الفصل السابع والعشرون: مؤشرات على تفشي [الجزء الأول]
بعد أربع ساعات من عودة أليكس إلى بلدة ثالوريا...
كانت النقاشات المحتدمة حول المعركة التي دارت في الغابة العائمة لا تزال تُسمع في جميع أنحاء البلدة، بل وكان هناك عدد قليل من الناس يعتقدون أن هذا قد يكون تمهيداً لشيء أكبر.
عاقر وبقية المغامرين الذين استجابوا للمهمة الطارئة عادوا إلى البلدة.
على الرغم من بذل قصارى جهدهم، فقد فشلوا في صد العفاريت الكبيرة تماماً، والتي بدا أنها قررت بذل قصارى جهدها ضدهم.
ولولا حقيقة أن بعض العفاريت الكبيرة قد تراجعت فجأة لأسباب مجهولة، لربما تكبد المغامرين خسائر أكبر خلال المعركة.
في النهاية، قرر جميعهم الانسحاب وإعادة تجميع صفوفهم في بلدة ثالوريا.
"أتمنى ألا يكون أليكس قد توغل كثيراً في الغابة"، هكذا فكر عاقر وهو يتجه نحو نزل ذيل القط.
لقد حدثت الأمور بسرعة كبيرة لدرجة أنه لم يحظَ بالوقت للبحث عن متدربه لحظة انضمامه إلى المعركة.
على الرغم من ثقته الكبيرة بمهاراته في استخدام السيف، إلا أنه كان هناك عدد كبير جداً من الأعداء ببساطة.
لقد تعرض حتى لبعض الإصابات الطفيفة خلال المعركة، مما أجبره على التحول إلى الوضع الدفاعي.
وإدراكاً منهم بأن البقاء لن يؤدي إلا إلى زيادة عدد الضحايا، طلب قادة فرق المغامرين المختلفة من الآخرين الانسحاب جنباً إلى جنب مع المصابين.
كان عاقر أحد المغامرين الذين كسبوا الوقت لكي ينحاش الآخرون.
وفقط بعد أن تأكدوا تماماً من أن العفاريت الكبيرة لن تلاحقهم بعد الآن، تراجع باقي المدافعين ببطء حتى خرجوا من الغابة.
عندما دخل رجل القط إلى النزل، لاحظ فوراً أن الجو في الداخل قد أصبح متوتراً للغاية.
كان الزبائن المنتظمون يناقشون ما يحدث في الغابة العائمة بملامح قلقة.
كانت الغابة مصدر رزق للكثير من الناس، وخاصة الصيادين في البلدة الذين يصطادون الفرائس لإطعام عائلاتهم أو بيع اللحوم في السوق.
كما كان جمع الأعشاب أحد أكثر المهن شيوعاً بين النساء نظراً لوجود الكثير من الأعشاب والفطريات التي تنمو في أطراف الغابة.
طالما أن المرء لا يتعمق في الداخل، كانت السلامة مضمونة إلى حد كبير.
بالطبع، كان هذا اليوم استثناءً.
من الواضح أن العفاريت الكبيرة قد اختارت اللحظة المناسبة لمفاجأة الجميع، حيث قامت عمداً باختطاف السيدات اللاتي كن يجمعن الأعشاب في الغابة غالباً.
وبما أنه كان هناك الكثير من الصيادين والمغامرين في ذلك الوقت، فقد تمكن البعض من الفرار إلى البلدة لطلب المساعدة.
لم تتردد نقابة المغامرين في إصدار مهمة طارئة، والتي تقبلها المغامرون دون تفكير ثاني.
وهكذا قادت الأمور بعضها إلى بعض، والآن أصبحت بلدة ثالوريا في حالة تأهب قصوى.
كان الحراس يتمركزون على الأسوار، ولم يُسمح لأحد بمغادرة المدينة.
كما أعلن عمدة ثالوريا أنه بمجرد حلول الليل، سيتم إغلاق البوابات بالكامل، ونُصح الجميع بعدم التجول في الشوارع ليلاً.
