طارد الأرواح الكوني الفصل 34 — العرّافة

اقرأ طارد الأرواح الكوني الفصل 34 — العرّافة باللغة العربية على مانجا تايم.

شكل نزالي مع أسترิด نهاية الجزء القتاليّ من الاحتفال. عدت إلى الطاولة وما زلت أتنفّس بصعوبة من آثار النزال، محركاً جسدي كآليّ بينما أشعر بأعراض استخدام الإسقاط النجميّ. احتجت حقاً إلى تصحيح تقنيتي. لم يكن شعور عدم توافق جسدي مع روحي شعوراً مريحاً. لكنّ ابتسامة رضا ظلّت على وجهي. لقد تفوّقت عليها مناورةً دون أيّ أدوات أو سحر غريب. هكذا يكون القتال الحقّ. لقد استمتعت.

جلست إلى الطاولة أنتظر عودة أسترิด لتعلمنا سرّ العداء. توقّفت قليلاً لتتحدث إلى بعض أصدقائها الذين ربما كانوا يواسونها بعد الخسارة. رغم أنّ ابتسامة مطابقة لابتسامتي ارتسمت على وجهها، لم تبدُ محتاجة لأيّ مواساة. ألقيت بنفسي على الكرسيّ لتستقبلني فوراً ابتسامة واسعة ماكرة من سمساري.

قال محتالاً: "ماذا؟".

وأضاف بصوت مزعج للغاية: "تردّدتَ لثانية هناك. لقد أخرجتك عن إيقاعك، تماماً في البداية".

أوضحت بينما اتسعت ابتسامة القط أكثر فأكثر: "لم تقم بذلك. تفاجأتُ لا أكثر. حتى أنا أدرك العواقب السياسية لأمر كهذا، لو كان صحيحاً".

قهقه قائلاً: "بالطبع. لقد أدركتَ سياسة فتاة وثنيّة ترتديك قميصاً جلدياً ضيّقاً. هل تتدرب لتصبح مفاوضاً الآن؟".

كنت على وشك ردّ الصاع صاعين حين تغير تعبير وجهه فجأة. قطب حاجبيه وخفض رأسه لينظر أمامه، ثم التفت إلي فجأة بعينين واسعتين. بدا وكأنّه حلّ لتوه لغزاً يهزّ العالم.

همس القط محافِظاً على التواصل البصريّ معي: "يا للهول، لقد فهمت الآن".

بدا جاداً لدرجة جعلتني قلقاً بعض الشيء. هل اكتشف سبب العداء؟ هل أستعد للقتال، أم للفرار؟

سألت بحذر: "ما الأمر؟".

اتسعت عيناه أكثر وتسارع تنفسه: "فهمت. لهذا تردّدتَ. ولهذا انسجمتَ مع أسترิด. ولهذا انسجمت عائلتك دائماً مع القطط. كلّ شيء منطقيّ الآن. آل ألهازريد المروعون، جزارو أطلس، تجار الجنون، رسل الهاوية. كلّ تلك الألقاب، لكنّ نقطة ضعفك الوحيدة طوال الوقت كانت القطط— مياو!".

أطلق القط فحيحاً حين قذفته تعويذة قوّة طائشة بعيداً عن الطاولة. مَن ألقاها؟ لا أعلم. هبط على أطرافه الأربعة ليكاد يترنح من الضحط.

قال عبر دموع الضحك وهو يتسلق عائداً إلى الطاولة بجانبي: "حسناً، حسناً، اهدأ. أنا أمزح. لكن إن احتجت إلى جليسة أطفال، فأنا متاح يومي الإثنين والأربعاء. يمكننا أن نجد لك إيلاً في الأيام الأخرى".

رمقته بنظرة خاوية. عادَت أسترิด أخيراً إلى مقعدها عن يساري، وحصلتُ على شريك محادثة أقلّ إزعاجاً.

قالت فور جلوسها دون إبطاء: "قتال جيّد. ما ذلك الشيء الذي فعلته في النهاية؟".

سألت مبتسماً: "لقد خسرتِ، وتطلبين سراً آخر الآن؟".

تنهدت وأشارت برأسها لنقترب أكثر: "حسناً، حسناً. أتريل الأشخاص التسعة الجالسين على تلك الطاولة؟".

أشارت إلى الأفراد الأكبر سنّاً الذين عوملوا باحترام بالغ أثناء المراسم.

"سيتمّ تقديمهم قرابين لرسول الملك غداً".

سألنا الاثنان بدهشة: "ماذا؟".

أوضحت بنصف همسة: "نعم. عادةً، حين يقترب الكهان القدامى لملكنا من الموت، يعلن الرسول قدومه. يستخدم الكهان حينها كلّ سحرهم لفتح الطريق له. وحين يصل، يأخذ أرواح الكهان القدامى لتنضمّ إلى ملكنا، وبالمقابل، تُنقل البركات إلى العشرة المختارين الجدد. هكذا كانت الأمور دائماً. لا نملك الموارد لما يزيد عن عشرة على أيّ حال، وحتى تلك الموارد تتناقص".

