توقفت أوفيليا ثانية ثم التفتت إلى رزمة الكتب.
"لا... لا أظن أنه يذكر كثيرا، ليس إلا حين يبلغ نحو الثانية عشرة."
بدأنا نتصفح اليوميات، باحثين الآن عن شقيق إستر لا عنها نفسها. وبعد قليل، أصبح الشغف الغريب جلياً. كان هناك ذكر لمولده، إذ تصف المرأة نفسها واهبة للحياة، ولكن لا شيء تقريبا بعد ذلك. كان الأمر غير معتاد، إن لم يكن أغرب من ذلك بكثير.
سألت أوفيليا: "ما الذي يعنيه هذا برأيك؟"
"لست متأكدا. كان الصبي وسيلة للمرأة لتبسط سيطرتها على المال. ودونه، سيؤول كل شيء إلى إستر وفق الوصية. إذن هناك خطب ما جلي هنا."
تصفحت بدايات اليوميات مرة أخرى، عاقدا حاجبيه.
بدأت أتحدث بصوت مرتفع: "حسنا، فالمرأة طماعة ومهووسة بنفسها وتحب الكتابة عن ذاتها. ولكن هناك ثغرات في قصتها. ما هي؟"
أشارت أوفيليا: "أسماء الخدم تتبدل بعد مضي بعض الوقت."
لاحظت ذلك أيضا. بعد حبس إستر في العلية، تغير الخدم، ولكن ذلك كان مفهوما. ربما لم تكن للدار أفضل سمعة في تلك المرحلة. أخذت أوفيليا تحلل بصوت عال.
"لا توجد أي إشارات إلى الوريث الذي كان من المفترض أن يسمح لها بإنفاق كل تلك الأموال. يموت الزوج. ربما دست له السم. لتبقى مع طفل صغير تستطيع التحكم به بسهولة، لتتمكن من العيش في رفض ورخاء. ألا تحب إستر لأنها غريبة أطوال؟ أهذا كل ما في الأمر؟ لكن إستر التقت بها في سن مبكرة جدا. وكان ينبغي أن تكون قادرة على السيطرة على طفلة مثلها أيضا."
"نعم، لكن إستر ساحرة عقول بالفطرة. تستطيع استشعار حقيقة تلك المرأة من على بعد أميال. لم تكن تحبها فوراً. ولكن لمَ لا يُذكر الطفل؟ كان حرياً بها أن تحاول تشكيل عقله منذ صغره، وتدليله، وجعله يسلس لها القيد، كابن مدلل مثالي."
نظرنا كلينا إلى الوثائق. ثم صدمتني الفكرة.
سألت: "لماذا تتزوج مجدداً؟"
"هاه؟"
"إنها تريد كل تلك الثروة، ولكن بموجب قوانين ذلك العصر، يمتلك الزوج الجديد سيطرة أكبر بكثير على المال تفوق حتى أرملة المالك السابق، ومع ذلك تتزوج مجدداً. لماذا؟"
"من أجل المكانة الاجتماعية؟ كان الناس يحاكمون النساء في ذلك الزمن بناء على أزواجهن، لا سيما في مكان كهذا."
"محتمل..."
لكن الأمر لم يعجبني. ألتتخلى عن طمعها في سبيل مكانة اجتماعية؟ لم تبد لي كشخص من هذا الطراز. علاوة على ذلك، كانت تصف ما ترتديه، وفي كل مرة تخرج فيها، كانت ترتدي الأسود بالكامل، حتى بعد انقضاء فترة الحداد.
ظننت أنها تتقمص دور "التي أحبت حد الهيام ولن تحب بعده أبداً".
قلت: "اكتبي التواريخ."
دوننا جميع الأحداث متجاورة. ١٨٤٥ - ولادة إستر. ١٨٥٤ - زواج والد إستر مجدداً. تشرين الأول ١٨٥٦ - ولادة شقيق إستر، وبعد شهر يموت الزوج. كانون الثاني ١٨٥٨ - تتزوج ليندا فجأة من جديد. حزيران ١٨٥٨ - حبس إستر في العلية. تشرين الأول ١٨٥٨ - تغيير جميع خدم المنزل. كان عام ١٨٥٨ غريباً. حدث تغيير كبير. الزواج الثاني وسجن إستر، ناهيك عن الخدم.
أخرجني سؤال أوفيليا من أفكاري: "لماذا العلية؟"
"هاه؟"
"تكتب أن ذلك لكي تكون إستر رفقة أغراض أبيها لتخفيف عبئها النفسي، لكنها لا تبدو لي كامرأة تفعل ذلك من أجل إستر. لابد أن في هذا القصر غرفا يمكن إغلاقها ببساطة. وحتى مع محاولاتها الهرب، كم هو صعب منع فتاة في الثالثة عشرة من الهرب، بسحر أو دونه؟ لم تكلف نفسها عناء القفص في العلية؟"
كانت تلك نقطة وجيهة. إن كان إغلاق باب الفخ قادراً على منعها، فإن الأبواب العادية قادرة على ذلك أيضاً.