وكانت نقابة المغامرين وقائد الحراس يعقدون اجتماعاً أيضاً، حيث كانوا يناقشون احتمالية تفشي للوحوش.
وبينما كان عاقر يتفحص وجوه الحشد، لمح فوراً أليكس وهو يلوح في اتجاهه.
تنهد رجل القط أخير سالماً معافى.
سأل عاقر: "هل دخلت الغابة؟"
أجاب أليكس: "نعم، يا معلمي. حتى إن ديم ديم وجدت الفتيات اللاتي اختطفهن العفاريت. لقد أنقذناهما أنا وهي."
"أوه؟" رفع عاقر حاجبيه لأنه لم يكن يتوقع أن الشاب قد وجد المخطوفات بهذه السرعة.
تنهد أليكس قائلاً: "للأسف، لم نتمكن من إنقاذ الجميع."
ثم أخبر معلمه عن الوضع في ذلك الحين، وحالة السيدات اللاتي اختطفهن العفاريت.
أولئك الذين كانوا بالقرب من طاولتهم توقفوا أيضاً عن الكلام للاستماع إلى رواية أليكس.
لم يصدق البعض قصته، بينما كان البعض الآخر معجباً جداً بكيفية تطور الأحداث.
علق أحد السكارى الذين كانوا زبائن منتظمين للحانة: "لقد كنت محظوظاً يا فتى. أنا أعرف إيلين وإيفا. كلتاهما في نفس الفريق، وتعتبران مغامرتين كفؤتين للغاية."
تساءل سكران آخر: "هل تصدق حقاً هراء هذا الفتى؟ ربما يكون قد اخترع الأمور للتو؟"
سألت دورا، التي كانت تخدم ضيوف الحانة حالياً: "أوه، صحيح! ماذا عن تلك الفتاة، آي؟ هل تمكنت من إنقاذها أيضاً؟"
على عكس السكارى، كانت لدورا انطباع جيد جداً عن أليكس لأنه بدا وكأنه شخص مجتهد وصادق.
أجاب أليكس: "نعم. آي بأمان، وقد اجتمعت بوالدها."
ردت دوررا قبل أن تلقي نظرة خاطفة على السكران الذي لم يكن يصدق أن الشاب كان يقول الحقيقة: "هذا جيد أن نوسعه سماعه. ايها العجوز، إذا كنت ستتسبب في المشاكل فقط، فعليك البحث عن أماكن أخرى للشرب."
رد السكران: "هاه! ايتها الآنسة، لماذا تصدقين ذلك الفتى بهذه السهولة؟ ربما رأى شخصاً ما ينقذ هؤلاء الفتيات وقرر نسب الفضل في ذلك لنفسه."
"حسناً، بصفتي إحدى الفتيات اللاتي أنقذهن الفتى، يمكنني إخبارك أنه لا يخترع الأمور."
كانت إيلين قد دخلت الحانة للتو. لقد سمعت كلمات العجوز، مما أثار غضبها قليلاً.
أما إيفا التي كانت بجانبها مباشرة، فقد ابتسمت بخبث. ومع ذلك، فإن ابتسامتها لم تصل إلى عينيها.
كانت الكشافة متعطشة بشدة لضرب السكران ضرباً مبرحاً، ولكن بما أنها لم ترغب في التسبب بالمشاكل لصاحبة الحانة، فقد اكتفت بالابتسام وسحب إيلين نحو طاولة أليكس.
بدا كلاهما مختلفين تماماً مقارنة بآخر مرة رآهما فيها أليكس.
في ذلك الوقت، كانت السيدتان تبدوان أشعثتين. ولكن الآن، كانتا تبدوان مذهلتين للغاية.
صمت السكران فوراً عندما رأى السيدات اللاتي أنقذهن الشاب يظهرن داخل الحانة.
ثم دفع ثمن مشروباته على عجالة وغادر دون أن يلتفت للوراء.
