"المَلِك الذي أخدُمُه يختلف عن بقية الملوك. تماماً مثل العقد الذي يجمعني به، إنه فريد. لكن ما يُميِّزُنا حقاً هو أنني إن كَسَبْتُ أي إيمان تجاه مَلِكي، فهذا يعني أن عقلي يتهاوى."
"ماذا... تعني؟"
نَظَرَتْ إليَّ أوفيليا وارتسم القلق واضحاً في عينيها.
"المُلُوك الذين يُؤمِنُون بهم البشر العاديون هم ملوك هذا العالم. يعيشون في عوالم متصلة بعالمنا. لكن المَلِك الذي أبرمتُ عقداً معه هو أحد الملوك العُليَا، ملوك الكون، ملوك يقبعون في الهاوية الواقعة خلف الوجود بأسره. إنهم ملوك الجنون والفوضى والإنتروبيا. إذا بدأتُ يوماً في فهمهم على مستوى روحي، فتلك هي الخطوة الأولى عادة نحو الجنون."
سألتْ ورفعت حاجبيها: "أَتُصَلِّي لملوك الجنون والإنتروبيا؟"
"أنا لا أُصلي لهم. عقدي مجرد مُقامرة بسيطة. في كل مرة أستخدمه لاستدعاء سحرهم أو أُضحّي بشيء في سبيل المعرفة، فإنني أُقامر في جوهره ضد مَلِكي. إذا مُتُّ بسبب ذلك، فسأصبح عبداً لهم وألتحق بالكيانات الغريبة في الخدمة. وإن لم أَمُتْ، فسأظفر ببعض السحر القوي وأحتفظ بما تعلَّمْتُه. لكن المعرفة التي أنالها تصبح مِلكي بالكامل، وليست جزءاً منفصلاً من روحي."
مالت أوفيليا برأسها نحوي محاولةً استيعاب ما أقوله، ثم عادت تطالع ورقتي باهتمام متجدد بحثاً عن أي تفصيل فاتها.
سألت وهي تشير بإصبعها: "حسناً... وما هي الخصائص الأخرى؟ التجسيد؟ الروح؟"
"الروح هي قوة روحك، مثلما يحدد الاحتمال مدى تحمل جسدك. بالنسبة للكائنات الروحية البحتة، فهي تحدد أيضاً سعة المانا الخاصة بها، شبيهة بالبنية بالنسبة لنا. التجسيد خاصية أخرى للكائنات الروحية تقيس مدى قوة أشكالها الجسدية وكمية المانا التي تحتاجها لاتخاذ تلك الأشكال."
"إذن لماذا هي موجودة في ورقة خاصة بالبشر؟"
"إنها للمستدعين وأصحاب المألوفات. إنها تقيس قوة استدعاءاتهم. وقبل أن تسألي، نعم، تمتلكين واحدة. فقط لا أعرف كيف أتحقق منها بقراءة الفأل الأساسية."
"حسناً."
بدا صوتها محبطاً قليلاً.
"لا تقلقي. سأصحبك إلى قارئ فالٍ قريباً."
"وماذا عن الخصائص الاجتماعية؟"
"الكاريزما واضحة. الضغْط هو عكس الكاريزما، إنه يشبه الكاريزما السلبية. قدرتك الطبيعية على بث الخوف والسيطرة من خلاله. التعاطف هو التعاطف ذاته، ولكن للمانا. وكما ذكرتُ، يعتمد عليه الفنانون الذين يصنعون القطع السحرية. والشغف بالنسبة للإلقاء العاطفي بمنزلة الإرادة بالنسبة لإلقاء التعاويذ العادي. إنه الطريقة التي تُفعِّلين بها المانا عبر الشعور لا عبر الجهد الواعي."
أومأت أوفيليا وهي تدرس الورقة مجدداً.
"حسناً... والمهارات؟"
"المهارات هي كذلك فحسب، أشياء تعلَّمتِها، القدرة على التحكم في المانا والعقل والمانا المحيطة وما إلى ذلك. بعضها مُتدرَّب عليه، بينما يأتي البعض الآخر مع سلالات الدم. ربما تمتلكين بالفعل القليل منها المرتبط بمألوفك. والحيلة تكمن في أن تعرفي عمَّن تبحثي، أو أن تكوني بارعة في التاروت لتدعي البطاقات تُريكِ ما تملكين."
"حسناً. هذا كثير جداً للاستيعاب."
انكمشت أوفيليا قليلاً.
"تشعرين ببعض الإرهاق؟"
"نجل. أكثر من قليل بصراحة."
لم أستطع سوى تخيل ما يعنيه إلقاء المرء في عالم جديد هكذا.
