اليوم الثامن والثلاثون، الثامنة وخمسون دقيقة مساءً
وصلت إلى لوسي وجيلا، وإدنا غائبة عن الوعي بين ذراعيّ. كانت الفتاتان قد أوقدتا ناراً، وفي ضوئها تنتظران قدومي بقلق.
حين بدأت رحلتي في "إيفَررين"
بعد أن اختطفتني ساحرةٌ ظُنَّ أنها مجنونة، لم أتوقع أبداً مآلاً كهذا. يبدو الأمر كقصة من حكايات الألمان الشعبية؛ أقتاد فتياتٍ بعيداً عن ديارهن، وأحمل ساحرةً بين يديّ، ولا ينقصنا سوى عنزةٍ أو حمارٍ يرقص.
وبالنظر إلى كائنات "إيفَررين"، ربما يجدر بي الاكتفاء بيرقةٍ سمينةٍ شهية أو يسروعٍ ناعم الأشواك ليكون تابعاً شيطانياً.
خطوتُ نحو الضوء ببطء. كان البرتقالي الضارب إلى الحمرة يتراقص، جاعلاً ألوان الزيتون التي تكسو وجه إدنا تبدو أكثر غرابة.
سألت لوسي، وجيلا تختبئ خلفها: "من هذه؟"
أجبت: "الساحرة التي كان المحققون يحرقونها."
شحب وجه الفتاتين وتراجعتا إلى الوراء.
"احذري."
قفزتُ نحوهما، محتفظاً بإدنا بقوة، وأمسكتُ بجيلا قبل أن تطأ النار.
"كاد يحرقكِ اللهب. إنقاذ امرأة واحدة من النار يكفي لليلة واحدة."
لم ترَ الفتاتان في كلامي طرافة، لكن سخرية الموقف لم تغب عني. أريد تحويلهما إلى ساحرتين، وهو ما سيجعلهما مستحقتين للحرق على أيدي بقية حضارتهما. لا تزال الفتاتان ترتجفان رعباً من إدنا، ومني تبعاً لذلك. أول ما عليّ فعله هو جعلهما تسترخيان وتسمعان، ثم اتخاذ قرارٍ واعٍ.
دفعتُ بجسد إدنا المكدوم والمضرّج بالدماء نحوهما وقلت: "انظرا إليها. هل تبدو هذه المرأة مخلوقاً من الظلام؟ كنت أقتل المسوخ معها على أطراف الأراضي الملوثة قبل أيامٍ فحسب. لماذا تفعل مساعدةُ أسياد الديدان ذلك؟ أتبدو خطرة؟"
لحسن الحظ، إدنا في حالتها المزرية تلك، وإلا لبدت خطرةً للغاية، أخطر بكثير من المسوخ التي قد تلتهم الفتاتين حيتين قبل أن ترمشا.
"اسمعا، لم أكذب عليكما. ما أريده هو منحكما حياةً تمتلكان فيها زمام أمركما. أريدكما أن تحظيا بخياراتٍ تتجاوز طاعة الأوامر، حيث أكبر طموحٍ في الحياة هو الزواج من أحمق يشبه فِرِد."
نظرتُ في عيني كلتيهما.
"لكن لا يمكنني بضميرٍ مرتاحٍ ترك امرأة بريئة تموت لمجرد أن أحدهم يدّعي شرّها دون دليل. كانت تعيش وحدها في الغابة لسنوات، يا للهول. كانت تزرع الأعشاب الطبية والطعام لمقايضته مع المحتاجين. أي تهديدٍ قد تشكّله؟"
حان وقت أفضل حجةٍ وجدتها.
"وإن كانت بهذا القدر من الخطورة، لماذا انتظر المحققون موعد إعدامها؟ ولماذا سمحوا للعامة بالمشاهدة؟ الخطرون يموتون في القتال، لا يُساقون كما يشاء الآخرون."
سألت لوسي، وقد بدأ عقلها يستوعب الموقف وربما يخمّن بعض الأمور: "كيف أنقذتها؟"
"قتلتُ الكاهن والمحققين، وأجبرتُ الحراس على الفرار إلى ديارهم قبل أن أخلّصها من النار."
صار وجه جيلا شاحباً، لا أثر لدمٍ يجري فيه.
