طارد الأرواح الكوني الفصل 4 — ما يختبئ في الضباب

اقرأ طارد الأرواح الكوني الفصل 4 — ما يختبئ في الضباب باللغة العربية على مانجا تايم.

ممدت وعيي نحو المحيط وادركت فورا تراجع حواسي. كان اختراق الضباب شبه مستحيل.

"تبا."

كنت في عقر دار المخلوق لسبب ما. حذرني شعور مزعج بالوخز اسفل عمري الفقري من ان شيئا ما يراقبني. كبحت رغبة الالتفات متجاهلا الحضور الكامن في الضباب والذي رصدته على حافة رؤيتي تماما. ظل لم يصنعه تحرك الضباب الدائم والعشوائي، هيئة راسخة وسط الدوامة. كان يكتفي بمراقبتي الان. احتجت الى التفكير بسرعة. مهما كان هذا الشيء، لم يكن مفترضا به ان يقدر على سحب روحي من جسدي، ولا سيما دون ان انتبه.

كان اقتحام احلامي امرا خطيرا بالنسبة لي وانتحارا لاي محاول. اذن، لم يبق الا احتمال واحد — وهم. كنت اقف في غرفتي حقا، وكانت التعويذة تخدع عقلي ليوصده الاعتقاد باني واقع في فخ المخلوق. لا بد ان الامر هكذا.

"ليس سيئا."

استرخيت قليلا بعدما ادركت ما يجري. كان الوهم متقنا للغاية. اما كيفية القائه فمسألة اخرى تحل لاحقا، غير ان الوقت لم يكن مناسبا الان. راقبت الحضور يقترب من حافة الضباب. فاجاتني حركة حادّة اعلنت عن الهجوم. انطلق رمحان مظلمان صوب ركبتي مستهدفين تشويهي. كان القذفان سريعين وبلغا هدفهما قبل ان اتمكن من فعل شيء. راقبت العظام تتكسر واللحم يتمزق وانا انظر الى ركبتي المشوهتين.

لكنني لم اقع.

قلت بلغة الظلام: "عمل سحري مؤثر، لكن التنفيذ سيء. ان لم تستطع اقناعي باني مصاب، فلن اصاب يا صديقي المظلم"، قلت بهدوء دون ان اتلقى ردا.

حسنا، لا اهمية للامر. ان اصيب الهدف بالذعر، امكن ايذاؤه، اما ان اصيب الملقي بالذعر...

"اعلم انك تستطيع الكلام. وبما ان هذا لقاؤنا الاول، فدعني اقدم لك درسا مجانيا. من الخطر جِدّاً ابقاء الهدق رهين وهم بعد ان يدرك كنهه."

ابتسمت له اتساعا.

"دعني اريك السبب."

ممدت وعيي محاولا استشعار الرابط الذي يشغل التعويذة. وما ان حددته، حتى شرعت اضغط بطاقتي العقلية في كل ما يحيط بي، مفسدا الاشياء، ومهيمنا على التعويذة، ومتسللا ببطء نحو العقل في الطرف الاخر. بدات الارض والاثاث حولي تتعفن وتتلواء لهيئات غريبة وعالمية اخرى. احسست بذعر المخلوق. حاول الغاء التعويذة برمتها، لكن الاوان كان قد فات. كنت قد ثبت جذوري. دعوت الحبر على يدي ليعلو سطح الجلد.

وكأن وحشا بحريا يخرج برسه من الماء، بدات الهيئات والرموز تظهر على بشرتي. استخدمت تلك الوشوم لحياكة اللعنات، وكانت في ذهني لعنة مثالية.

قلت بمرح: "اه، لا ترحل بعد. لم نتعرف الى بعضنا حقا."

فترض ان يكون مذعورا بالقدر الكافي ليصدق ان بمقدوري ايذاءه. رقصت اصابعي في بضع هيئات رمندية بينما هتفت بالتعفن وادخلت يدي في الضباب. بدا الضباب الابيض يتحول الى اخضر داكن، وعوى المخلوق الما. كنت مصيبا. ولكن بعد ذلك، وبطقطقة حادّة، تصدع كل ما حولي، ووجدت نفسي عائدا الى غرفتي جالسا على سريري.

وجهت كلامي الى الشقة الخالية: "تهرب بقطع ذيلك هه؟ ذكي."

تمكنت من الحاق اصابة طفيفة بعقله، لكنه كان سريعا، ولم اترك عليه اي لعنة دائمة. قد يظن المرء ان ايذاء خصمي قبل المعركة امر عظيم، وقد كان كذلك، غير ان الاخبار لم تكن كلها سارة. اختار هذا الشيء اسوأ هدف ممكن لسحر قائم على الخوف، لكنه قادر على تعاويذ اكثر تعقيدا، مما يوحي بذكاء عال جدا. علاوة على ذلك، كان قادرا على سحر خارج وكره، مما يعني انه قادر على فعل ما هو اكثر بكثير داخله.

