طارد الأرواح الكوني الفصل 28 — قصة كوشار

اقرأ طارد الأرواح الكوني الفصل 28 — قصة كوشار باللغة العربية على مانجا تايم.

نظرت إلى الهرّ المدخن للغليون وأدركت كم أجهل من أمره. عمل مع أبي طوال سنوات طويلة، ولم يبدأ بالعمل معي مباشرة إلا بعد أن ورثت الأسرة بصفتي آخر أفرادها. عَدَدتُه صديقاً بالواسطة دوماً، لكنني لم أتحدث معه قط عن تاريخه. كان يعرفني من خلال أبي، وكنت أعرفه بوصفه صديق العائلة. هذا كل ما في الأمر. لكننا نجلس هنا معاً الآن، نشرب ونتحدث، فترسخت فضوليتي نحوه ونمت جنباً إلى جنب مع أطراف الحديث والخمر.

سألت والفضول بائن في صوتي: "مهلا يا كوشار، لمَ تفعل هذا؟"

"هاه، أفعل ماذا؟"

"هذا، هذا كله. ومع تحرك صانعي المعجزات واجتماع العروق من جديد، سيكون هناك خطر، والكثير منه. ألم تفكر قط في الانسحاب، أو الانطواء مع أي عميل أسهل؟"

سأل الهرّ وقد تبدت عليه الدهشة لتغير نبرتي: "لا، لم أكن لأسال نفسي هذا قط. ظننتُ الأمر جلياً لك أنت بالذات. وأنت أيضاً، ألم تفكر قط في التخفيف وتيرة عملك؟"

"نعم، لكني رُبيت على هذا. أحب السحر. وأتوق إلى إدراك ما لا يُدرك. وتعلّمت كيف أسعى وراء هذا الدرب منذ صغري. ومن المفارقة أنني في غياب أي غاية كبرى لحياتي، أجد الأمر يسيراً للغاية أن أكتفي بفعل ما يحلو لي لأشعر باكتمال نفسي. ولكن، أأنت رُبيت لتكون سمساراً منذ صغريات سنك أو ما شابه؟"

بدأ الهرّ يضحك: "رُبيت لتكون سمساراً؟ فففف. أوه لا، لم أُربَ لأكون سمساراً، بل رُبيت لأكون قطاً ضالاً."

"ماذا؟ أنت.. قط ضال؟"

لم أستطع تخيله قطاً ضالاً عادياً يفتقر حتى إلى القدرة على النطق بلغة البشر.

"أوه نعم، فرغم انحدارنا من سلالة عريقة وإحدى عشائر القطط القادرة على التفكير الواعي، إلا أننا لم نستعمل ذلك طويلاً. كان جدي قطاً ضالاً، وعشنا في أحد الشوارع."

"أنتما؟"

تعذر عليّ مطابقة هذا الكلام مع كوشار وهو يتمدد على وسائد مريحة في غرف ذات ديكورات شرقية.

"نعم، فحتى القطط الواعية تماماً تنمو بسرعة أكبر بكثير من البشر. نبلغ رشدنا الكامل وتكون لدينا القدرة على أداء مجموعة كاملة من الحركات والأفكار بعد نحو عام، لذا أذكر الكثير من ذلك. كنت طفلاً وحيداً في البداية."

ونظر إلى كأس الويسكي أمامه متسعتين حدقتاه وهما تفقدان تركيزهما لتستحوذان على جزء كبير من العين.

"عشنا في الشوارع. تُعد سلالتنا بالغة الجمال بمقاييس البشر، لذا لم نجوع قط. بضع مواءات وكان أغلبهم يطعموننا. كان جدي رأس عائلتنا الصغيرة آنذاك. عشنا في مبنى مهجور، نعيش حياة مملة في جزء منسيّ من بوسطن. كان جدي يقول دائماً إنه يجب ألا نلوح بالعصي في وجوه الآخرين، كي لا نُضرب بعصيهم. فتجنبنا العنف والسحر والمتاعب، وتنقلنا من مكان إلى آخر بحثاً عن حياة هادئة. وكانت مقولته الدائمة: «أدر الخد الآخر دوماً، وابتعد من تحت عصاهم»."