تمتمت: "لقد هلكنا. سيطاردوننا ويحرقوننا على الخازوق."
أظنها تبالغ. لا سبيل لأحدٍ أن يعرف هويتي، ولا أنني على صلةٍ بالفتاتين. لو شاهدتاني لكان الأمر مختلفاً، للاحظ أحدهم معرفتهما بي، لكن يمكنني استغلال خوف جيلا.
"هذا يثبت ادعائي بأنهم يحرقون الأبرياء. على أية حال، أظن أن بإمكانكما العودة إلى المنزل الآن، والادعاء بأنكما ضللتا الطريق في خضم الفوضى. لا أحد يستطيع الجزم بمن كان هناك ومن لم يكن."
حدقت جيلا فيّ وهي تجزّ على أسنانها لتهدئ من روعها قبل أن تخرج بقية الكلمات: "غريف، كيف يضلُّ المرء طريقه في مسافة نصف ميلٍ في خطٍ مستقيم وسط حقلٍ مكشوف؟ أخبرني، أي عذرٍ لديّ لتأخري ساعتين إضافيتين؟"
استمرت في الكلام قبل أن أتمكن من الرد، وارتفع نبرتها وازدادت حدة: "وحتى لو كان لديك الرد الأمثل والمنطقي، سأضطر لقوله أمام محققين يرون روحك حين تتحدث إليهم. وسأضطر لمحادثتهم! لأنهم سيشكون بي. وسيكونون محقين، فقد رُئيتُ وتلقيتُ مساعدةً من شخصٍ قتل كاهناً ومجموعة محققين. كيف تفعل ذلك أصلاً؟ ما الذي دفعك للتفكير بهذا؟"
صار جلدها مرقّطاً مجدداً مع تدفق الدم إلى وجهها من أثر الصراخ.
أنا متيقنٌ أنها لا تريد إجابةً حقيقية، ولا تريد -ولا تحتاج- أن تعرف عن نظام "بي إس دي"
الذي يخبرني بضرورة إنقاذ شخصٍ مثل إدنا من موقفٍ يضرّني تماماً. وحتى بعد النجاح في المحاولة الأولى، فالعواقب وخيمة. العالم بأسره سيلاحقني. لهذا أحتاج إلى عيونٍ إضافية وعقولٍ إضافية. أشخاصٍ لا يفكرون كغريبٍ مثلي، أو كساحرةٍ نصف مجنونة تسكن الغابة وتحدث الرخويات. تفتقر إدنا وأنا بشدة إلى منظور الشخص العادي، كجيلا، التي تؤمن بأن المحققين قادرون على رؤية روحها.
"هل يعني هذا أنكِ تريدين العودة إلى المنزل؟ لأنني لن أهددكِ ولن أمنعكِ."
صرخت: "أأنت أصم يا غريف؟ قلتُ للتو إنني لا أستطيع العودة! سيعذبونني ويحرقونني حية، ولا فكرة لديّ كيف أنجو خارج الأسوار. خياراتي هي الحرق حية، أو الموت جوعاً، أو الموت بمرضٍ ما، أو الانضمام إليك."
"أتعتقدين أن الانضمام إليّ أسوأ من البقاء في المنزل مع ما يجري؟"
حافظت على نبرةٍ هادئة، وفضوليّ حقاً لما ستقوله. أربكها السؤال.
حدقت بي محاولةً قول "نعم"، لكن في الحقيقة، بالنسبة لجيلا، كان لا بد أن يكون سرقة والديها لغنائم الزنزانة التي كدّت في جمعها أمراً يثير الجنون.
كانت على بعد خطوةٍ من حلمها، ثم سرقاه منها بوحشية. حرفياً. بما أنها صمتت، واصلتُ النهج العقلاني، مائلاً نحو الودّ.
"حسناً، وهل كان لديك هذا الصباح خياراتٌ أفضل مما أعرضه عليكِ الآن؟ هل أسأتُ معاملتكِ حتى الآن؟ هل أخذتُ منكِ شيئاً أو سرقته أو حتى منعتكِ منه؟"
"تباً لك يا غريف! الأمر لا يتعلق بما هو أفضل أو أسوأ، لقد انتهيت! لم تترك لي خياراً!"