فضلا عن ذلك، كيف القيت التعويذة؟ شككت في انه تسلل الي او حمل اي مكون سحري يوصل السحر بي. ربما لم تكن المعركة بالبساطة التي ظننتها. ذهبت لتفقد المنزل، وما ان خرجت من غرفتي حتى صدمتني: رائحة شعر محترق وساعات متجمدة عند الثانية والدقيقة الرابعة والثلاثين صباحا.

كان اليوم التالي هو موعد التعامل مع الشبح. كنت أنوي الذهاب بعد منتصف النهار. إن استغل الشبح ذكائه، فلن يظهر والشمس لا تزال مشرقة. وحتى إن فعل، لم تكن لعبة ضرب الخلد مع روح ضمن قائمة مهامي. لذا شرعت في الاستعداد للتحرك قبل غروب الشمس بنحو ساعتين. أمامي رداء ساحر أسود. على عكس الأرداء المزخرفة المعتادة ذات الأكمام الواسعة، كان هذا رداء قتال بسيطاً. حمل تفاصيل فضية ومجموعة من الرون حول الحزوز، ومادة أسمك في منطقة الصدر، وأكماماً ضيقة تنتهي قبل المعسِم — علامة نسّاج لعنات.

بعد ارتدائه، أحكمت ربط حزامي الجلد الأسود حول خصري وشرعت في وضع الأسلحة في جيوبه العديدة. استمتعت بهذه الجزء خصوصاً. كان مريحاً بطريقة غريبة. بجوار يدي اليمنى خنجر من السبج الأسود بمقبض عظمي أبيض، مستعد للسحب. ثبتت مجموعة من الزجاجات الصغيرة في الخلف، وزوجاً من التعاويذ في الحافظات على يساري، مع بروز السلاسل من العلب لسهولة الوصول إليها. وأخيراً، الجزء الأهم من العتاد.

عصا سوداء وذهبية بمركّز سحري في الأعلى وتحته خمس بلورات أصغر. مثّلت كل بلورة صغرى تعويذة تُلقى فوراً ودون أي مكونات بسرعة الفكرة. ثلاث تعاويذ من الدائرة الأولى واثنتان من الثانية. بلغ طول العصا قامة تقريباً، ومُصنعة من خشب أسود تتخلله خطوط ذهبية تشبه الأوعية الدموية. استقرت جمجمة منحوتة في قمة العصا، وبدت كأنها تنتمي لوعل، لكنها أصغر، بحجم يناسب السلاح أكثر. استقرت بلورة حمراء بمركز أسود في جبهة الجمجمة، والتي شكّلت المركّز السحري، أداة أساسية لتسريع عملية إلقاء التعاويذ.

تحققت من كل شيء مرة أخرى وفعّلت العصا بينما التوت حول معصمي، لتنكمش وتثني حتى بدت كسوارد. وأخيراً، بعد حادثة الليلة الماضية، تأكدت من رفع جميع دروعي الذهنية، وتدفقت أفكاري بسلاسة. أحبت الأرواح خدعها الذهنية حقاً، وأملت أن تحاول المخلوقة اقتحام عقلي. بدا التسلل إلى نفسية شخص أمراً صعباً ما لم تملك المقدرة الفطرية، مثل شبح أو متعاطف شعوري. ولكن حتى بالنسبة لهما، ظلّ إقامة اتصال ثنائي الاتجاه أمراً ضرورياً.

اتصال ثنائي الاتجاه يمكن عكسه من قبل شخص متمرس في فنون العقل.

وصلتُ إلى مكان طرد الأرواح. كان منزلاً أمريكياً نموذجياً في الضواحي. طابقان، وشرفة، وعشب في المقدمة. كان البناء مصاناً جيداً. الشيء الوحيد الذي يوحي بأنه خالٍ هو الصحف الملقاة على الشرفة. نظرتُ عبر النافذة وتعرفتُ على المكان فوراً. كان مطابِقاً لما رأيتُه في الرؤية. لا مفاجأة هنا. بعد الدخول، التفتُّ حولي لأتعرّف على محيطي. كان أمامي نحو ثلاثين دقيقة من ضوء النهار، وكنتُ أستطيع بالفعل استشعار حضورٍ في المنزل، ولكن كما توقعتُ، كان الشبح مختبئاً، بانتظار أن ينحسر الشمس.

