اليوم الخامس، الساعة 5:10 مساء
أستثمر نقطة المهارة الحرّة في القوة رافعاً إياها إلى سبع عشرة، وأتفقد شرط الارتقاء التالي. الحصول على إتقان مبدئي بخصائص خمسة أسلحة؟ أمر سهل ومزعج. لو أنني أمتلك فأساً فحسب عوضاً عن هراوة شبيهة بالفأس. أمد يدي إلى فريد وأساعده على النهوض.
أقول: "أعني ما أقول حقاً، لقد كان قتالاً جيداً. وأنت أيضاً يا لوسي".
تحمرّ وجنتا الفتاة إطراءً وتومئ برأسها صعوداً وهبوطاً.
"كونت فكرة عن مهاراتكم وأدرك ما يمكن توقعه في القتال".
يغرينا أن نطلب بكل بساطة من جيلا الابتعاد عن طريقنا وترك القتال لنا، لكن هذا لن يكون منصفاً. سيكون قراراً ذكياً وأكثر أماناً لها، بيد أنه قد يثير تساؤلات حول تقاسم الموارد التي نعثر عليها، وما إذا كان حرياً بنا إعادتها إلى منزلها، وهو ما ينبغي لنا فعله بالتأكيد، ومواضيع سامة أخرى كثيرة يفضل السكوت عنها إن أردتم للجميع العمل بتناغم. ماذا لو ماتت؟ أطرد الفكرة من رأسي، فقد أوضحت إدنا مستويات الخطر في الأبراج المحصنة، وحتى نبلغ المستوى الثلاثين، لا يوجد هنا ما هو أخطَر مني.
"كيف تشعرين؟ هل أنت مستعدة لاستكشافنا الأول؟ يفترض أن يكون الطابق الأول بسيطاً، يزخر بنزر يسير من الوحوش الضعيفة".
تبدو جيلا الأكثر حماسة، فهي تقفز في مكانها متأهبة للتحرك، بينما يلتقط فريد أنفاسه بصعوبة وتتأمل لوسي هراوتها بينما يتسابق الدماء في وجنتيها ليصبغهما بلون رخامي أحمر.
تسأل قائلة: "أتستطيع تعليمي كيف أقاتل مثلك؟"، فيومئ فريد برأسه.
أجل، لكن ليس من دون أن أغرق عقوداً في ذلك.
يبدأ بلونت قائلاً: "أجل"، فأطبق فمي قبل أن ينهي فكرتي.
المهارة مفيدة، لكن تفوهي بأفكاري هكذا عفوياً في أوقات عشوائية يظل مزعجاً بقدر ما كان دائماً.
أردف ما إن تيقنت من سيطرتي على فمي: "لكن الأمر سيستغرق وقتاً، وعليك استثمار الكثير من الدماء والعرق والدموع فيه".
يقول فريد: "سأفعل كل ما يتطلبه الأمر"، وأخال أنني أستطيع تعليم الصغار بعض أساسيات القتال بينما نستكشف البرج المحصن معاً، فنحن ملزمون بالمكوث هنا لأيام عدة على أي حال.
"بالتأكيد. يمكننا أن نبدأ بقتالك للوحوش إلى أن تصبح أصعب من أن تحتملها".
تنكمش جيلا. تنضم كتفاها وتتخذ وضعية منحنية قليلاً كأنها على وشك التكور. وفي هذه الأثناء يغمر الحماس الاثنين الآخرين.
"لن أفرض على أحد شيوعاً. ما إن تشتد الوحوش، سنقاتل كفريق واحد. الأهداف الأساسية هي النجاة والبقاء في جانب الأمان واكتساب الخبرة".
أنا أكذب. ما إن تصبح الوحوش أشسّ من أن أتحملها وحدي، سأشحن الأطفال عائدين إلى بيوتهم بغض النظر عما يودون قوله. يا لها من مفارقة، كان بإمكاني قول ذلك لجيلا مباشرة، لكنه سيجرح مشاعر الاثنين الآخرين.
"والآن، يفترض أن تكون سلالم الطابق التالي قريبة من المدخل، هل تعرف أين تقع؟".
أخبرتني إدنا بموقعها بدقة، لكن بصفتي غريباً، لا يمكنني معرفة تفاصيل كهذه.
