طارد الأرواح الكوني الفصل 43

اقرأ طارد الأرواح الكوني الفصل 43 باللغة العربية على مانجا تايم.

"اشرب، اشرب، اشرب!"

هتفت المجموعة الصغيرة بينما تجرّع دانيال زجاجة جعة أخرى.

"آآآه، نعم"، أنهوا هتافهم حين عبرت آخر قطرة من جوف العلبة إلى فمه.

"واااو، أجل!"

صرخ دانيال وهو يقذف علبة الجعة أرضاً.

"دوري لأدير الزجاجة"، قال وهو يمدّ يده نحو الزجاجة الرابضة في وسط الغرفة.

"انتظري"، قالت إما وهي تهزّ زجاجة نبيذ فارغة.

"أظنّنا نفدنا من الشراب".

تعالت شتائم متفرقة من أرجاء الغرفة. كان الجميع فيها صغاراً نسبياً، يرتدون قمصان عليها شعارات الجامعة نفسها. وأيّ حفل طلابي محترم يفتقر إلى الكحول؟ بدأ بعضهم يهزّون زجاجاتهم المختارة ليدركوا للتوّ أنّها فارغة هي الأخرى.

"من اشترى المشروبات؟"

سأل أحد الشبان الخمسة في الغرفة.

"أظنّه دانيال"، أجاب ماتيو.

"أخبرتكم بما سأشتريه مسبقاً. كان حريّاً بكم مراقبة شرابكم بأنفسكم. ليس كأنّكم تبارون اتباع خطة على أي حال"، ردّ عليه دانيال بنبرة حادة.

كان من المفترض بماتيو أن يكون رفيقه المعاون الليلة. لكن حين استقرت الزجاجة عند إما، وبدل أن يدفعها لتقبيله، اكتفى بتحدّيها لتبادل القبلات مع إحدى الفتيات الأخيرات في المجموعة. خيانة لخطتهما.

"مهما يكن يا رجل"، اكتفى ماتيو بهزّ كتفيه.

"اممم..."

رفع ليام يده بتعثر كأنه يجيب معلماً.

"ربّما يمكننا الجلوس بلا كحول؟"

اقترح بارتباك وانكمش في مكانه فوراً حين رمقه الآخرون بنظرات تعجّب كأنه أبله. كان الشخص الوحيد هنا الذي يمتنع عن الشراب. فهو لم يبلغ السن القانونية بعد، بعد كل شيء. ولم يكن مرتاحاً للحفلات، فما بالك بحفلات أصدقاء شقيقه الأكبر، وفي منزل جدتهما الراحلة.

"اصمت يا ليام، يمكنك شرب شاي الجدة. لكن هذه آخر فرصة للاحتفال هنا قبل عرض المنزل للبيع، ولن أفرّط فيها".

على أثر ذلك، رمق دانيال إما بنظرة. أطبق ليام فمه بعد التوبيخ. شعر دانيال بالسوء للحظة، لكن الشعور تبدّل سريعاً إلى هلع حين تحدثت إتاة من الفتيات.

"إذن إن انتهى الحفل، فربّما حان وقت الرحيل. لديّ عائلة تزورني غداً".

"لـ لا!"

صرخ دانيال بصوت أعلى قليلاً من اللّازم. فرصة إقناع إما تفلت من بين يديه أمام عينيه تماماً. التفت الجميع إليه وبانت علامات الاستفهام في عيونهم.

"أعني"، تنحنح، "انظروا، إنه منزل ضخم، وكل جدة تخبئ بعض الكحول. لا بدّ من وجود شيء هنا".

خطرت له فكرة.

"ما رايكم بهذا؟ نُجرِي رهاناً. أول من يجد شيئاً قابلاً للشرب يحق له أمر البقية بفعل ما يحلو له. أأنتم معنا أم أنكم تجبنون؟"

تبادل فتية المجموعة النظرات. بدا البحث عن كنز في منزل ضخم مع وعد بمزيد من اللهو أمراً ممتعاً حقاً. ترسمت الابتسامات على وجوههم.

"حسناً، ربّما يوجد نبيذ معتق منذ مئة عام أو ما شابه"، قال ماتيو.

"لنذهب".

أخذوا يجولون بأبصارهم ببطء متفحصين الخزائن بينما سعى الجميع للعثور على زجاجة تحتضن شراباً ما.

أمسك دانيال بكتف ليام وهمس في أذنه: "إن وجدت شيئاً، خبّئه واتصل بي، أأنت واهٍ؟"

"لا أعلم. المنزل يبعث على الرعب. لا أريد التلصص".

