طارد الأرواح الكوني الفصل 3 — ثمة خطب ما

اقرأ طارد الأرواح الكوني الفصل 3 — ثمة خطب ما باللغة العربية على مانجا تايم.

كان اليوم في الجامعة شاقاً. كل ما شغل بالي هو ذلك المسكون الغريب. ومع انتهاء المحاضرة الأخيرة، انطلقت هارباً من هناك كالمجنون. قُدت سيارتي لمدة ساعة بعد أن أفرغت كل شيء وجهّزته للوجهة المحددة، ووصلت مبكراً بخمس وأربعين قتيقة. كان المقهى دافئاً ومريحاً في مانهاتن، وزُيّن بطراز كلاسيكي، وعلقت على جدرانه صحف قديمة وصور بالأبيض والأسود للمشاهير. وُضع تلفاز قديم في الزاوية وضُبط على قناة إخبارية.

وُجد بغرض الزينة غالباً، إذ كتم صوته وبقي شريط الأخبار وحده ينقل خبراً عن نوع من عمليات الاختفاء اليوم. لم تكن هذه بأفضل طريقة لتهيئة المزاج. استقرت في مكاني، وأخرجت دفتر ملاحظاتي لأراجع القضية مرة أخرى. بدت كحالة مسكون نموذجية مع استثناء واحد. لم يكن مفترضاً أن تحدث من الأساس. لم يكن هناك أي شيء يعود لعصور الأساطير، وأي روح تتجسد بعد الموت، مهما بلغت من الغضب أو الحقد، تحتاج إلى المانا.

نظريتي العملية كانت تتمثل في صعوبة اكتشافها، تماماً كقطعة أثرية خفية ما زالت تعمل لكنها تسرب الطاقة إلى محيطها. بالطبع، لم تكن تلك النظرية جيدة للغاية، نظراً لأنها ستكون بين أوائل الأمور التي يفحصها الوسيط ومساعدوه. وكنت واثقاً أن كيو شار كان أحد الأفضل في هذا المجال. تمثلت إمكانية أخرى في كونها فخاً. لم يخلو الأمر من مهتمين بكنوز عائلتي. ولكن مجدداً، بدا محاولة اغتيال بهذا التعقيد، ودون تسرب أي معلومات، وعلى أرض وسيطي فوق ذلك، أمراً مستبعداً بدرجة أكبر.

جذب انتباهي صوت فتح الباب، فرأيت امرأة طويلة وفارهة العضلات تتقدم للداخل. تميزت ببنية رياضية، كمن تتوقع أن تفيض بالحيوية. لكن الواقع كان عكس ذلك تماماً. وعلى الرغم من رشاقة جسدها، إلا أن بشرتها بدت شديدة البياض وشاحبة كالوَرَق. غلبت الفوضى على شعرها وأهمل بوضوح، وانعكس إرهاق موظفي مكاتب على وقفتها لا حيوية الشباب. لكن أكثر ما لفت الانتباه كان عينيها. بداتا ميتتين، كبركة مياه عكرة مظلمة، وربما كانتا بنيتين نابضتين بالحياة يوماً، لكنهما تحولتا إلى رمادية تحيط بهما هالات سوداء، علامة على أرق دائم.

تفقدت المكان ولمحتني وأنا ألوح لها بخفة. شقت طريقها نحو الطاولة، وكادت تتعثر عندما صدر دوي عالٍ من المطبخ. وما إن اقتربت، حتى لاحظت شيئاً آخر، شيئاً غير مرئي لأي شخص عادي، وهو هالتها. بدا الأمر كأنني أنظر إلى شمعة محتضرة في مهب الريح. شعرت بالخوف والتردد وقليل من اليأس، والأهم من ذلك، الإرهاق المنبعث منها. لا تظهر هالات البشر بوضوح عادة، إلا إذا مروا بحالات عاطفية قوية، لكن هالتها كانت تصرخ فعلاً بأن سوءاً قد حدث.

لكن وجب عليّ البقاء في حالة تأهب؛ فالهالات ليس من الصعب تزييفها.

قالت: "لا بد أنك السيد صامويل".

مدت يدها ففعلت المثل، لكن يدي الأخرى أدت سلسلة من الحركات الخفيفة خلف ظهري.

همست بلغة تعويذية: "تحطيم"، وشعرت بكمية ضئيلة من السحر تغادرني.