يشير فريد بيده نحو اليسار قائلاً: "إنها هناك. تختبئ خلف تلك السرخسيات الصفراء. شرح لي أبي كل شيء عن البرج المحصن وأنا صغير".
السؤال هنا، لمَ لم يشرح له والده تلك الأمور قبل أن ينطلق فريد وأبناء عمومته في هذه الرحلة الاستكشافية الصغيرة؟ ثمة شيء هنا لا يخبرني به الأطفال، لكن لا بأس. فمؤامرات بلدتهم الصغيرة لا تخصني في شيء. ما يثير اهتمامي أكثر هو تخطيط البرج المحصن. لقد حرص السحرة الذين خلقوا هذا المكان على ألا يتطلب التعمق في الطوابق السفلى اجتياز الطوابق التي تعلوها. يمكن لفريق استكشاف أن يتجه مباشرة إلى الطابق الحادي عشر دون عقبات، لكن بعد الطابق الحادي عشر، تصبح الوحوش أقوى وأكثر شراسة.
نظرياً، يمكن لمستكشف مبتدئ بلوغ الطابق الأخير من دون عوائق ويلقى حتفه على يد سيد الديدان المحتجز، لكن تحقيق إنجاز كهذا يتطلب قدراً هائلاً من الحظ وغياباً تاماً للفطرة السليمة. كل طابق واسع، ويستغرق استكشافه ساعات، بينما يستغرق النزول على السلالم نحو خمسة دقائق. لذا لا تكلف الفرق الأكثر خبرة نفسها عناء الطوابق العليا، فإضاعة ساعتين نزولاً وصعوداً يعتبر هدراً كفيلًا بإبقاء الطوابق الأولى خالية للمبتدئين.
"حسناً، لوسي أولاً".
أشير للشابة أن تتقدم الصفوف. يهم فريد بالاعتراض، لكني أرفع هراوتي.
"كُن نبيلًا. النساء أولاً".
يعقد حاجبيه بحيرة. ربما لا وجود لتلك الكلمة المدمجة في لغتهم. كنت على وشك إخباره أن الرجل النبيل يعامل النساء بندية، لكنني لست راغباً في خوض محادثة كهذه الآن.
"دعيها تواجه الوحش الأول، ويمكنك التعامل مع الثاني، أما الثالث فهو لي، ونتناوب على التدريب هكذا إلى أن نضطر للقتال كفريق واحد. اتفقنا؟".
يوافق اثناهما، بينما تبدو جيلا غير مرتاحة.
"جيلا، هذا تدريب. بما أنك لست مهتمة باكتساب الخبرة، فسنقسم حصتك من الوحوش".
يعلم الجميع أنني أكذب، لكن أحداً لن يشير إلى ذلك، نظراً لأنهم جميعا سيستفيدون من هذا الترتيب. تحظى جيلا بالأمان، ويحصل الاثنان الآخران على حصتها من الوحوش للقتال، وأنا الشخص الذي يطلق الأكاذيب. لمَ أهتم بهؤلاء الأطفال إلى هذا الحد؟ أخال أن هناك أسباباً وافرة، حتى من دون النظر إلى مشاعر الندم التي أحملها من أبوة حياتي السابقة، والتي لست متأكداً من أنني تعاملت معها بالشكل الأمثل.
أطرد الفكرة وأتبع لوسي وسط الأشجار. بينما ترقب هي الحشرات المقرفة، أراقب أنا بحثاً عن أي أعشاب قيمة. لا أريد تغيير مهنتي، لا أريد تغيير مهنتي. تستمر التميمة بلا توقف، ولا يسعني سوى الأمل بأن يفهم نظام بي إس دي نواياي. كل ما أبتغيه هو الحصول على عملة محلية لأشتري أسلحة حقيقية. إذا كان شرط الارتقاء الخاص بي ينذر بما هو آت، فأظن أنني سأحتاج إلى كمية سخيفة من الأسلحة المختلفة.
سأضطر على الأرجح لتكليف حداد بصناعة بعض الأسلحة الغريبة. انتظر، كل ما أحتاجه هو سلاح إضافي واحد الآن، ويمكنني صنعه بما لديّ من موارد بمتناول يدي. أتلفت حولي وأعثر سريعاً على ما كنت أبحث عنه. كرمات متينة، بسمك إبهامي، تلتصق بشجرة، متخذة نمطاً حلزونياً يلتف حول جذوعها. يحددها علم الأعشاب بأنها متسلقة حلزونية، وهي نبتة متسلقة غير ضارة تصعد الأشجار محيطة بجذوعها بحركة حلزونية.