بحق الجحيم يا ليام. الجدة ماتت، ممّ تخاف، أمن أغضاب طيفها؟ لدينا الليلة قبل أن يبدأ التنظيف بأسره.

تخلّ عن تحفّظك قليلاً واحصل على شراب"، بصق دانيال الكلمات. "لا أريد.

لكن أتوقع أن أستطيع مساعدتك في البحث"، استسلم ليام أخيراً. بدا شقيقه الأكبر وكأنه على وشك الجدال مرة أخرى، لكنه تنهّد أخيراً. "حسناً". اقترح هذه الحبكة برمّتها لسبب أساسي واحد. فهو يملك ميزة غير عادلة. أولاً: شقيقه الأصغر الذي لن يكترث لأي رهانات مع أصدقائه، وثانياً: معرفته بالمنزل. ورغم أن جدّتهما كانت الشاة السوداء في العائلة ولم يروها منذ سنوات، إلا أنه لا يزال يتذكر بعض الأماكن التي قد يُخزّن فيها الكحول. لذا ودون إهاعة وقت، سحب شقيقه الأصغر وانطلقا نحو المطبخ. استمر البحث. فُسح المجال تدريجياً لمسح شبه كامل للمنزل دون العثور على أي كحول بعد. "هيي، ماذا كانت تفعل جدتك بالضبط؟"

صرخت شارلوت من إحدى الغرف القريبة من مكان بحث دانيال وليام الحالي.

"لماذا تسألين؟"

صرخ دانيال مجيباً.

"لأن المنزل ضخم، لكن مع احترامي، لا شيء يشير البتة إلى مصدر تلك الأموال".

قالت ذلك وهي تدخل الغرفة حاملة معطفاً مقشراً مقرف المظهر مصنوعاً من الفراء ولا يزال ذيله الحقيقي دالياً من أسفله.

"يوووه"، قال ليام ناظراً إلى الشيء.

انكمش دانيال قليلاً.

"لست متأكداً. هذا الجزء من العائلة غريب بعض الشيء".

قال مشيراً إلى بضع أقنعة أفريقية تزين الرفوف المجاورة لتمثال تنين صيني.

"تعلم، نظريات مؤامرة، شعوذة وما شابه. الأموال تورث عبر الأجيال. لقد أنفقوها على تفاهات، لكن من الصعب خسارة المال في العقارات هذه الأيام".

"نعم"، قال ليام.

"ما زلت أتذكر حين أرسلتنا أمنا إلى هنا. أمرتنا صراحة بأن نكون لطفاء مع الجدة ونظفر ببعض الميراث".

قهقه على تلك الذكرى.

"المنزل كان يبعث على الرعب في ذلك الحين أيضاً. لكن أظنّ الأمر نجح. أمّ على وشك إقامة احتفال"، تذمّر دانيال.

"ليس كأنّ هناك منافساً آخر على المنزل"، تمتم ليام.

وهكذا، أمضيا بعض الوقت في أحاديث عابرة أثناء البحث عن أي شيء لإبقاء جذوة الحفل متوقدة. شعر دانيال بتصاعد القلق. كان واثقاً من وجوب وجود بعض الكحول. فالكبار في السن يخبئون شيئاً دائماً حسب خبرته. لكن لم يكن هناك شيء. استشعر توتراً خفيفاً مع إفاقة الجميع وفقدانهم الاهتمام بالبحث عن الكنز تدريجياً لعدم وجود كنز أصلاً. بعد أن أغلق خزانة أخرى بعنف، تنهّد وتوجه إلى الغرفة التالية.

"هل يجب أن نذهب إلى هناك؟"

سأل ليام.

"لا أُحبّ غرفتها، وقد توفيت في سريرها. إنه أمر غريب".

"نعم، يجب. كف عن التذمر، الأشباح غير حقيقية. تماسك وتعال"، تذمّر دانيال متعكّر المزاج مع كل ثانية تمر.

ثم أمسك ليام واقتحم الغرفة. كانت غرفة كبيرة ومكتظة. وبينما أراد التظاهر بأنه لا يعرف الخوف، خاصة أمام شقيقه الأصغر، كان عليه الإقرار بأن المكان كان مرعباً حقاً. إلى الجدار الأيمن توجد النوافذ، وكلها ذات مصاريع خشبية مغلقة. تلقي المصابيح القديمة المغبرة للثريا توهجاً مصفرّاً. ومصدر الضوء الآخر الوحيد هو مصباح قديم يقف بجوار السرير الضخم. كان للمصباح غطاء أحمر، وهو ما اقترن بالثريا القديمة ليمنح الغرفة لوناً برتقالياً غريباً.

