآن؟"
"لا أعتقد أنني أستطيع التعامل مع ثلاثين، إن كان هذا ما تسأل عنه، لكن لدي أفكار معينة — أفكار استخدمها أجدادي لقتال ملوك الدود، لكن ما كان لأي ساحر معاصر أن يكررها."
أنتظر منها أن توضح، لكنها لا تفعل. تحدق في الأفق، متعالية، رافعة رأسها بغطرسة.
"عُد إلى المنزل. لدي الكثير من الأمور لأقوم بها، وسأحتاج إلى التركيز."
أستدير وأغادر من دون كلمة. لقد تغيرت إدنا في لمح البصر. أكانت هكذا دائماً، وحطمت القوة المفاجئة القيود التي كبلت أعمق رغباتها، أم أن طبقة رئيسة السحرة نفسها غيرتها؟ أأعيد الكرة؟ اليوم المئة وستة، الدقيقة العاشرة بعد الرابعة صباحاً؛ لدي أسبوعان لأخذ كل شيء في الاعتبار. إن شعرت بالتهديد من إدنا، فسأعيد الكرة وأطعنها في قلبها بينما نناقش اليوميات في المطبخ. اللعنة. اعتبرتها صديقة قبل أقل من نصف ساعة، والآن أنا أحاك التدابير لقتلها.
لماذا العالم همجي هكذا والبشر غير منطقيين هكذا؟ لدينا عدو مشترك، وهدف مشترك، ومع ذلك فإن أول ما فعلته عندما منحتها القوة كان انتهاكي. الحياة معقدة للغاية. لقد شفتني، وأعادت ربط ذراعي، ومنحتني القدرة على استخدام ساقيَّ. وماذا بعد؟ في الإعادة القادمة، نجلس على الطاولة، أشكرها على شفاء جروحي ثم أطعنها في قلبها بلا سبب ولا مبرر. أرتجف. لا، لن أفعل ذلك. لا يمكنني فعل ذلك.
إنه باب آخر يؤدي إلى الجنون، فخ آخر صنعه ملك الموت اللعين لأجلي. موت لا ينتهي وتآكل لا ينتهي لكل ما يجعلني بشراً. اللعنة عليك يا ملك الموت بلا اسم، واللعنة عليك أنت أيضاً يا إدنا، إن خنتني، لكنني لن أقتلك وأنت بريئة. بمجرد أن تقتليني، بمجرد أن تثبتي نفسك خائنة لا قيمة لها، حينها فقط أنهي حياتك. أريد أن أثمل، وأن أضرب رأسي بالحائط، وأن أنام، أو أفعل أي شيء يزيل لسعة التفكير الواعي.
لقد بدأت الاهتمام بها، وهذه هي الطريقة التي تكافئني بها. نفس عميق، دخول وخروج. هي ما هي عليه. وأنا ما أنا عليه. ومستقبلنا هو ما هو عليه. بلا خجل، أكذب على الباب الساذج، مخبراً إياه أنني اشتريت تذكرة، وأمشي إلى بهو المدخل المتقاطع. أتمنى لو كانت الحياة سوداء بيضاء مثل هذه البلاطات.