طارد الأرواح الكوني الفصل 40 — خيار أوفيليا

اقرأ طارد الأرواح الكوني الفصل 40 — خيار أوفيليا باللغة العربية على مانجا تايم.

توجهنا نحو الحظيرة حيث تجمع نفر قليل من الناس. ضم الجمع الرئيس والعرّاف، إلى جانب بضعة محاربين وكهنة. وقفت جانباً مع أستريد في انتظار ما سيحدث. أمضينا دقيقتين أُخريين نتحدث عن الرموز المتعلقة بالملوك بينما كنت أعلمها بعض التقنيات التي يستخدمها طاردو الأرواح. بيد أن الأمر كان أشبه بسد الثغرات في معرفتها لا تعليماً حقيقياً. كانت تمتلك أساساً متيناً، فالعرّافة بنفسها أشرفَت على تعليمها على ما يبدو.

وصلت زوجة الرئيس أخيراً. حملت مجموعتين من الثياب. كانت الأولى ثوباً أبيض خالياً من أي علامات أو زينة. وجاءت المجموعة الثانية بألوان حمراء وبرونزية. صُمّمت هي الأخرى على هيئة ثوب، لكن بفتحة غريبة الاتساع للرأس، تنتهي حيث تلتقي عظام الترقوة بالكتفين. لاحظتني أنا وأستريد فأومأت برأسها ووقفت خلف الرئيس.

وما إن انضمت زوجته إلى الجمع حتى اشار إلى محاربين اثنين واقترب من الحظيرة، ثم تحدث بصوت عالٍ آمر: "أيها الغريب! لقد حان الأوان. ستُجهّز للطقوس إلى جانب الأضحية المختارة. اخرُج لتكريم إرادة الملوك".

دبّ صخب خفيف داخل الحظيرة بينما شرع الناس يتحدثون ويتدافعون في الداخل. أومأ الرئيس برأسه أخيراً لأحد المحاربين، فاقتربا من البابين وفتحتهما على مصراعيهما. في الداخل، بدا الغرباء جميعهم واقفين في جماعة تتوسطهم أوفيليا في المقدمة، أقرب قليلاً إلى الباب. تسمّرت عيونهم جميعاً على ظهرها وهي تبتلع ريقها بصعوبة وتقدمت نحو الباب، بحركات متوترة ومترددة. كانت شاحبة ومجهدة، لكن عينيها كانتا مركزتين.

توقفت على مقربة من الرئيس ورمقت الرجل الفارع.

سأل ومحاربوه مستعدون لجلب الشخص الذي اختارته: "إذن، من سيقَع عليه الاختيار؟".

بدو الناس خلفها أكثر استرخاءً مما ظننت. غلب الحزن على المشاعر بدلاً من التوتر، ويبدو إذن أنهم اختاروا أحداً ما، أو أن أوفيليا قررت التضحية بنفسها في النهاية.

بدأت تقول: "أنا—"

لكن صوتها انقطع. أخذت نفساً عميقاً، وألقت نظرة خاطفة حولها فالتقطت عيناي. كانت نظرتها غريبة. بدا تردُّد، لا تردُّد الواقف على حافة جرف، بل من يوجه سلاحاً نحو عدو بلا شجاعة تكفي لضغط الزناد.

تمتمت: "أه؟ أمر مثير للاهتمام".

وددون تفكير تُذكر، أومأت لها مؤكداً. مهما دار بخلدها، فقد كانت فكرة صيبيحة إن كانت ستعني وضع شخص آخر على المذبح. شدّت على عضلات فكها واستعدت للكلام بينما تقدمت المرأة الطاعنة في السن التي كانت معهم من الجماعة. رمقوها جميعاً بنظرات يملؤها الحزن وهي تقترب من أوفيليا.

وقالت بصوت هادئ وهي تضع يدها على كتف الفتاة: "لا بأس، لا تقلقي".

وقفت بجوار الفتاة وأطاحت ببصرها نحو الحشد بعزم صارم يلمع في عينيها.

ثم أخذت نفساً عميقاً وشرعت تقول: "سأكون—"

لكن إعلان أوفيليا الصاخب قاطعها.

قالت وهي تشير إلى شاب يقف وسط الجماعة: "الأضحية هي توم".

ابتسمت. لقد أخذت بنصيحتي. ستغدو ساحرة ممتازة. لم يبدُ حشد الناس أمام الحظيرة متأثراً بالكلمات، إذ سار المحاربون بكسل نحو الشاب، غير أن الصدمة عقدت ألسنة الجماعة في الداخل. رمقت المرأة المسنة أوفيليا بفك منفرج. ثم أطبقت على كتفيها وأخذت تتوسل إليها لتعدل عن رأيها، قائلة إنها قد اتخذت قرارها. أما الشاب، فكان يصرخ. اختلفت نبرات صرخاته الواحدة تلو الأخرى. تذلل، تهديد، توسل من أجل حياته.