أضاف الضوء الخافت ظلالاً عديدة، ولم يساعد الاكتظاظ في الغرفة على تغيير ذلك. كانت هناك طاولات قهوة، وملابس قديمة، وخزائن، ورفوف. وكلها امتلأت بخليط من مقتنيات الكبار في السن كالصور القديمة والكتب، إلى جانب الهواية الغريبة للسحر المتمثلة في الأقنعة والتماثيل والبلورات. عمّت الغرفة بأسرها هالة مشؤومة. رمق دانيال السرير وبلع لعاعه لاشعورياً. لكن فوات الأوان حال دون التراجع الآن، فسيبدو جباناً.

وماذا لو سألته إما عما إذا كانا قد فتّشا الغرفة؟ لا يستطيع ليام الكذب أبداً وسيبدو كالفأر المذعور.

"تعال"، قال بصوت أعلى من الضروري، وشرعا يقلبان الفوضى.

وُجدت أشياء كثيرة هنا، لكن ليس ما يبحثان عنه مجدداً.

"ربّما كانت ممتنعة عن الشراب؟"

اقترح ليام.

"كانت تشرب حين كنّا هنا"، أجاب دانيال.

"تبّاً للجحيم، أين يخبئ كبار السن كحولهم؟!"

تساءل بصوت عالٍ والغضب بائن في نبرته وهو يحاول الوصول إلى أحد الصناديق، لكنه اصطدم ساقه بصندوق خشبي وسط حركاته المتهورة.

"تبّاً!"

صرخ وهو يدلك موضع الألم.

"لماذا لا يكون الأمر أهون لو لم يكن الضوء قادماً من العصر الحجري"، صرخ بغضب عاجز وهو يرفع بصره نحو الثريا كأنها أساءت إليه بطريقة ما.

"انتظر ثانية".

قطب جبينه.

"ما هذا؟"

أشار إلى السقف. كان هناك مدخل هناك، يكاد لا يبيّنه سوى ملاءمته المحكمة للسقف، لكن الخطوط كانت واضحة.

"إنه سُليّة"، قال لنفسه.

"إن كان هناك مخبأ ما، فيجب أن يكون هناك، أليس كذلك؟"

سأل ليام بنبرة مفعمة بالأمل.

"لا أعلم. قبو، ربما. أما سُليّة؟"

"لكن إن لم يكن في المنزل قبو، فالسُليّة هي البديل الأنسب"، أعلن دانيال واثقاً من نفسه.

لم يبدُ ليام مقتنعاً البتة. فوجود مدخل سُليّة في غرفتك الخاصة يُعدّ أمراً غريباً أصلاً. ناهيك عن عدم رؤيته لأي سلم للوصول إليه. لكنه عرف تلك النظرة على وجه شقيه، لا سبيل لثنيه عن قراره.

"تعال، سأرفعك"، قال الشاب الأكبر بينما تصلّب ليام.

"مـ ماذا؟ لن أصعد إلى هناك، يبعث الأمر على الرعب. كما أنه لا يوجد ضوء هناك على الأرجح"، احتج.

"لديك مصباح يدوي في هاتفك أيها العبقري. هيا يا رجل، أم تظن أنك قادر على رفعي؟"

قال ناظراً إلى بنية ليام الأصغر حجماً بكثير.

"افعل ذلك من أجلي، حسناً؟"

تردّد الصبي بوضوح، متردداً بنظراته بين مدخل السُليّة وشقيقه، لكنه استسلم أخيراً. أدرك أن دانيال مهتم بإما حقاً.

"حـ حسناً".

ترك شقيقه يرفعه نحو المدخل دافعاً الباب المفصلي. تحرك بسهولة ومن دون أي صرير بشكل مثير للدهشة. كانت الغرفة مظلمة تماماً. ظنّ أنه سمع شيئاً، كحركة قماش تكاد لا تُحس.

"أـ أهلاً؟"

قال موجهّاً صوته نحو الظلام، لكن شقيقه هو من أجاب.

"كف عن المزاح، أنت تثير الرعب في نفسي يا رجل. لا يوجد أحد هنا. اذهب وابحث الآن"، قال دانيال دافعاً ليام إلى الداخل أكثر.

رفع الصبي نفسه وبحركات متسرعة أخرج هاتفه من جيبه. الجلوس في دائرة الضوء الصغيرة التي يصنعها باب المدخل المفتوح كان أكثر إثارة للقلق من الظلام. أخرج جهازه من جيبه أخيراً لكنه تردد. ماذا لو أضاء المصباح اليدوي ووجد أحداً هناك؟ أو الأسوأ، وجهاً يقف على حافة الضوء تماماً؟ بلع لعاعه وأخذ نفساً. بحركات مرتعشة، أضاء الهاتف. ولا شيء. كانت السُليّة وحدها. بدت مكتظة كالغرفة بالأسفل ومماثلة لها في الحجم نسبياً، إن لم تكن أكبر.