"حسنٌ، كانت تلك كَميّة هائلة من المعرفة المُكثَّفة. ستألفين الأمر تدريجياً."
"إذن ما العمل الآن؟ أتدرّب على الإرادة؟ أتأمل؟ أُصلّي؟"
كانت الصلاة ستكون فكرة جيدة حقاً لولا أمر واحد.
"أَتُجيدين أي صلوات موجهة لمَلِكك؟"
"صحيح، لا شيء على الإطلاق. لا أعرف شيئاً البتة عن المعبود الذي أخدمه."
أطلقت ضحكة قصيرة سخريةً من هذا العبث.
"حسناً، لست متأكداً ممّن يكون مَلِكك، لكننا عرفنا ألقابه. يمكننا البحث لاحقاً."
أشرت برأسي نحو بضع خزانات كتب في غرفة التخزين.
"إذن ماذا الآن؟"
"الآن تتأملين. أولاً، تحتاجين إلى مهارتين. الأولى، سُلطة على العقل، تتيح لك تحريك وعيك كعضو منفصل، بل ودفعِه خارج جسدك، واستشعار هالات الآخرين. والأخرى هي إلقاء التعاذيب البسيط، أي تحريك مانا الخاصة بك. بمجرد أن تتعلمي تحريك عقلك، يجب أن تكوني قادرة على البدء في الوصول إلى هدايا مَلِكك بوعي."
اعتدلت أوفيليا في جلستها قليلًا.
"أولاً، يجب أن تفهمي أن الدماغ ما هو إلا الجزء الجسدي من العقل. ثمة هيكل روحي كامل، أكثر تعقيداً بكثير من المادة الرمادية. تصوَّريه قصراً، غرفاً وممرات للوظائف والذكريات. قصراً هائلاً ومتاهياً يطفو على بحيرة. تلك البحيرة هي المشاعر. حين تكونين هادئة، تظل المياه ساكنة ويكون التنقل سهلاً. وحين تفزعين أو تخافين، ترتفع الأمواج، ويهتز القصر، ويصبح التحرك في داخله عسيراً. إذا دفعتِه بعيداً عن التوازن فقد تفقدين وعيك، أو تلحقين ضرراً دائماً بالعقل."
"وأحتاج إلى مهارة السلطة على العقل للتنقل فيه؟"
"نعم،"
أكّدتُ.
"أيمكنك إعطائي خريطة أو شيئاً من هذا القبيل؟ هل قصر كل شخص متطابق، أم أن لكل منا قصراً مختلفاً؟"
ابتسمتُ لفكرة الحصول على خريطة لقصر العقل.
"مختلفة، ولكن مع سمات تتكرر. كلنا نملك "جناحاً" للتحكم الحركي، وآخر للذاكرة، وما شابه."
توقفت أوفيليا عن التدوين ورفعت رأسها إليَّ.
"إذن إن أضرتُ بالقشرة الحركية في الدماغ، فهل ينهار الجناح الحركي للقصر أيضاً؟"
ضحكتُ: "كنتِ طالبة طب، أليس كذلك؟ المثير للاهتمام، لا. يظل القصر على حاله في الغالب. فكري في الامر كمرسل لا يزال يبث، لكن المستقبل تضرر."
"إذن، أيمكنك تحريك جسدك بالإرادة وحدها؟ إن عززتَ المرسل؟ مثلاً، لو شُفي دماغ شخص بمرور الوقت وتدرب على العقل ثم—"
"نعم."
قطعتُ عليها النظرية.
"هذا ممكن. يمكنك إنجاز الكثير بالعقل وحده."
"لكن هذا قد يُعالج الإعاقات!"
هتفت بحماس.
"يمكن للناس المشي مرة أخرى. كيف لم يُعلّم أحد هذا علناً قط؟"
"لا يمكننا التحدث عن أي شيء يتعلق بالسحر في العالم الدنيوي. وليس بمقدور الجميع تحريك عقولهم. عادة، تتطلب الأمر موهبة سحرية ما."
"نعم، لكن هذا سيغيّر العالم، لا يمكن أن يكون سيئاً إلى هذا الحد، لماذا لا يمكننا—"
"لا يمكننا."
قطعتُ حديثها.
"ليس لدينا وقت لدرس في التاريخ، أوفيليا، لذا خذي كلامي بثقة الآن. بمجرد أن تفهمي المانا وما يستطيع الساحر فعله، سأشرح لك. في الوقت الحالي، ثقي بي فحسب. هناك سبب وراء ذلك."