إن استُخدم هذا الهجوم بكمية مانا تفوق طاقة الخسيم بكثير، فقد يصيب سحره بضرر بالغ أو يعطله حتى، لكنه في شكله الضعيف لن يلحق أي أذى. وما قصدته كان الأثر الآخر. فلو كانت تخفي سحرها، لترك الهجوم أثراً. ولو وُجدت أي مانا، لحاولت إزعاجها. بدا الأمر فظاً ويتطلب تلامساً جسدياً مع الهدف، لكنه جاء مفاجئاً، وآمل أنها لم تستعد له. شعرت بسحري يندفع داخلها بينما انتفضت قليلاً، ولكن...

بلا أثر. تبددت المانا. إذن لم يوجد سحر لدى العميل، كما أخبرني الوسيط، أو أنها كانت بارعة للغاية في إخفائه.

قلت دون أن أضيع لحظة، ومنحتها ابتسامة دافئة أملت أن تبدو حقيقية: "نعم، لكن لا داعي للقب السيد، نكتفي بسام فحسب. سمعت أنك تتعاملين مع مشكلة ذات طبيعة غير عادية، آنسة ويليس".

ردت وهي تتحرك في مقعدها وتفرك يديها بقلق: "نادني سارة إذن، ونعم".

جالت عيناها في المكان كأن الكلمات الصحيحة لشرح ما يجري كُتبت على الجدران. وأخيراً، بعد أن جمعت أفكارها، بدأت بالكلام.

"إذن، لنبدأ... أمم... انظر، أنا لا أؤمن حقاً بكل تلك الأمور المتعلقة بالأشباح. أنت تعلم أنني..."

أكملت نيابة عنها: "لست مجنونة. تفضلي بالكلام على راحتك، أعدك أنني لن أستخف بك. لو أمكن تفسير ما يحدث لك بطرق طبيعية، لما كنت جالساً هنا".

رأيت كتفيها ترتخيان مع عبارات الطمأنينة التي قلتها. بعد ذلك، استمعت إلى نفس القصة التي وصلتني موجزة من الوسيط. أصبح شاب منحته فرصة مهووساً بها، وانتهى الأمر بإطلاق نار. وبعدها بدأ ظهور الأشباح الكلاسيكي.

أومأت برأسي وقلت: "نعم، أنا أفهَم. عليّ طرح بعض الأسئلة، وقد يبدو بعضها غريباً أو شخصياً، لكن ارجوك ابذلي قصارى جهدك للإجابة".

تلقيت إيماءة موافقة بالمقابل.

"ذكرت أنك انتقلت إلى شقة والدتك، لكن الأحلام والحضور استمرا، وإن قلّا بشكل ملحوظ. ولكن هل استمرت رائحة الشعر المحترق ساعة إطلاق النار بعد الانتقال أيضاً؟"

اتسعت عيناها، وبعد ثانية للتفكير، فتحت فمها.

"لا... لا أعتقد ذلك. أعتقد أن الرائحة اختفت الآن".

بدت وكأنها تتوقع مني معرفة ما يدور بالضبط، وفهم هذا الأمر الشغي الذي جعل حياتها جحيماً مطبقاً. جعل الأمل في عينيها يبدو كمنارات، لتعيد إليها بعض الحيوية. لكن لقول الحقيقة، معظم النظريات التي امتلكتها حول طبيعة المخلوق الذي يطاردها ودّعتني للتو. كانت الرائحة إحدى الظواهر المحتملة المرافقة لتجسد الشبح، ولكن إن لم يتجسد في منزل والدتها، فكيف بحق الجحيم استمر في مطاردتها؟

"أحدث شيء غير عادي قبل إطلاق نار، كشخص غريب أو غرض تواصلت معه، شيء ترك في نفسك شعوراً مخيفاً لسبب غير مبيّن؟"

أضفت في سرّي: "كالذي تشعرين به وأنت جالسة معي".

مرّت ثوانٍ إضافية من التفكير تلتها هزّة رأس حازمة.

سألت: "هل تعيشين إطلاق النار مجدداً في هذه الأحلام؟"

"لا، حسن عندما أخذ غفوة أحياناً، لكنني أظن تلك طبيعية. الأحلام الواضحة تختلف. أشبه بمعرفتي أنني أحلم دون القدرة على الاستيقاظ".

رأيتها ترتجف، لكنها واتصلت الشرح: "أجوب منزلي دون أن أعثر على المخرج. يتحول إلى شبيه بمتاهة تعج بضباب أبيض دوّام، وأسير وأسير بلا نهاية. وعندما أستيقظ بعدها، أكون في غاية الإرهاق، كأنني لم أنم بتاتاً. كما يمكنني رؤيته أحياناً على حافة نظري وهو ينطق بتلك الكلمات الغريبة".