"انتظري لحظة".
أندفع نحو الكرمة، وأجمع منها ما يقارب سبعة إلى ثانية ياردات، وألفها حول خصري. يرمقني البقية بنظرات غريبة، فأقابلهم بابتسامة ساطعة.
"سأريكم شيئاً رائعاً لاحقاً".
تومئ لوسي وفريد برأسهما، وهما يثقان بي على ما يبدو، بينما تواصل جيلا التحديق بي بفضول قبل أن نمضي في طريقنا. تمر نحو عشر دقائق من دون أثر لأي أعشاب ثمينة، إلى أن تصدر شجيرة على يسارنا صوتاً حفيفاً. أشير لفريد وجيلا بالتراجع. نتراجع للخلف، تاركين مساحة كافية لتناور فيها لوسي. يدوس الوحش شجيرة السرخس، وتتسابق أرجله الحشرية العشرة فوق التربة الرطبة، بينما تقطع مخالبه المعقدة النبات لتمهيد طريقه نحونا.
إنه نفس نوع الكركند بحجم الكلب الذي دمر نفسه بالتزامن مع العنكبوت الرتيلاء. ينقر الكركند ويصدر فحيحاً، متسولاً بخطواته نحو لوسي. أغلب نساء حياتي السابقة كن ليهرببن صارخات لو أن وحشاً بنصف حجم هذا الكركند اندفع نحوهن. العيون الشبيهة بالعناكب، الفم الغريب الذي يجمع بين الفكين واللوامس، الدرع الشوكي والكلابات متعددة المقاطع التي لا تبدو منطقية بالنسبة لي، كل ذلك يبعث القشعريرة في أعماق كياني.
لكن بالنسبة لوسي على ما يبدو، يبدو هذا المخلوق كالكلب أو الخنزير. لا أثر للاشمئزاز على وجهها، ولا تلميح للخوف، بل ترتجف يداها حماسة. ينقض الكركند بمخلبه نحوها، وتتداخل المقاطع المتعددة لتشكل كلاباً منفرداً تبرز منه خطافات حادة. تقفز لوسي مبتعدة. كانت الحركة فظيعة. كانت قفزتها طويلة جداً، وبعيدة للغاية بحيث استحال عليها استغلال سوء وقفة خصمها، ومنحت الكركند عوضاً عن ذلك مساحة لهجوم آخر.
ينقض الكركند عليها مجدداً، متحركاً بسرعة مثيرة للدهشة بالنسبة لقشري يقارب طوله سبعة أقدام. تتفادى لوسي الهجوم والهجمات اللاحقة الاثنين، لتبدأ في استيعاب طريقة تحرك الكركند. ثم يوجه ضربته للمرة الخامسة، وعوضاً عن القفز مبتعدة، تثب لوسي جانباً. يخطئها المخلب فتنقض عليه. تهوي الهراوة فوق العينين بصوت مهشم، فيطلق الكركند صرخة مدوية. ترفع لوسي هراوتها، كاشفة عن عيني الكركند المهشمتين، قبل أن تهوي بها مرة أخرى.
تضرب المخلوق مراراً وتكراراً، مهشمة درعه أكثر فأكثر، إلى أن يتكور الكركند. يشكل جسده عجلة تكاد تبلغ صدرها. كنت على وشك الصراخ لتحذر في حال كان الوحش يتظاهر بالموت، لكنها تبتعد عنه بمفردها وتنظف هراوتها بأوراق السرخس. ترفع لوسي نظرها نحوي، منتظرة المديح.
"عمل رائع. كانت حركتك نحو النهاية ممتازة. لم تكن هناك حاجة لقفز كل هذه المسافة البعيدة عن عدوك كما فعلت في المرتين الأولتين، لكن السلامة خير من الندم ريثما تعتادين على الأمر وتطورين غرائزك القتالية. أما بالنسبة لهجومك…".
كانت تضربه كطفلة مذعورة تسحق عنكبوتأ بحذائها إلى أن تحول تماماً إلى فطيرة مسطحة، لكنني أستخدم كلمات ألطف وأشير إلى جوانب تحتمل التحسين.