"أكان جدي إذن إنساناً طيباً بالمجمل؟ رجل لا يؤذي أحداً، حسب ما أظن."

ركّز كوشار ناظريه وانكمش وجهه مبرزاً وميضاً من أنيابه وهو يرفع رأسه لينظر في عيني مباشرة.

"لم يكن سوى أحمق لعين وجبان، هذا كل ما في الأمر."

لم أكن أتوقع هذا الوصف الباطني.

"تغير كل شيء عندما وُلد لي إخوة، فقد وضعت أمي بطناً من أربعة قطط صغيرة جميلة. ونجت الصغار كلها من الولادة. حدثٌ جللٌ يستحق الاحتفال. لكن احتفالنا لم يطُل. وكما قلت، سلالتي نادرة وحسنة المنظر. لذا ذات يوم، بعد فترة وجيزة من ولادة أمي، دخل رجل إلى عشنا الصغير. كان قد تعقب جدي، ليقبض عليه على الأرجح، فعثر على أربعة قطط صغيرة من نوع ماين كاون. لست أدري ما الذي كان يدور في خلدها. ربما أراد بيعها، أو ربما تربيتها. بصراحة، لا أظن حتى أنه أضمر أي نوايا خبيثة."

وأطلق الهرّ تنهيدة ثقيلة قبل أن يستطرد.

"لكن أياً كان سببه، فقد أمسك بإخوتي ومضى في طريقه بينما كان جدي يرتجف خوفاً مختبئاً خلف بعض الصناديق. حاولت العض والخدش، لكن دون جدوى. أخذهم وحسب. مثل أي حيوان لعين من مأوى. حاول الإمساك بي، لكن من كثرة ما خدشته، أقلع الرجل عن الفكرة ومضى في سبيله. فقدُ أثره حين صعد إلى سيارة، وانتهى الأمر. لم يكن أي منا يجري خلف القدرة على الكلام، فافواهنا لم تُصمم للحديث البشري، ويستغرق الأمر سنوات لإنتاج حتى أصوات أساسية. لذا لم نستطع حتى محاولة خرق قانون الكتمان ونمره بأن يتركهم."

حلّ صمت خفيف حين تجرع كوشار رشفة من الكحول.

"في تلك الليلة، عاد أبي إلى عش خالٍ مع جدي المستعد للرحيل إلى مكان آخر، وأمي الغارقة في الدموع. وأدركنا جميعاً أنه لم يكن قطاً حكيماً يكره العنف لطيبة قلبه. بل كان جباناً يخشى أي مواجهة. في ذلك اليوم، أدركتُ أنه إن لم تحب أن يضربك أحد بعصا، فكل ما تحتاجه هو عصا أضخم تلوح بها في وجوههم."

أمكنني تقبّل تلك الفلسفة. لكن كان هناك تساؤل، فإن صحت هذه الاستعارة، إذن…

سألت: "أأنا عصاك؟"

ولم أكن واثقاً مما يجب أن أشعر به حيال ذلك. قلّب الهرّ كلماته في ذهنه برهة قبل أن يجيب.

قال أخيراً: "بمعنى ما، نعم."

ثم أردفها فوراً بالقول: "لكن من قال إنه لا يمكنك مصادقة عصا؟"

أطلقت ضحكة خفيفة: "أجل، أظن أنه يمكنك ذلك."

وقرعنا كأسينا ببعضهما.

"على كل حال، قال له أبي ليذهب للجحيم وحاول العثور على إخوتي بلا جدوى. وفور ذلك، انضم إلى وكالة سمسرة. عمل كالحمار ليعلم نفسه اللغة البشرية والسحر. وليحصل على موارد ليعلمني. أدرك أبوك حماسته فاتخذه سمساره الجديد بعد رحيل السمسار السابق. وقفز بأبي مراتب هيبة عالية. فالعمل مع آل ألهزرد سيئي السيصرف إنجاز كبير حقاً."

هززت رأسي شارد الذهن.