وأسهم بقية الناس في هذا الصخب. لكن كل ذلك ذهب أدراج الرياح. وقفت أوفيليا هناك، بفك مكفهر، ويدين مقبوضتين، لكن رأسها ظل مرفوعاً ونظرتها مسمّرة نحو الأمام. رأيت رغبتها في خفض رأسها والنظر إلى الأرض، غير أن ما استقرت عليه ظل حتمياً حتى وهي تكاد تذرف الدموع. وأخيراً، بعد عناء مع الأشخاص خلف أوفيليا، جرّ المحاربان الرجل الصارخ خارج الجماعة.

صرخ الشاب: "تبّاً لكم! دعوني وشأني!".

لكن ذلك لم يجلُب له سوى لكمة في ضفيرة الصَّدْم.

قالت العرّافة بصوتها الحكيم العتيق: "يا أوفيليا. يا ابنة الملوك. ورغم عجزي عن منحك مباركة باسم أي ملك أعرفه، فإني أتمنى مع ذلك أن تكوني كشجرة عتيقة. شامخة كالجبال، لا تكسرها أشد العواصف ضراوة".

وقالت هذا وهي تغمس إصبعين في زجاجة صغيرة تحوي سائلة أحمر واستخدمتهما لرسم خط بين عيني أوفيليا.

"وليكن أساسك بعمق جذور أقدم الأشجار. ليقودك صمت الغابات الصامت إلى الأمام".

أنهت كلامها وناولت الثوب الأبيض، إلى جانب قلادة تضم رمزاً خشبياً صُنِع على عجالة واضحة. الرمز ذاته المنقوش على صدرها.

أمرت العرّافة: "اتبعيني".

استدارت، فبدأت هي والكهنة بالابتعاد. اقترب أحدهم من توم حاملًا الرداء الأحمر والبرونزي، وبدا جلياً أنه لن يرتديه طوعاً، لذا جرّوه خلفهم وحسب.

قالت أستريد ما إن انتهى العرض: "حسنّاً، عليّ الذهاب أنا أيضاً".

قلت وأنا أومئ لها: "إذن أراك في المراسم".

لوّحت لي وانطلقت في إثر العرّافة. بعد ذلك، غادر الموكب باتجاه أحد المنازل في أعماق القرية. واُستُصحبَتُ إلى كوخي وأُمِرتُ بألا أُغادره بعد منتصف النهار لأن القرية بأسرها ستستغرق في الصلاة. أومأت للحارس وأعلمته بأني لن أغادر الكوخ قبل المراسم. دلفة للداخل ورمقت القط الذي كان ما زال غارقاً في نوم عميق فوق وسادة. بدا كقط منزلي عادي، مما دفعني تقريباً لإيقاظه عبر حكّه، مع إني ربما خسرت تلك اليد في خضم العملية.

لكنها فكرة مغرية. مع ذلك، امتلكتُ طرقاً أفضل لإيقاظه.

فتحت الباب مجدداً وهمست بصوت مسْموع بما يكفي للداخل: "إذن، يا أستريد، أمتأكدة من قدرتك على إحضار الأثر إن قتلت ابن الرئيس؟".

جاء التأثير فورياً، إذ قفز القط على قوائمه، ودون أن يمر وجهه حتى بمرحلة الارتباك، قفز مباشرة إلى الغضب وهو يصرخ: "ما الذي تفعله بحق الجحيم؟! أجننت أم—"

توقف، ملاحظاً خلو الباب إلا مني، ثم حدّق بي بوجه جامد.

"يا سيّد الرمال، أنت مزعج حقاً. إنها المرة الأخيرة التي أتقاسم فيها الغرفة نفسها معك".

ضحكت وأغلقت الباب خلفي: "لم تكن لدينا خيارات كثيرة للمبيت. أه، وإن كنت تريد شيئاً من القرية، فالآن هو الوقت المناسب. ممنوعون من مغادرة الكوخ بعد الظهيرة. سيغرقون في الصلاة".

أومأ القط وتوجه لتناول بعض الإفطار بينما تمددت على فراشي، أفكر في الأمور الغريبة الكثيرة التي وقعت مؤخراً. وهكذا، مرّت ساعات قليلة تخللتها محادثات خفيفة بيننا وصمت مطبق في الغالب. طوال اليوم، تمكنّا من سماع أغانٍ تؤديها القرية بأسرها آتية من جهة الكنيسة. ترافقت أحياناً بأبواق وطبول وآلات أخرى غريبة أجهل أسماءها. وأخيراً، مع اقتراب الليل، شرعنا نحن أيضاً في استعداداتنا.

وجب علينا إبداء الاحترام لمضيفينا في مراسم كهذه، فارتدينا أفضل ثيابنا وحلانا. كنت أرتدي رداء سحرٍ مزخرفاً. صُنع من قماش أسود وبنفسجي بتفاصيل ذهبية، ونُقِش شعار عائلتي على الكتف، مصوراً عيناً بداخل حدقتها خماسية أزهار، وتتساقط منها دﻣعة، مع رونوة لُجّيّة منقوشة في تلك القطرة. اتسم الرداء بأكمام واسعة، وهي سمة معتادة للسحرة حين لا يرتدون زِي القتال. وارتديت أيضاً خاتمين وقلادة تحوي بلورة مانا.