سألت مندهشاً من الضعف الذي كانت تكشفه: "أمتأكدة أن بإمكانك إخبارنا بهذا؟".

رفعت حاجبها: "أتوجه على وجه الأرض لا تنفد مواردها؟".

"صحيح".

رغم أن ذلك سيتغير قريباً.

"على أيّ حال، الأمر مختلف هذه المرة. وصل العراف الذي أرسله الملك قبل خمسين سنة على الأقلّ من الموعد المتوقع. علاوة على ذلك، هناك مشكلة في القرابين. لقد جرى اختيارهم من البشر العاديين. لم يحدث هذا منذ الحرب".

أخذت نفساً وتابعت بصوت خفيض: "وعلاوة على ذلك، جرى اختيار تسعة فقط هذه المرة، لكنّ التقليد ينصّ على وجوب وجود عشرة دائماً".

قلت جامعاً أطراف الصورة: "حسناً، أظنني أرى الصورة بوضوح الآن. الرجل الذي كان يحدق بي لم يُختر، وهو يظن بطريقة ما أن خطئي".

"نعم، لقد استُبعد. ومع اختيار التسعة، ومعتقده بأنه كان يجب أن يكون الأول لا أنا، يظن أنك أبرمت صفقة ما مع ملكنا وسلبتَ فرصته. أو أنك اختبار، تحدٍّ أرسله الملك. وأنك إن هزمتَه، فستتم مكافأته. رغم أن العراف لم يتوقع شيئاً كهذا".

ختمت كلامها بازدحام واضح.

سألت بفضول: "إذاً، كيف يُختار المرء؟".

"نحلم جميعاً. نمشي عبر غابة مظلمة وعميقة، وحين نشعر بوجود خلفنا، نستيقظ لنعثر على علامة محفورة في أجسادنا. حتّى إنّ بعض الناس يبقون سكاكين بجانب أسرّتهم لجرح نظيف".

قهقهتْ. إن كان عليّ التخمين، فهي تفعل ذلك أيضاً.

"بمجرد أن يحظى أحدهم بالحلم، يراود العراف رؤية أيضاً. تأتيك في غشاوة وتسم جبهتك بدمك لتأكيد الاختيار. وترى أيضاً الشخص المخصص لتقديمه قرباناً لك وتعلنه للقرية بأسرها في صباح اليوم التالي".

ابتسمت بدفء: "إعراب الحياة من أجل كاهن جديد شرف عظيم. إنه يضمن مكانة رفيعة في الحياة الآخرة".

"هذا مذهل".

كنت مفتوناً حقاً. نظرت باتجاه الطاولة الرئيسية، مراقباً العرافة الآن باهتمام متجدد.

"إذاً حين يُوسم أحدهم ككاهن، تدخل العرافة في غشاوة، وتتصلب، وتشرع في التمتمة...".

أكدت أسترิด مندهشة من معرفتي: "نعم".

سألت بنبرة العارف بكل شيء: "ومن ثم تشير نحو المختار وتمشي نياماً؟".

"نعم... ألدى ملككم عرافون أيضاً؟ كيف عرفتَ؟"

سألت ميلة برأسها لتشبه حيواناً فضولياً بعض الشيء. أشرت ببعصري إلى اليمين، حيث كان مشهد يطابق تماماً ما وصفته للتو يتكشف. ببطء، بدأ الآخرون يلاحظون العرافة التي كانت تمشي نياماً من خلف طاولتها. تبادلنا النظرات أنا وأسترิด. التفتُ لأنظر إلى القط الذي بدا فضولياً بقدرنا. كان الجميع يراقبو العرافة وهي تمشي. اقتربت من ابن الزعيم الواعي الآن. رأيت الفجوة على وجهه لتتداعى فوراً حين تجاوزته وتوجهت نحو الغابة.

سألت: "إذن... أنتبعها؟".

بدت أسترิด مرتبكة وهي تقطب حاجبها بينما تتابع عيناها العجوز.

"لا أعرف. عادة تؤدي المراسم بمفردها، لكن هذا لم يحدث قط. لم تسبق لها المشي إلى الغابة أو الدخول في غشاوة بهذه القُرب من النزول".

بدأ الناس يلتفتون حولهم ليروا ما يفعله الآخرون. ثم توجهت الأنظار كلها إلى زعيم القرية الذي نهض من مقعده متخذآ فيما يبدو قراراً.

أعلن وهو يخطو من خلف الطاولة: "سنتبع العرافة. لا يمكننا السماح بأي مكروه يصيبها".

نهضنا جميعاً لنتبعهم في موكب غريب. حمل بعض الناس مشاعل ليبدوا المسير بأسره مهيباً للغاية.

قفز تشار على كتفي وهمس في أذني: "هذا غريب. يبدو الشيوخ مشوشين تماماً كالبقية".

أجبت أثناء مشينا: "أجل. أتساءل عما يدور حوله هذا الأمر برمته".