فصل غرفة واحدة ينبغي أن يكون أسهل من التخلي عن العلية بأسرها."
أدركت قولي: "حتى لا تستطيع التحدث إلى الآخرين. لم تكن محاولات الهرب هي المشكلة. بل كان تقرير أحد الخدم للشرطة المحلية. لقد رأت إستر شيئاً، أو عرفت أمراً ما لم يكن مفترضاً أن تعيَه. أمراً دفع ليندا لحبسها في مكان لا تستطيع فيه الحديث مع الآخرين، ولا حتى عبر الأبواب."
بل وكانت لدي فكرة عما كان عليه.
"حدث أمر ما، وافترضنا أن نقص البلورات السحرية هو ما تسبب في زيادة الظواهر السحرية لدى إستر. ولكن ماذا لو كان هذا الافتراض خاطئاً؟ كان عليها على الأقل بلوغ الدائرة الأولى لتفعل ما وُصف في اليوميات. ولم تكن لتفقد البلورات بهذه السهولة. وكان ينبغي أن تعرف ماهيتها، حتى لو افتقرت إلى السيطرة على سحرها. ماذا لو كان نوعاً من الصدمة هو ما تسبب في تلك النوبات العنيفة المتزايدة، وأن نقل مقتنيات أبيها لم أزد المشكلة القائمة إلا سوءاً؟"
سيتعين علي انتظار الصباح للتأكد. لم استطع النوم، لدرجة دفعنني للتفكير بمجازفة لإشباع فضولي، ولكن أخيراً، وبعد تقلبات عدة ولم يتبق سوى ثلاث ساعات على الفجر، استطعت النوم. حين لمعت خيوط الشمس الأولى على الدار، تحققت من نظريتي. دخلت العلية رفقة أوفيليا وأخذت أنقب في الأشياء المتناثرة.
"عما نبحث؟"
"لوحات العائلة."
لم أعثر عليها في البداية، قبل أن أدرك مكانها. عدنا إلى غرفة ليام ووجدناها، وبالتأكيد، كانت لوحات العائلة هناك. رتبناها حسب التواريخ المكتوبة على ظهورها. صورت الأولى رجلاً وامرأة. كان الرجل يرتدي معطفاً أسود أنيقاً وتحته قميص أبيض ممسكاً بعصا أنيقة. وإلى يمينه تقف امرأة بدا عليها الحمل بوضوح بشعر أشقر ساطع، ونمش، وابتسامة عريضة. بدا كلاهما سعيدين. ثم كانت اللوحة التالية للرجل وحده.
كان يحمل طفلاً صديراً بين ذراعيه. كان الرسام بارعاً، إذ فاض الحزن من عيني الرجل عبر القماش، حتى مع إمساكه بالطفل بقوة إلى صدره. ثم جاءت التي تليها. كان الطفل أكبر سناً الآن، إذ تقف في المقدمة. كانت إستر ترتدي فستاناً أبيض منفوخاً على الطراز الفيكتوري. وبدت كأنها تبتسم. بدا الرجل بحال أفضل، مرتدياً المعطف الأسود ذاته والعصا. وإلى جانبه امرأة. كانت جميلة لولا عينيها الباردتين كحبات الخرز.
وكانت ترتدي فستاناً أحمر مزيناً بالأحجار الكريمة والياقوت. اللوحة التالية. المرأة وحدها حاملة طفلاً صغيراً وإستر. ارتدتا فستانين أسودين. بدت إستر حزينة، بينما بدت المرأة غير مبالية فحسب. ثم كانت هناك صور شخصية عديدة ومختلفة للمرأة وحدها. وأخيراً، اللوحة التي كنت أبحث عنها. امرأة مع رجل جديد، رجل عريض المنكبين بعينين صغيرتين تشبهان عيني ليندا. تقف إستر جانباً وتبدو أكثر حزناً في هذه اللوحة.
والشخص الأخير فيها صبي صغير يرتدي زياً غريباً لذلك العصر. تأملت صورة العائلة عن كثب، متأكداً تقريباً من نظريتي.
أشرت إلى الصبي وقلت: "اذهبي إلى العلية واعثري على لوحات لاحقة للصبي وحده."
بعد قليل، عادت أوفيليا حاملة بضع لوحات. حدقت فيها عن كثب، دارساً جميع الصور الماثلة أمامي. لم تبدأ إلا بعد بلوغه نحو الثانية عشرة، ودون أي بورتريه بين ذلك الحين.