كان زياً احتفالياً نموذجياً للساحر. وضع القط ثلاثة خواتم على ذيله، وغطاء رأس شبكي ذهبي اللون يتوسط جبهته ماسة بحجم ملحوظ، وثلاثة قرط في كل أذن. انتظرنا في الكوخ ريثما يأتي أحدهم لاصطحابنا إلى المراسم.

بدد القط الصمت قائلًا: "إذن، في أي شيء أمعنت التفكير طوال اليوم؟ بالكاد نطقت بكلمة طيلة النهار".

كان محقاً. واجهت قراراً هاماً يتوجب عليَّ اتخاذه.

ضحكت: "ألست أملك ما يكفي للتفكير فيه؟ ما رأيك في أوفيليا؟".

أمال القط رأسه: "مَن؟".

"مختارة الملك الأجنبي".

"آآآه، هي. لا شيء يذكر، تبدو موهوبة للغاية، لكني لست متأكداً من امتلاكها ما يؤهلها لخدمة ملك. حتى لو مضت قدماً في التضحية، فأنت تعلم ما اعتاد أبوك قوله عن الملوك".

اقتبست كلام الرجل: "جوع كل كينونة مقدسة بلاء على الخليقة. وما ملوكنا إلا أنهم لا يخفون ذلك خلف ستار العقل. خدمة الملك ليست بالأمر الهين، لكنها تمتلك إمكانات".

هزّ القط كتفيه: "لا يعنيني الأمر. حلَّ لغزك لكي نتمكن من مغادرة هذا المكان. هناك الكثير من العمل، ولا يمكن للإجازة أن تدوم للأبد. كما أن الوسادة سيئة لظهري".

أدارت عينيّ مستاءً من المخلوق المدلل.

قال القط بزهو: "بالحديث عن العمل، أأبرمت عقوداً لمواد القصر؟".

"نعم، سنفرغ مخزنك ذاك بالكامل تقريباً، لكن كل شيء بات في مكانه. وكل ما تبقى هو استئجار العمال—".

كنت على وشك تعكير مزاجه، غير أن طارقاً على الباب قاطعنا. بعد لحظات، فتح الباب، ووقف في المدخل كاهن تايبو مرتدياً رداءً أخضر احتفالياً.

وقال بصوت هادئ: "ستبدأ المراسم الوشيكة. سأقودكم إلى مقاعدكم. كما أن دم عملاق النار هوى على المذبح بينما ابتهج الملك. وكلفت بنقل شكري إليكم على الهدية. لا شك أن كهنتنا سينالون قوى أعظم".

ابتسمت وأومأت. لقد نسيت أمر الرجل في خضم الاضطراب. تبعنا الرجل كلاكما وهو يقودنا عبر القرية باتجاه الموضع الذي أقيمت فيه الوليمة سابقاً. بدت القرية منظراً غريباً ومؤلماً. أولاً، غرق المكان في صمت طبق الأصل. لم يصدر أي صوت، كأن كل من فيها قد تبخّر تماماً. لكن ثمة شيئاً آخر. هالة شابهت تلك التي يصدرها البشر، بيد أنها كانت حاضرة دائماً. عبق الهواء برائحة الطحالب الرطبة والصنوبر والدخان.

وشابهت الهالة تلك الخاصة بغابة كئيبة. ثقيلة، طاغية بعض الشيء، وتصعب عملية التنفُّس. غير أن ما زاد الطين بلّة، عنصر دقيق وبالكاد يُلحظ من السعة الهائلة. بدت المباني نظيفة، وزينت واجهة كل منها بجمجمة وعل معلقة فوق بابها. فُتِحَت الأبواب جميعها مع تزيين العتبات بالطحالب.

لاحظ الكاهن إمعاني النظر في القرية فتكلم: "هذا لدعوة ستجارنموسا وتايبو إلى منازلنا. سينزل جزء من الملك نفسه الليلة، لذا تدعوه القرية بأسرها للداخل".

أومأت برأسي، مستهوَى بالمراسم برمتها. ثم شعرت بضغط على كتفي حين قفز القط فوقي.

وهمس في أذني وقد أثرت فيه الأجواء: "أعلينا العودة وتزيين كوخنا الخاص؟".

أجبته مهدئاً من روعه بعض الشيء: "لا. إن لم يطلبوا منا ذلك، فأشك في ضرورة فعله. كانت أستريد لتنبهني. لا أظن أن دعوة الملك إلى منزل كافر فكرة سديدة".

حينئذٍ، قطع الصمت الكثيف ضربة طبل مفردة. تلاها طنين منخفض لنوع من الأبواق ذات الطابع العتيق يهز الهواء، وسرعان ما انضمت إليها ترنيمات الحنجرة وبعض الضربات الإضافية للطبول. وما إن وصلنا إلى المكان حتى امتزجت بالصوت غناء امرأة، بصوت عرفته فوراً بأنه صوت أستريد. انبثقنا أخيراً من خلف مبنى، وشهدت موقع الطقوس. وقد كان منظراً يستحق التأمل بحق.