غطّت ملاءات بيضاء معظم الأشياء، مما يعنّي اضطراره لتحريكها فعلياً، وهو أمر مزعج بحد ذاته. أزاح ملاءة تلو الأخرى، متضرّعاً ألا يرى شيئاً مخيفاً. وُجدت صور قديمة، وصناديق، ومساحات تخزين بمختلف الأشكال والأحجام. تطلع إلى بعضها ليعثر على كتب وملابس قديمة لا غير. لكن وُجد شيء غريب، غياب خيوط العناكب. في الواقع، وحين فكر في الأمر الآن، لم تكن هناك حشرات على الإطلاق، لا عناكب، ولا فئران، ولا عث، ولا حتى ذباب توقّع رؤيته في سُليّة.

بلع لعاعه، ملقناً نفسه بأنه يخيف نفسه فحسب. لم يخبر شقيقه بهذا قط، لكنه كان يخشى الأشباح حقاً. بدا الأمر سخيفاً في مثل عمره، لكنه ما زال يتذكر حين كان صغيراً وحين ارتدى شقيقه ملاءة ووقف في غرفته ليخيفه. لم يخبر شقيقه أبداً بأنه تبوّل في سرواله تلك الليلة. هزّ رأسه محاولاً طرد تلك الأفكار الغريبة. موبخاً نفسه لتفكيره في شيء كهذا في هذه اللحظة.

"احصل على الكحول واخرج"، تمتم لنفسه.

"احصل على الكـ..."

دويّ! جعله صوت عالٍ ينتفض.

"من هناك؟!"

صرخ ملتفتاً إلى يساره. ولرعبه، كانت هناك خيال يقف. واقف. لا يتحرك.

"مـ من هناك؟"

سأل مجدداً. لا شيء. لا حركات. جهّز ضوءه ورأى ذلك. مانيكان. كان هناك مانيكان يقف بجوار خزانة ملابس مفتوحة مائلة للأمام، لتنسكب محتوياتها وتطيح ببعض الصناديق. لكنه أقسم أنه لم يكن هناك مانيكان من قبل. أنظر إلى صندوق خشبي أصغر سقط من الخزانة. انفتح قليلاً كاشفاً عن مرآة وبعض الرسائل. لكنه شعر بشدّ. انتفض والتفت مستعداً للكم أي أشباح، ليوشك على صفع شقيقه بالذات.

"ما اللعنة يا رجل؟ سمعت صراخاً ودويّاً. أأنت بخير؟ لم تجب حين ناديتك"، وبّخه دانيال متفحصاً إياه بحثاً عن إصابات.

"لـ لا. سقطت خزانة ملابس".

أشار إليها.

"يسوع، لا ترعبني هكذا. لم أظن—يا لعنة الجحيم، لقد وجدتها!"

صرخ دانيال مشيراً إلى الصندوق الساقط. كان قد سقط فاتحاً جزئياً، ليبدي زجاجات الويسكي والنبيذ بداخله.

"يا ليام! أيها العبقري! علمت أنني أستطيع الاعتماد عليك".

عانقه شقيقه وصاح بشاب آخر كان يتسلق إلى السُليّة.

"هيي، انظر ما وجدته. فوزي، أيها الخاسرون!"

تسلق أشخاص كليلة الغرفة محاولين إنزال الزجاجات دون كسرها. وبدت على الجميع أجواء الاحتفال. اقترب ليام من الصندوق وفتحه ليدرك ماهيته فوراً. لقد كانت لوحةويجا. احتوى الصندوق على اللوحة بالحروف عند القاعدة ومرآة مثبتة داخل الغطاء لتعكس اللوحة. انكمش. لم يرد أية صلة بالأشباح. لكن أحد الشبان تطلع من فوق كتفه.

"يا لعنة الجحيم. أتريد التحدث إلى جدتك؟"

قهقه ورائحة الكحول تفوح من أنفاسه.

"هيي، انظر إلى ذلك!"

صرخ مناديًا البقية مأخذاً الصندوق من ليام. شعر ليام بالخوف. ثمة خطب ما. لم تكن سوى لعبة سخيفة، فلماذا أثار القلق في نفسه إلى هذا الحد؟ ثم أدرك ما كان خطأ. أقسم بقدرته على قراءة الحروف المنعكسة في المرآة دون أي مشكلة. لم تكن الحروف معكوسة. بل بدت طبيعية.