أصدرت حُكْمي أخيراً: "يا لها من حقيرة."
"لماذا؟ أعني، أنا أعرف السبب، ولكن ماذا رأيت؟"
أشرت إلى صورة الصبي مع العائلة الجديدة واللوحات اللاحقة وقلت: "لون العينين مختلف. إنه ليس الطفل نفسه."
استقام كل شيء في ذهني.
"تقول الوصية إنه في حال مات كل من إستر والابن، تُمنح بعض الثروة للأرملة لتعيش في رغد، ويُعطى الباقي لأقارب الأب البعيدين لأبحاث الغموض. لذا احتاجت ليندا إلى الطفلين. لكن شقيق إستر لابد أنه قد مات. ولم تستطع السيطرة على إستر، فحملت واستبدلت الأطفال."
التفتت إلى أوفيليا، متابعاً شرحي.
"تروج لقصة أن شقيقه مريض وطريح الفراش، ثم تتزوج مجدداً لتتخذ عذراً للحمل. وبعد الوضع، يحالفها الحظ من المحاولة الأولى فتلد صبياً. ثم تخبر الجميع بأن الطفل وُلِد ميتاً وتطرد جميع الخدم. لا يُذكر الحمل في أي من اليوميات ولا في اللوحات. وتوضح للطاقم الجديد أن هذا طفل الزوج السابق. سيكون الأمر شاقاً في البداية، ولكن بعد عام أو عامين، يمكنها الادعاء بأنه متأخر النمو ببساطة. ومع مرور الوقت، يصعب أكثر فأكثر تمييز الفارق. وحين يبلغ نحو الثانية عشرة، يستحيل تبين وجود خطب ما. كانت المرأة مصابة بجنون الارتياب من أن يكتشف أحدهم الأمر، لذا لا يُذكر الطفل حتى يستحيل تحديد فارق السن."
أدركت تلميذتي إلى أين أمضي: "لكن إستر كانت تعلم أن شقيقها ليس موجوداً، ولم يكن بالإمكان طردها. لذا حُبست وصُوِّرت على أنها مجنونة."
"بالضبط. حين رُسمت هذه اللوحة، كان الطفل قد مات بالفعل. وربما أُبلغ الرسام بأنه طريح الفراش ورسمه بناء على وصف، فأصاب لون العينين. لكن اللوحة الأخيرة هي لابن الرجل الجديد، لذا فهما غير متطابقتين تماماً."
"حسن، حقيرة حقاً. لكن ماذا يمنحنا هذا؟"
"هذا يغير الأمور. استدعاء الأرواح ليس أمراً سهلاً. من بين جميع فنون السحر الممكنة في الكتاب، هامت بواحدة للتواصل مع الأموات بدلاً من أي شيء للهرب. توجد تعاويذ للاتصال بالجن والتعاويذ الشيطانية في تلك الكتب، لكنها اختارت لوح الأويجا. هذا يغير هوسها. لم يبدأ بالوحدة. بل أظن أنها حاولت التواصل مع شقيقها."
نهضت ناظراً إلى جميع اللوحات مرتبة.
"وإذا كانت الروابط الأسرية وشقيقها جزءاً من هذا الهوس، فهذا يفسر سبب تركيزها على ليام لتتخلى عن الآخرين. إنه شقيق شخص ما. سيكون حملها على الالتفات إلينا أمراً شاقاً، ولكن إذا كان موت شقيق إستر هو جوهر الهوس، فيمكننا معرفة أين دُفن. إن وجدنا ذلك المكان، واستخدمناه للطقوس، ثم استدرجناها دانيال رفيقاً جديداً، فستبتلع الطعم. سيلبي عرض كهذا هوسها بشكل أفضل من ليام، وغريزة الافتراس في الوقت ذاته."
سألت أوفيليا، وبدت مستاءة بوضوح من الخطة: "أتريد استخدام دانيال طعماً؟"
"ألديك فكرة أفضل؟"
صمتت.
سألت بعد برهة تفكير: "لكننا بحاجة للعثور على جثة شقيقها. كيف سنفعل ذلك برأيك؟ لا أذكر أنني رأيت أي مقابر، وإن كانت استبدلت الأطفال فأنا أشك في أن له قبراً."
ابتسمت لكنني بقيت صامتاً. لا يمكنك تسمية نفسك ساحراً إن لم تكن غامضاً بعد كل شيء.
بصقت أوفيليا بإحباط: "أوه، هيا، ألا يمكنك إخباري ببساطة؟"
"حزّري. الدليل هو صليب شمسي. أو بالأحرى شكله."