كنت أتساءل؛ أيكون هذا اختيار الكاهن العاشر، أم شيئاً آخر؟ بناء على الارتباك الطاغي، خمنت أنه شيء مختلف. أخيراً، وبعد نحو نصف ساعة من المشي البطيء خلف العرافة، رأينا شيئاً غير معتاد البتة بالنظر إلى مكان تواجدنا. كوخ خشبي صغير. لكن بداخله أشخاص، حُكْماً من ومضات المصابيح والصياحات المكتومة، أشخاص عاديون من عالم الفانين. اعتلت وجوه الجميع الدهشة. كانت تعابيرهم مصدومة كلياً وجذرياً.

أرسلت نظرة استفهام إلى أسترิด التي التفتت إلي وبدأت تشرح: "ما كان المفروض أن يكون أحد في الغابة أثناء المراسم. لا يحق لأحد تجاوز المذابح دون علمنا إلا إن سمحت له قوة الملك بالمرور".

إذاً لا أحد يعلم كيف عبروا الحواجز. أمر ممتع. فتح أحدهم نافذة ليتقيأ عبرها، لينتبه أخيراً إلى موكبنا ويصيح في الآخرين بالداخل. توالى ظهور الرؤوس من النوافذ حتى انحنت شخصية معيّنة للخارج. كانت فتاة شابّة، أصغر مني سناً بقليل فيما يبدو. كان شعرها أسود كالغراب، وبشرتها شاحبة، وارتسم على وجهها مزيج من الإرهاق والارتباك والخوف. لكنني استطعت استشعار شيء منها، إحساساً شبيهة بالمانا.

تلوّن هالتها بشيء مقدّس، رغم اختلافه عن القوة التي شعرت بها من أتباع تايو. إن كان لي التخمين، فقد زارتها للتو قوة سماوية. التقت عيناها بعيني لثانية، ثم تفحصت بقية الحشد. بينما كنت أراقبها، شقت العرافة طريقها نحو باب الكوخ. بسرعة، حاطها الزعيم وزوجته وبضعة محاربين. تسللت خلفهم بجانب أسترิด لمشاهدة الأمر برمته. تقدم بعض الأشخاص، وهم طلاب فيما يبدو، لطلب المساعدة، لكن الزعيم دفعهم جانباً ليفسح الطريق للعرافة.

وحين أمكنني رؤية جسد ذات الشعر الأسود كاملاً، لاحظت أن قميصها ملطخ بالدماء. حاولت الزحف للخارج، لكن زوجة الزعيم وصلت خلفها وثبتتها. حاولت التوسل إلى العرافة، لكن العجوز اكتفت بملامسة إصبعها للدم على صدر الفتاة ورسمت علامة بين عينيها. إثر ذلك، تكلفت العرافة وبدأت بالالتفاف، بدا وكأنها لا تعي مكان وجودها. وضع الزعيم يده على كتفها وبدأ يشرح الوضع للعرافة العجوز.

حاولت امرأة أكبر سناً التوسل: "أرجوكِ ساعدينا. لقد ضللنا الطريق في الغابة. إن كنا قد دنسنا مكاناً مقدساً، فنحن آسفون للغاية. أنا معملتهم، وسأتحمل المسؤولية. فقط أرجوكِ لا تؤذينا".

لكن أحداً لم يعرها انتباهاً. كانت عيناه الزعيم مسمرتين على العلامة فوق جبهة الفتاة الصغرى.

استدار أخيراً نحو المحاربين وأطلق أمراً مقتضباً: "خذوهم".

ثم خرج والعرافة متكئة عليه بينما تحرك المحاربون لتجميع الجميع في مجموعة. أطلق أولئك الذين يعرفون الإنجليزية أوامر سريعة.

حاول أحدهم المساومة: "أ-أرجوك، يمكنني الدفع. يمكنني دفع ما تريدون. فقط أعيدوني للمنزل وستضمنون حياتكم!"، لينطلق نحو الباب بعد ثانية واحدة، وينال ضربة قوية في مؤخرة رأسه هوت به مترنحاً على الأرض.

هدأ ذلك بعضهم. وُضعت المرأة الموشومة جانباً بحراسة محاربين اثنين. اقتربت من أسترิด راغباً في تأكيد أمر ما.

"مهلاً، أيمكنكِ إطلاعي على العلامة التي تلقيتها لتصبحين كاهنة؟".

رفعت حاجبها: "أتحاول التقاطي؟ لأنّ هذه طريقة مغازلة بائسة".

أدرت عينيّ مجيباً: "نواياي علمية بحتة".

قهقهت قائلة: "بالطبع، لقد سمعت تلك من قبل"، لكنها خفضت قميصها الضيق قليلاً لتكشف عن جرح.

اتخذ شكلاً يشبه رُوناً مكوناً من حرفين: حرف 'أ' مقلوب مع حرف 'ت' كبير ينمو من نقطة التقاء ساقي الأ حرف 'أ'. لم ألمح سوى نظرة خاطفة للعلامة التي حفرتها المرأة على صدرها، لكني كنت واثقاً تماماً من أنها ليست نفسها. كانت علامة تلك الفتاة أوسع وأقصر بكثير. لماذا حملت علامة ملك مختلف؟