صمتت لوسي، تراقب جدال الصراخ من طرفٍ واحد. بعض الناس لا يستجيبون للخطاب العقلاني، وهدوء الطرف الآخر لا يزيدهم إلا غضباً، لذا أظن أن عليّ تغيير أسلوبي. أخذت نفساً عميقاً، متظاهراً بالانفعال، وبدأت أصرخ بدوري.
"لم يكن لديّ خيارٌ أيضاً! حسناً؟ ماذا كان بوسعي أن أفعل غير ذلك؟ هل أقول لكِ: 'مرحباً جيلا، سأذهب لقتل أحد عشر شخصاً لتحرير امرأةٍ يتهمونها زوراً بالساحرة. هل تريدين الهرب معي؟'"
لا أحب الصراخ العقيم. هو عقيمٌ أولاً، وهو تمثيلية أمارس فيها كاريزماتي لإقناعهما، وهو أمرٌ لا يريحني. كنت أفضل أن تقررا اتباي طواعية، دون أن أجبرهما.
"أخبريني يا جيلا، ماذا كنتِ ستفعلين؟ ماذا كان عليّ أن أفعل لو رفضتِ وذهبتِ للمحققين؟ ماذا كان سيحل بكِ لو ذهبتِ إليهم؟"
انكسرت حدة جيلا. إنها شخصية حذرة، اعتادت دوماً توقع الأسوأ، ومع رؤية وضع عائلتها، أفهم السبب. لكنني الآن أجعلها تتخيل سيناريوهات لما كان سيحدث لو واجهت المحققين بمثل هذا الادعاء، وأرى التروس تدور في عقلها، مستنتجةً أن كل الطرق تؤدي إلى المحرقة. لذا، ضغطتُ على مخاوفها.
"حتى لو لم أقل لكِ شيئاً، لكنهم اكتشفوا أننا رفقاء، ماذا تظنين كان سيحدث؟"
المحرقة. إنها تشتعل في ذهنها.
"جيلا، ذهبتُ لأنقذ امرأةً بريئة."
وهي تقنياً ساحرة وعدوةٌ لدودة للكنيسة. لكن لا داعي لذكر ذلك. بدلاً من ذلك، دققتُ المسمار الأخير.
"جيلا، لو كنتِ أنتِ على تلك المحرقة، بريئةً، لكنت قتلتُ هؤلاء المحققين من أجلكِ. لكنتُ أقمتُ الدنيا ولم أقعدها لإنقاذكِ."
انكسرت جيلا، وزال كل قتالها.
التفتُّ نحو المرأة الأخرى التي احمرّ وجنتاها: "كنتُ سأفعل ذلك من أجلكِ أيضاً يا لوسي."
طريقة تصرفها، ونظراتها لي، أعرف أنها معجبة. كانت ستتبعني حتى لو رحلت جيلا. لست متأكداً مما عليّ فعله حيال ذلك. استدراجها سيء، ورفضها صراحةً سيءٌ أيضاً، ومضاجعتها أسوأ. في الوقت الحالي، الخيار الأفضل هو التظاهر بالجهل، وإجراء حديثٍ جادٍ معها حين تتقن بعض السحر وتملك سبباً أكثر رسوخاً للبقاء مع المجموعة. الفتاة غافلةٌ عن أفكاري. تنظر إليّ بعيونٍ محبة ووجنتين ملوّنتين بالأحمر وهي تومئ.
قالت بيقينٍ يفوق ما أشعر به: "أعرف."
كانت إدنا تملك ميزة كونها معلمتي في السحر، وشرط رفع المستوى الخاص بـ "بي إس دي"
كان في صفها. لكن حال لوسي الآن، بعيونها الغارقة في الإعجاب، واستعدادها لاتباعي حتى القبر، يجب أن أعترف أنني ربما أخاطر بكل شيء لإنقاذها.
فعلتُها مرةً باستخدام "إعادة"، وربما أفعلها مجدداً.
وهو أمرٌ مؤسف، لأن ذلك يعني أنني سأضطر على الأرجح لقتل نفسي في وقتٍ ما في المستقبل لأبقي الثلاثة على قيد الحياة. ستلاحقنا أمةٌ بأكملها، وفي النهاية، سيلحقون بنا بقوةٍ ساحقةٍ تجعلني مضطراً للغش.