اختفت نظريات إضافية من قائمة التفسيرات المحتملة.

سألت: "ممم، أترين أي علامات أو رموز في تلك الأحلام؟"

"لا، لا شيء من هذا القبيل".

"أمتأكدة أنت؟"

اضطررت للتأكد.

"نعم، أذكرها جيداً، حتى وإن حاولت تجنب ذلك..."

"أظهرت لديك حالات طبية غير معادية بعد الحادثة؟ شيء غريب، كطفح جلدي غريب الشكل، أو تقيؤ شعر أو أظافر يوماً؟"

سألت باشمئزاز واضح: "لا، يا للتقزز. أيمكن أن يحدث ذلك حقاً؟"

أكدت لها: "في بعض الحالات، نعم"، قبل أن أنتقل إلى الجزء الأغرب في المقابلة.

"أتعانين حالات إثارة غريبة؟ كالمواقف المحرجة للغاية حقاً؟"

جاء الرد حازماً: "لا".

سُررت لسماع ذلك. ف التعامل مع أشباح من تلك الطبيعة غالباً ما يكون مقززاً.

"حدثيني عن أكبر مخاوفك. ولا أعني الميتافيزيقية كـ(الفشل في تحقيق أحلامي)، بل شيئاً بسيطاً، كالعناكب أو سيناريو ملموس".

"حسن، يبدو الأمر غريباً في الواقع، لكنني أخشى ألا أدرك مكاني وأضيع. تهت مرة في مدينة كبيرة وأنا طفلة. بدت كمتاهة بالنسبة لصغيرتي، وأمضيت ثلاث ساعات أجوبها مذعورة قبل أن يفكر أحدهم بالاتصال بالشرطة. ومنذ ذلك الحين، أخاف ألا أعلم أين أنا أو أعجز عن إيجاد طريقي".

"لذا لابد أن الأحلام تشكل عبئاً خاصاً عليك".

أومأت برأسي بوهن. إذن، امتلك الكيان القدرة على تعلم مخاوف الضحية. وغالباً ما تتمتع معظم الكائنات غير الميتة الشبيهة بالأشباح بذلك، فلا جديد هنا، لكن استخدام منزلها المفترض أن تشعر فيه بالأمان كمتاهة مجهولة كان أمراً خبيثاً للغاية. ومهما كان ذلك الشيء، فقد برع في العمل الذهني.

"السؤال الأخير. أرجو أن تمنحيني كل التواريخ المتعلقة بك، كموعد عيد ميلادك، ويوم اسمك إن احتفلت به، وأي عطلات أخرى تخصك وحدك".

سردتها كلها، ومؤسف أن علم الأرقام والأبراج لم يقدما أي إجابة بدورهما. أمضيت ثوانٍ في التفكير، لأتظاهر أساساً أمامها بأنني توصلت إلى إجابة.

كذبت قائلاً: "لا تقلقي، أعتقد أنني أدرك ما يحدث، وينبغي أن أكون قادراً على المساعدة".

وبعد بعض الحديث العابر، غادرت مسرعة، واستطعت أخيراً التخلي عن دور الطارد البارع. مددت أصابعي وفرقعت مفاصلها، مفكراً في القضية. بدت المسألة برمتها لغزاً ضخماً. ظهرت علامات المسكون النموذجي، مما يوحي بسيناريو منزل مسكون تقليدي عتيق. لكن في الوقت ذاته، استمر المسكون حين غادرت المنزل، مما يوحي بمحاولة استحواذ أو مسكون لغرض حملته معها دون علمها. ولكن لدحض تلك النظرية، كان المسكون أضعف خارج المنزل، وهو ما لم يكن منطقياً على الإطلاق.

لو كان المنزل مسكوناً، فسيصبح شبحاً أو طيفاً بسيطاً، ولا ينبغي له القدرة على مغادرة الأراضي المسكونة. ولو كانت محاولة استحواذ، لرجحت كونها روحاً أدنى، ولما أحدث المكان أي فرق. ربما باستثناء الكنيسة، لكنني أشك في أن والدتها عاشت في واحدة. استعرضت معلوماتي عن الأرواح الأساسية، لكن شيئاً لم يبد منطقياً. وبقائي وحيداً الآن على الطاولة، أقلب الشاي في الكوب، فرض عليّ اتخاذ قرار.