"هل عثرت عليهم قط؟ أعني، إخوتك؟"

"أوه نعم، لم يكن الأمر سهلاً إذ انتقل الرجل الذي أخذهم إلى مدينة أخرى، واستغرق أبي سنوات ليمتلك ما يكفي من السطوة لتمكينه من توظيف شبكة معلومات القطط لاستفسارات خاصة. لكني وجدتهم. يعيشون حياة طيبة، مع ملاك طيبين. عوملوا منذ الصغر بوصفهم حيوانات، وكل ما في الأمر أنهم قطط أرجح عقلاً في أعين بشرهم. يُطعمون، وتُمشط شعورهم، ويُحظون بالحب متى ما طاب لهم، كمعظم القطط. إنهم حيوانات أليفة."

"ولمَ لم تأخذهم؟"

"وأفعل ماذا؟ هذه الحياة هي كل ما عرفوه. وأي حق أملكه لأقلبها رأساً على عقب؟ فالأسرار وعالم شبكة السماسرة تترك أثماناً باهظة. إن حراسة أسرار أبيك كبّدت أبي ثمناً باهظاً. كنت أعرف دائماً متى وقع حدث ما حين يُصدر أمر كتمان جديد. سر آخر لم يستطع إفشاءه لأحد سوى الزجاجة."

وتنهد الهرّ بعمق.

"إنهم سعداء، ولا أظن أنني أملك الحق في سلب هذه السعادة."

ثم أمال رأسه وسأل: "أعني، ماذا كنت لتفعل لو اكتشفت وجود ألهزرد يشبهك تماماً ويعيش في قرية ما مع عائلته، سعيداً دون أن يعلم شيئاً عن السحر؟ أكنت لتحمله أعباء أسرار عائلتك؟ أكنت لتريه رعب ملكك؟ لتقتطع جزءاً منهم مقابل قوة ما كانوا سعداء من دونها؟"

"مممم لا.. لا أعرف. لا أظن أن أي ألهزرد سيكون سعيداً في قرية هادئة وصغيرة. فكل أجدادي كانوا مجانين بعض الشيء، وغالباً ما وجدوا عشقهم في السحر والأسرار. لكني أظنني سأود إقناعه بالأمر إن أمكن."

"حتى لو كان في ذلك اقتلاعه من حياته؟"

عليّ التفكير قبل الإجابة. لم أفكر في أمر كهذا قط، ولو لفترة قصيرة.

ترددت طويلاً قبل أن أجيب أخيراً: "نعم، أظن أنه سيكون من الجميل أن أجد من يشبهني."

أظنني كنت لأخبرهم، ولأقنعتهم بالانضمام إلى الأسرة. بصراحة، افتقدت أبي قليلاً. كان من الجميل التحدث مع شخص عما أراه، عن الأحلام التي تُمنح ثمناً للعقد. عن النجوم السوداء المجوفة العالقة في دورة لا تنتهي من الانهيار والانبعاث. عن المعالم العملاقة في حقول الرمال السوداء. عن الأغنية التي تموت دون أن تسمع، وموسيقى عازفي الغليون التي تطوق الفوضى النووية. وحتى إن تعذر وصفها بالكلمات، فحسبك فهم ما ينطوي عليه عيون شخص آخر.

أفتقد ذلك الشعور قليلاً.

"حسناً، إن كان في الأمر عزاء لك، فلو وُجد ألهزرد آخر مثلك، لربما عجّل بروحي إلى قبر باكر، لذا فلربما كان الأمر للأفضل."

قطع صديقي الصمت المحرج فيما ابتسمنا نحن الاثنان.

"ألا تملك أرواحاً تسعاً؟"

"وحتى لو ملكتُها، فلا أرغب في قضاء روح إضافية في التعامل مع نزواتك. وأنا واثق تماماً أن آخر سبت حضرناه قد قلّص من أمد حياتي."

"لم يكن بذلك السوء."

"أي جزء؟ إرسالك تهديدات بالقتل لكاردينال روما أم حادثة المزارع؟"

"كلاهما كان مضحكاً للغاية. ولم أرسل شيئاً. وأنا متأكد تماماً أنني هددته شخصياً."

"اثنان وثلاثون عاماً من سنيني الست والثلاثين قضيتها في خدمة جليسة أطفال لأعظم مصنع عنف كفاءةً في العالم. وإن كنت أملك تسع أرواح، فسآخذ بعض العطلات في الروح التالية."

"آه، هيا، لست بذلك السوء."

"سام، فرعنا يعمل مع خمسة أشخاص فظيعين، وأنت أربعة منهم."