بعد ذلك، شققتُ طريقي نحو الشرفة. أزعتُ غطاء إحدى القارورات، وغمستُ ثلاثة أصابع في المادة الحمراء وبدأتُ برسم ختم على باب المدخل. ما إن أُغلقه مجدداً، حتى يخرج واحدٌ منا فقط حيّاً من ذلك المنزل. كان الأمر مبالغاً فيه بعض الشيء، لكنني لم أكن أعلم كيف يعمل هذا الكيان أو ما هي حدوده. بعد نحو عشر دقائق، وقد أنجزتُ عملي، وقفتُ في الخارج أنظر إلى الشمس غروباً. كانت السماء تكتسي بلون أحمر أعمق مع استطالة الظلال، مستيلاءً على العالم من قبضة النُّور.

رفعتُ يدي اليسرى نحو قلبي وشعرتُ بنبضي. كان نبضاً منتظماً لكنه عالٍ، أسرع بقليل من المعتاد. ارتسمت ابتسامة على شفاهي. تلك كانت اللحظات التي أعيش من أجلها، اللحظات التي أتذكر فيها أنني حيّ، حيّ حقاً، لا مجرد آلات تحركها روتينيات قديمة بلا وعي. رفعتُ بصري، وأخيراً، غطت الظلال القرميدة الأخيرة من سقف المنزل. حان وقت التحرك. عندما عبرتُ العتبة، شعرتُ بحضور مرة أخرى، ملموس هذه الماقرة، كأن شخصاً ما يقف على حافة رؤيتي، يحثني على الالتفات ورائي.

نعم، كان الشيء هنا، ينتظر، ومتجسداً بالكامل أخيراً. أخذتُ نفساً ونظرتُ إلى الضباب وهو يملأ المنزل ببطء، صاعداً من العدم.

فكرتُ وأنا أسمع الأبواب تُغلق ورائي: "حان وقت الصيد".

ومع نقرة القفل، دَبّ الحياة في الختم على المنزل. ملأ ضباب رقيق المبنى، من دون أن يحجب الرؤية تماماً بل جاعلاً الظلال والخطوط المحيطة مبهمة بعض الشيء، وكأنها غير حقيقية تماماً. أضفى ذلك على المنزل شعوراً أثيرياً شبيهًا بالأحلام. تضاعف ذلك الشعور بفضل ذلك النوع من الصمت الذي يمكن للمرء فيه سماع نبضات قلبه. كان أمراً غير طبيعي ومقلقاً لأي شخص حاضر، مما يجعله يرغب في تشغيل مذياع أو موسيقى لإخفائه.

شققتُ طريقي ببطء عبر الضباب نحو السلالم. كانت الخطة بسيطة — العثور على المرساة وتدميرها، ويفضل قتل العدو إن ظهر في طريق المشوار. وبما أن المشاعر القوية كانت مطلوبة لتشكل أي روح شريرة، فالوجهة الأولى للفحص هي المكان الذي مات فيه الرجل. الأرضيات التي كانت سليمة قبل قليل أصبحت تصرير مع كل خطوة أخطوها. شققتُ طريقي ببطء متجاوزاً مدخل غرفة المعيشة وحينها حدث الأمر. دويّ!

دوى صوت عالٍ تماماً ورائي، قادماً من باب المطبخ. أي شخص كان سيلتفة للنظر، لكنها لم تكن جولتي الأولى. بدل التحقق منه، استخدمتُ فوراً إحدى شحنات التعويذة في العصا. اضمحلال طارت كرة سوداء وخضراء متلوية من العصا وانفجرت مباشرة أمامي، مما جعل بعض الخشب يتعفن ويذوي. في الوقت المناسب تماماً لأرى الظلال تهتز وتتعدل، متراجعة إلى أماكنها الصحيحة. تجمدتُ في مكاني. لم أستطيع الشعور بالهجوم قادماً ولا تعويذتي وهي تجد هدفها.

فرّقت سحري الخصوم، لكن المهاجم لم يكن له أثر. كان الحضور لا يزال هنا، ولكنه ليس هنا تماماً أيضاً. لم يكن بحاجة للاقتراب ليهاجم. ألقيتُ درع النحيب، وأجريتُ بضع إيماءات باليد، واستطعتُ أن أشعر بالطاقة تلتف حولي مثل بطانية مبللة. لم يكن الشعور الأفضل، لكن التعويذة تستطيع تلقّي هجوم مباشر.

تساءلتُ: "هل المنزل بأكمله مرساة كبيرة؟".

لكن ذلك كان مستحيلاً. لكنتُ شعرتُ بذلك فور الدخول. نشأ الهجوم من الظلال، لكن الحضور لم يزداد قوة.

"هل أتوجه لطرد الأرواح فوراً؟".

لكنني احتجتُ بعض الوقت للطقس، ولم أستطع المضي قدماً فيه إن لم أستطع رؤية هجوم قادم. كانت بحوزتي قارورة السائل المبارك، لكن بلا هدف لاستخدامه عليه.

هتفتُ نحو الضباب: "تبّاً"، وفعّلتُ تعويذة أخرى بترديد حلقة المراقبين لأمنح نفسي بعض المساحة للتنفس.