كان التقدم بنصف عمى أمراً خطيراً، ولكن من جهة أخرى، رغبت بفك رموز اللغز، وبدا جني أجر مادي مقابل أي أمر خارق للطبيعة مكافأة لطيفة أيضاً. جهّزت أفضل الأسلحة لأي نوع من الكائنات الروحية المظلمة، لذا وجب أن أكون بخير مهما كان، حتى وإن لم أكن حريصاً جداً على استخدامها. وحسناً، من أخدع؟ كنت متحمسباً أكثر من اللازم لعدم الذهاب. احتجت لمعرفة ماهية هذا الشيء. أخبرت المرأة أن تحاول النوم تلك الليلة برفقة شخص آخر في الغرفة وأن تصلي قبل الخلود إلى الفراش.

جاء ذلك للراحة أكثر من أي شيء آخر. والآن، امتلكت عنواناً وشبحاً ينبغي التعامل معه. أرسلت لها رسالة أخبرها فيها أنني سأعتني بالأمر غداً. وما إن اتخذت قراري، حتى شربت ما تبقى من الشاي وتوجهت للمنزل، مواصلاً التفكير في السيناريوهات المحتملة. والجزء الأكثر إشكالية تمثل في رائحة الشعر المحترق. دلكت هذه العلامة على اتخاذ الشبح شكلاً ماديّاً كاملاً، مما يعني انتماءه لكيان من الفئة الثانية.

وبشكل عام، تشترك الأشباح وغيرها من الكائنات تحت مصطلح "شبح"

في خصائص متشابهة. وما لم تمتلك وعياً متكاملاً، فستمتلك دائماً مرساة، شيئاً يتيح لها البقاء والتجسد في العالم العادي. وقد تتمثل هذه المرساة في مكان، أو غرض، أو حتى شخص. وأمكنها اختيار التجسد أم لا. بيد أنه بمجرد حلول الظلام، ترتبط المرساة تلقائياً بالعالم المادي، مما يجعلها عرضة للتدمير أو الختم. وعادة ما عملت طقوس طرد الأرواح هكذا. لكن ما المرساة في هذه الحالة؟ لم تكن لدي أي فكرة.

حسناً، وُجدت طريقة أخرى للتعامل مع الأشباح، وهي تمزيقها إرباً. لم تستحسن الكنيسة هذه الطريقة، لكنني لم أكن قساً لحسن الحظ. وكنت أحد الأفضل حين يتعلق الأمر باللعنات والفنون المظلمة. لذا ما دامت يداي تطالان الشيء ولم يهرب، فسينبغي لي فعله دون طرد للأرواح. آمل ذلك. وبحسم أمري لخوض معركة مباشرة، توجهت إلى السرير. مستعداً لنوم بلا أحلام.

استيقظتُ أخيراً بعد مضي بضع ساعات. أخبرتني ساعتي البيولوجية أنني لم أنم ليلة كاملة. لكن فنجان قهوة كان كفيلاً بإصلاح ذلك. فتحتُ عيني عندئذٍ وأدركتُ أنني لستُ في منزلي. اختفى السرير الذي أقسمُ أنني كنتُ أرقد عليه للتوّ، والمكان الذي أقف فيه الآن هو منزل قديم. إنه منزل أمريكي تقليدي في الضواحي كان آباؤنا ليشتروه حين لم تكن أسعار المنازل مزحة قاسية. الغرفة التي أوجد فيها هي غرفة معيشة دافئة ونموذجية.

يوجد بيانو قديم في الزاوية يبدو كقطعة ديكور وحامل صور أكثر من كونه آلة موسيقية. توجد أريكة وتلفاز أمامه وإلى جانبه طاولة قهوة. لكن ثمة أشياء غريبة لا تتناسب مع المكان. عُلقَت بضع صور عائلية على الجدران وفوق البيانو، لكن وجوه الأشخاص فيها جميعاً قد مُحِيت بالخدش. الساعات في الغرفة متوقفة. وُضعت عقاربها جميعاً عند الدقيقة الرابعة والثلاثين بعد الثانية ظهراً، وضُربت على النوافذ قضبان فولاذية باردة تليق بسجن.

امتلأ ما تبقى من المنزل بضباب أبيض كثيف يدور ويتحرك ككائن حي بلا رياح. كنتُ مرتبكاً. كان المفترض أن يكون هذا كابوس زبوني لا كابوسي أنا.