"طريف حقاً"، أطلقت ضحكة خفيفة وجرعت شرابي، سابكاً لنا كأساً أخرى.

وبما أننا طلبنا زجاجة بأكملها، فسننهي زجاجة بأكملها. لقد كان وقتاً للاسترخاء.

*** كهف ما في مكان ما عميق في الجبال *** لم يكن الكهف العتيق مضاء إلا بشحوب ضوء الشموع الكثيرة، وهي تحترق ببطء بلون برتقالي. وُضعت جميعها في شمعدانات نُحتت بعناية على هيئة وجوه بشرية تضحك في ابتهاج. لكن الشمع السائل المتدفق من الشموع جعل المنحوتات تبدو كأنها تبكي بضحك هستيري لا من فرح. لسبب ما، لم يكلف من وضعها هناك نفسه عناء إزالة الشمع. لكن أحدا لم يلتفت إلى الشموع، ليس في هذه الليلة.

كانت أنظار الجميع معلقة بوسط القاعة الهائلة، حيث تمتد بحيرة صافية كالبلور في قاع الكهف. وكانت جوانب البحيرة مكتظة بمنحوتات تصور بشرا يهوي بعضهم فوق بعض في السجود. وفي تلك البحيرة، جلس هو. ارتجف الشيء، وسرى ارتعاش في جسده الضخم. كان سيفيق عما قريب، لكن لوقت قصير فقط، إذ لم يكن قادرا على البقاء واعيا طويلا. ومع ذلك، كانت هذه اللحظة نفسها، تلك المدة الوجيزة التي تتحرك فيها الأفواه الكثيرة كفم واحد، في تناغم مريع، وتتحدث بأصوات معذبة كثيرة، تعد نعمة.

كان هو بالنسبة إلى المحتشدين أشياء كثيرة: كائنا جميلا، وكائنا ميتا، لكنه قبل كل شيء كان شيئا يسجدون له. انتظرت الظلال الملتفة بالعباءات الداكنة الأمر. ثم تجسد ضغط ذهني، فخر الجميع على ركبهم، وكانت عقولهم كقواقع هشة تحت قدمي عملاق قادر على سحقها بأدنى حركة من قدميه. استيقظ الشيء. كان سيفكر أول فكرة له في هذه الألفية. يا له من أمر مجيد أن يشهدوا ذلك، أن يشهدوا فكرة، وأن يسمعوا الصوت.

يا لها من نشوة. ارتعاش آخر، فانفتحت الأفواه الكثيرة. أعقبه هبوب ريح، إذ أخذت رئات لا تحصى، متحدة في كتلة واحدة من اللحم، نفسا متزامنا، فامتصت من الهواء ما يكفي ليتردد صداه في أرجاء الكهوف.

قال: "انطلقوا. احملوا المعجزات إلى أطفال الأرض."

كان ذلك كل شيء. كلمات قليلة. وتعليمات أقل. لكنه كان كل ما احتاجوا إليه دائما. أن يعرفوا أن غايتهم حق، وأن طريقهم مرسوم. وما إن اندفع الناس من الكهف إلى ممراته الكثيرة، ليمضوا في تنفيذ الأمر، حتى بقي بضعة من كبار الكهنة. جاؤوا ليراقبوا الكيان وهو يعود إلى سباته، كحراس على نومه. أقسموا أن يضمنوا له أن يحلم بسلام من جديد. في الوقت الراهن، على الأقل. ومع خمود الشيء، وعودة الوجوه الكثيرة إلى تعابيرها الطبيعية من الألم والخوف، تحرك أحدها.

كان الأقرب إلى كبير الكهنة، الذي حدق فيه بعينين واسعتين ملؤهما الرهبة والتعبد. تحرك الفم وقال، كأنها آخر كلمة يهمس بها شخص وهو يغفو، بالكاد واعيا. كانت كلمة لا يعرف أحد إن كانت آخر كلمة في عالم اليقظة أم أول كلمة في حلم. تحركت عضلاته، فلوى الوجه من تعبير الرعب والرهبة إلى كراهية خالصة. وتمكنت الرئتان من زفير أخير أخرج كلمة واحدة مثقلة بالغضب.

"الحزريديون."