في اللحظة التي غادر فيها الرجل النزل، انتشرت ضحكات الزبائن كالنار في الهشيم.
"هذا جزاؤه. ذلك رجل متكبر للغاية."
"أعلم، أليس كذلك؟ لقد كان هكذا دائماً."
"دائماً ما ينظر إلى الآخرين بتعجرف. ألا يمكنه التوقف عن كونها حقوداً لمرة واحدة؟"
ابتسمت إيلين وإيفا عندما انضمتا إلى أليكس وعاقر على الطاولة.
جاءت دورا لتأخذ طلباتهما قبل أن تتجه إلى المطبخ على عجالة.
وبما أنها لم تستطيع سماع سوى أجزاء متقطعة مما حدث في الغابة، فقد أرادت العودة بأسرع ما يمكن، ناضرة بالتنصت أكثر على طاولة أليكس.
قدم أليكس التعريفات قائلاً: "يا معلمي، هذه إيلين. إنها مبارزة. وهذه إيفا، وهي كشافة. إيلين، إيفا، هذا معلمي، عاقر."
حدقت الفتاتان في رجل القط، الذي أومأ برأسه تحية لهما.
علقت إيلين: "معلمك هو الصفقة الحقيقية يا أليكس. يمكنني أن أرى من نظرة واحدة أنه أقوى مني."
ابتسمت إيفا وقالت: "بالتأكيد. لو كان معنا هناك، لما كانت تلك الذئاب الضارية لتجد أي فرصة."
أومأ أليكس برأسه موافقاً. "هذا صحيح."
لم يتكلم عاقر واكتفى باحتساء الكأس التي ملأها أليكس بالنبيذ مسبقاً.
ومع همّ المجموعة بتبادل أطراف الحديث مع بعضهما البعض، وصلت سينثيا وسيرين أيضاً إلى الحانة، مما اثار تصافير الإعجاب من الزبائن الذكور نظراً لكون الاثنين جميلتين للغاية أيضاً.
قالت إيلين وهي تنظر حول محيطها: "أعتقد أننا بحاجة إلى طاولة أكبر."
عرضت دورا قائلة: "يمكنكم استخدام هذه الطاولة هنا!" وهي تشير إلى طاولة كان يجلس عليها أربعة أشخاص يشربون معاً.
قال أحد السكارى بابتسامة: "آآآه، لا يمكنك فعل هذا بنا يا دورا."
أجابت وهي توضع يديها على خصريها: "أيها العجوز، استبدلوا طاولتكم بطاولتهم. أنتم أربعة أشخاص فقط، ومع ذلك تستحوذون على هذه الطاولة. دعوا السيدات يأخذنها."
ابتسم أحد السكارى الجالسين على الطاولة: "حسناً... لم لا؟ نحن رجال نبلاء، لذا لا تمانع في السماح للسيدات بأخذ هذه الطاولة."
أطلق الزبائن هتافات استحسان للسكارى الذين عرفوا متى يتراجعون عند الحاجة.
بعد تبديل الطاولات مع السكارى، طلبت سينثيا وسيرين بعض الطعام والنبيذ.
ثم شكرتا أليكس لإنقاذه لهما وأخبرتاه بآخر الأخبار حول الحادث الذي وقع قبل قليل.
قالت سينثيا بنبرة جادة: "وفقاً لصديق مقرب لي، هناك احتمال أن يحدث تفشي للوحوش من الغابة. العمدة يدرس إصدار أمر إخلاء بمجرد أن يؤكد الكشافة أن الوحوش ستهاجم البلدة."
تجهمت وجوه الجميع على الطاولة، وكذلك الآخرون الذين سمعوا كلمات سينثيا.
كان تفشي الوحوش أمراً خطيرًا للغاية، وإذا كان ما تقوله رامية السهام صحيحاً، فإن بلدة ثالوريا كانت تواجه مستوى من الخطر قد يمحوها تماماً من على وجه مملكة أفالون.