"لكن... إنه مجرد تأمل، أليس كذلك؟"
"تأمل يفتح عَالماً جديداً كلياً. انظري، المرة الأخيرة التي تدخَّل فيها عالم البشر تسببت في كارثة. اتركي هذه الفكرة الآن."
أومأت أوفيليا، وإن لم تكن سعيدة. فكرتُ في تحويل هذا الدرس إلى محاضرة تاريخية، لكن دون أساس في المَلوكيّات والسحر، ستكون فوضى عارمة.
"حسناً، عودة إلى العقل. كما قلتُ، إنه قصر معقد. بعض الهياكل سترغبين في الدفاع عنها أثناء القتال. وأخرى يجب أن تتجنبيها. أولاً، ستتعلمين دفع وعيك إلى الخارج، ثم إدراك مشاعرك الخاصة، بعبارة أخرى، الغطس في بحر وعيك."
نهضتُ وبحثتُ بين الفوضى عن مكعب.
"سيساعدك هذا على التدرب على تحريك عقلك."
جلستُ مجدداً مقابل أوفيليا وناولتُها المكعب. كان ثقيلاً، مصنوعاً من المعدن، ومنقوشاً برموز.
قلتُ ببطء وأنا أُرسم النمط: "أولاً، ارسمي رَمز التفعيل في الهواء."
تابعت أوفيليا إصبعي بإصبعها. بعد بضع تصحيحات، نجحت في ذلك. رأيت الدهشة على وجهها حين تدفق القليل من السحر منها. ولأنها لم تكن تسيطر عليه بعد، كان التقاط ترددها أمراً سهلاً. وفَّقْتُ البلورة داخل المكعب مع مانا الخاص بها وأعدتُه إليها.
"هذا مكعب تدريب. إنه متوافق مع مانا الخاص بك، لذا ينبغي أن تشعري به غريزيّاً. أغمضي عينيك،"
قلتُ، محركاً المكعب إلى يمينها.
قالت أوفيليا بعد تردد قصير: "أظن... أظن أنه يتحرك، إلى يميني؟ والآن يساري؟"
"جيد."
أومأت برأسي.
"توجد رموز مكتوبة داخل المكعب بحبر موصل للمانا. إذا ركّزتِ على المكعب ودَفَعْتِ جزءاً من وعيك خارجه وإليه، فستتمكنين من قراءتها. إنها أشكال بسيطة. لن يكون الأمر صعباً متى ما اعتدتِ عليه."
أدرتُ المكعب لأعرض وجهاً آخر.
"هذه رموز دوران. حين تنجحين، غطّي أحدها بإملك، سيُخرج ذلك البلورة قليلاً عن التوافق مع مانا الخاص بك. ثم كرري حتى تتمكني من قراءة الرموز الداخلية مع حجب كل رمز توافق."
أعدتُه إليها. فحصته بفضول.
"وكيف أدفع نفسي خارج جسدي؟"
"أنتِ لا تفعلين، تلك إسقاط نجمي، وأنتِ لستِ قريبة من ذلك بعد. ما تتعلمينه هو السلطة على العقل. كيف أصف ذلك..."
فكرتُ لحظة.
"فكري في وعيك كعضو بلا شكل، عضو يمكنك مدّه داخل جسدك وخارجه. إن لم تشعري بعقلك من قبل أبداً، فالذهاب إلى الداخل يبدأ بكونه غير مألوف. لذا نبدأ بالخارج أولاً. توافق المكعب يسهل الأمر. لديك هدف يمكنك استشعاره، لا رؤيته، خارج نفسك."
"وإلى أي مدى يمكنني مدّه؟"
"بضعة سنتيمترات من الجسد أمر سهل. وما وراء ذلك، ستحتاجين إلى تعلم دفع المانا إلى الإسقاط ليحافظ وعيك على شكله خارجك. إنه يشبه غرس العظام في يدك."
قالت وعيناها مسمرتان على المكعب وهي تديره: "حسناً، وكيف أمدّ عقلي؟"
"مثل استشعار مألوفك. متى ما أمسكتِ بالشعور ومكانه، يمكنك تكراره."
وضعتُ يديّ أمام ضفيرتي الشمسية.
"ضعي المكعب هنا. أغمضي عينيك."
انتظرتها حتى تنفّذ تعليماتي.
"الآن انسي المكعب. انسي كل شيء آخر. اعتبري نفسك مرآة تعكس فقط ما تستشعره. ومثلما لا تتغير طبيعة المرآة بسبب الصورة المعروضة على سطحها، فأنت أيضاً تعكسين فقط. لا تدعي ما يُعكس يغيرك، أو يغير مزاجك، أو أفكارك."
صححت أوفيليا وضعية جلوسها، وواصلتُ توجيه التأمل.