شعرتُ بالفضاء من حولي يتبلور بوضوح في عقلي رغم الضباب. ثم أخذتُ إحدى التمائم من حزامي. كانت أداة شبيهة ببوصلة، لكن الإبرة لم تكن تتحرك. دفع بعض من سحري في المكان الصحيح فعّلها. الآن كل ما احتجتُ إليه هو اصطياد شظية من المانا العائدة للكيان. لمس البوصلة بهجوم سينجح، لكن تلك كانت مناورة خطيرة. ألغيتُ تففعيل الحلقة، وشققتُ طريقي نحو السلالم. جاءني هجومان آخران من الظلال.

نجحتُ في الدفاع عنهما كليهما، دون استخدام العصا هذه المرة، لكنني لم استطع اصطياد أي مانا. كانا سريعين للغاية وغير متوقعين البتة. لكنني لاحظتُ نمطاً. كانت التعويذات تأتي دائماً من الظلال. ربما كان للكيان صلة ما بعنصر الظل، مما يجعل الهجمات قوية لكن محدودة في التنوع. ألقيتُ نوراً، وتفرّقت معظم الظلال من حول صعودي السلالم، وكل خطوة يصاحبها صرير مخيف. بدا وكأن الصور الشخصية على الجدران تتبعني بعيونها الفارغة بينما كان الضباب في الأسفل يزداد كثافة، ليبدو الأمر وكأنني أمشي فوق هاوية بيضاء متدوّمة.

وأي خطوة خاطئة تهدد بإلقائي فيها. كان عليّ أن أنصف الكيان. كان العمل العقلي ممتازاً. كل شبح يملك القدرة الطبيعية على بث الخوف، لكن هذا العرض كان جيداً حقاً — لدرجة أنني كادت أفوّت الوخزة الطفيفة في مشهدي العقلي. شق الحضور في عقلي طريقه ببطء ولكن بثبات إلى أعمق، نحو جزء النفس حيث تقطن المخاوف والرهاب السطحي. لو كنتُ شخصاً عادياً، لكنتُ غالباً أتساءل لمَ أفكر في ذكرى مخيفة من الماضي، في تلك اللحظة بالضبط، بينما يحصل الكيان على نظرة جيدة لمخاوفى.

لكنني لم أكن شخصاً عادياً. كان الحضور في عقلي يتحرك بحذر حتى توقف فجأة. لاحظ أخيرًا أن ثمة خطأ فادحاً، محذراً على الأرجح من شعور بدائي بالخوف نشأ فيه. لكن الأوان كان قد فات. مستخدماً قوتي العقلية الخاصة، قبضتُ على البنية الشبيهة بالجسيمات، محبساً إياها في مكانها، وشققتُ طريقي إلى الشيء في الطرف الآخر، بلا تسلل، بل هجوم بقوة غاشمة محض. وهناك، شرعتُ في العبث بنفسية الكيان كالثور في مستودع خزف، محاولاً قراءة تياره الواعي الحالي.

استطعتُ الشعور بالعقل في الطرف الآخر. كان أكثر تعقيداً بكثير من أي روح واجهتها من قبل، لكن لم يكن لدي وقت للتفكر. بدأ جزء منه في رأسي يتراجع في ذعر. ومع وصوله إلى بعض ذكرياتي، قصفني برؤى من طفولتي الخاصة، آملاً أن يثير أحدهما استجابة قوية كافية لكسر تركيزي. ومضت الذكريات أمام عيني. استطعتُ رؤية ماضيّ الخاص متشابكاً مع أفكار الشبح السطحية. ومضت داخل عقلي رؤية رأس في حاوية زجاجية معقدة ينظر إليّ بابتسامة محبة.

كان الشبح يُعد فخّاً. أشخاص يترنمون بلغة قديمة بينما كان أنا ابن الثالثة عشرة أجلس أمام منحوتة ضخمة ذات أبعاد وزوايا وألوان ليست من هذا العالم. إلهاء، ثم هجوم، كان يخطط لضربة قاضية. كتاب قديم ضخم برمز غريبة، أكثر نصوص البشرية كفراً، مُمرّر إليّ. من كل مكان. ابتسامة امرأة دافئة. شيء أكثر، خدعة داخل خدعة، ثمة خطأ ما، شيء ما — بينما حاولتُ شق طريقي إلى أعمق، ضاع الاتصال وتراجع الحضور بينما استخدمتُ بسرعة تعويذة درع لصد هجوم متعجّل.

كشفتُ عن جزء من خطته، لكن كان هناك شيء آخر، شيء لم يتسنى لي رؤيته. كان عليّ توخي أقصى الحذر. كل ما بوسعي فعله هو زيادة تركيزي والأمل في قتله قبل أن يدخل أي متغيّر جديد في اللعبة.