"الآن ركزي على تنفسك. انظري إليه منعكساً في وعيك."
أمهلتها وقتاً. استقر تنفسها.
"الآن أضيفي أحاسيس أخرى. ظهرك ضد الكرسي، القماش ضد الجلد، دعِي كل ذلك ينعكس."
توقف آخر.
"يبغي أن تشعري بشيء آخر، أمام بقية الأحاسيس. دفء يشع، ينبض بإيقاع مألوف. هذا هو المكعب. على عكس الأحاسيس الأخرى، يتسلل مبتعداً حين تركزين عليه. حاولي الاقتراب."
غاصت عميقاً، بينما كان جبينها ينقبض من حين لآخر، وينكمش أنفها. إن استشعار شيء هو أنتِ ومع ذلك خارجك لأمر غريب. نهضتُ ببطء كي لا أقطع تركيزها. ولما رأيتها مستغرقِة في التأمل، اتجهتُ نحو الأرفف المنتصبة جانباً. ثم شرعتُ أُقلِّب في أحد رفوف الكتب الضخمة. كانت بحاجة إلى بعض المعرفة الأساسية. بدأ السحرة بأساسيات السحر، لكنها كانت مشعوذة، لذا ربما كانت الكائنات الروحية هي نقطة البداية، ثم السحر.
وقفتُ أمام الأرفف محاولاً اختيار المجلدات المناسبة. بعد نحو نصف ساعة وبحوزتي كتابان، التفتُّ إلى متدربتي. استطعتُ رؤية العرق يتشكل على جبينها.
قلت برفق: "أوفيليا."
بلا استجابة.
صرختُ شبه صارخ: "أوفيليا!"
ولا شيء أيضاً. تنهدتُ. يحدث هذا في التأمل العميق، لكن فقدان هذا القدر من الوعي بالموقف كان خطيراً. اقتربتُ منها ورفعتُ الكتابين عالياً قبل أن ألقي بهما على المكتب أمامها مباشرة. فزعت مستيقظة، وأمسكت رأسها وانكمشت أ ألماً.
"لا ينبغي أن تفقدي هذا القدر من التواصل مع الواقع إلا إن كنتِ في غرفة تأمل. الفزع مستيقظة هكذا مؤلم، أليس كذلك؟"
تمتمت: "لا داعي لتخبرني."
قلتُ مبتسماً: "الوعي يشبه العضلة. ستشعرين ببعض الإرهاق بعد استخدامه. وفي هذه الأثناء، أحضرتُ لك قراءة خفيفة."
نظرت أوفيليا من المجلدين الجلديين الضخمين إليَّ كأنني فقدتُ صوابي.
"خفيفة؟"
"ينبغي أن تري مخطوطات بناكوت."
ابتسمتُ لحيرتها.
"هذان هما وصية سليمان وكتاب السحر الحقيقي (Grimorium Verum). كلاهما ينحدر من التقاليد السليمانية. لا تقلقي، إنهما ترجمتان إنجليزيتان للأقسام التقنية البحتة فحسب. الأصول باللغة الغامضة، لذا لما استطعتِ قراءتها على أي حال. كتاب السحر الحقيقي عمل لاحق لأليبك المصري، ولا يزال مؤسساً على كتابات سليمان، لذا فهو جيد."
"انتظر. الملك سليمان؟ تمتلك أعمالاً أصلية للملك سليمان؟"
حدقت أوفيليا وفمها مفتوح.
"نعم. امتلكنا مجموعة كاملة من أعماله، لكن أغلبها ضاع بفضل المحاكم اللعينة، عسى ألا يجدوا السلام أبداً. لكني أمتلك أصول كتاب أرس بولينا، وأرس ألمادل، وأرس نوتوريا من مفتاح سليمان الأصغر."
أشرت نحو أحد الصناديق القديمة.
"لكني كنت لأقتل في سبيل الحصول على أرس غويتا،"
تمتمتُ لنفسي. حدقت فيّ بصمت تام.
"على أي حال، هذه باللغة الإنجليزية ولا تحتوي على تعاويذ أو طقوس عاملة. اعتبريها أساسيات عن الأرواح والكائنات المقدسة. وحين تتعبين، استرخي بالقراءة."
"استرخي؟"
"نعم. استرخي."
"...صحيح."
"أعتقد أن ختم لوسيفر الكامل لا يزال موجوداً في مكان ما داخل كتاب السحر الحقيقي، لذا لا تحاولي حفظه عن ظهر قلب. وإن بدأتِ ترودك أحلام عن شجرة سوداء ذات ستة أفرع مُشتعلة، فأخبريني حينها."
أطلقت أوفيليا أنّة استياء فحسب.