تراجعْتُ إلى الخلف فور ملاحظتي الحراس في الغرفة المجاورة. خلال لحظة تمكنتُ فيها من الاختلاس، رأيتُ صفوفاً من الزنزانات تحبس خلفها نساءً، وقريبًا من ثمانية حراس آخرين يتوسطون قاعة الزنزانات متجمهرين حول امرأة ملقاة على الأرض. نظرة خاطفة كشفت أنهم لم يكونوا جميعًا يحملون أسلحة، ليس في هذه اللحظة على الأقل. لقد حان وقت القرارات السريعة. تخلّصتُ من أي فكرة للتسلل. امتلكتُ بضع ثوانٍ بينما هم في حالة تخبّط.
بدأتُ إلقاء تعويذة عاصفة القطع، وعدتُ سريعًا إلى داخل الغرفة مستعرضًا ما يحيط بي. لحسن الحظ، كانت النساء في الزنزانات جالسات أو مستلقيات بينما الحراس يقفون في المنتصف. حين شعرتُ بالتعويذة تنبض بالحياة وتتسلل تفاصيل إطلاقها إلى عقلي، وجّهْتُها بارتفاع صدر أحدهم. يفترض أن تمتلك طاقة قطع كافية لاختراقهم جميعًا. معتمداً على درعي الذي ألقيته سابقًا ليقيني أي هجمات، وجهتُ عصاي نحو مجموعة الرجال وأطلقتُ التعويذة.
أحسستُ بمانا تغادر جسدي وتتشكل على هيئة خيوط رفيعة تتسارع كطلقة رصاص باتجاه خصومي. في الوقت عينه، ضربتِ الطلقات الأولى تعويذة درعي. بخلاف الدرع، وحتى إن لم تخترقه، فإن جزءًا كبيرًا من أثر صدمته ظل ينتقل إلي. حدث شيئان في آنٍ واحد. انتزع انفجار بندقية صدارية الهواء من رئتي، وانتزعت تعويذتي أرواح الرجال. تفككوا وحسب؛ دماء وأحشاء وأجزاء أجساد لطخت الأرض بصوت مثير للغثيان، مطليّة نصف الغرفة بالأحمر.
كان منظرًا مرعبًا. فكرتُ، شاكرًا الأسلاف على تجريدي من قدرتي على الاشمئزاز. مع ذلك، حدث ما لم يكن في الحسبان. بينما استعدُّ للبحث عن هدفي في الزنزانات، بلغ أذني أنين من كومة الجثة. تلا ذلك، وكأنه مسخ أحمر هارب من صفحات رواية رعب، نهض رجل ضخم على قدميه. بلغ طوله قرابة مترين بعضلات مفتولة وبنية قوية، شوّهها جرحان غائران على صدره. علت عيناي سريعًا لتلتقيا بعينيه. ربما كان وجهه وسيئًا لولا الأنف المكسور مرارًا، وأذنا القرنبيط، والعيون الغائرة.
تحدّقنا في بعضنا لثانية، والارتباك في عينيه يتحول ببطء إلى غضب بينما أحاول تبين سبب بقائه حيًا. لم يكن بطل أكشن غبيًا. لا المفترض بالعضلات أن توقف شيئًا شق طريقه عبر عمود فقري للرجل الواقِف إلى جواره. الإجابة الوحيدة هي السحر، أو مقاومة السحر لتكن دقيقًا. حمل خط دماء أو تعويذة مسلطة عليه، وحكمًا من ردة فعله، أزعم أنه لم يكن واعيًا بالأمر بنفسه. لكن ذلك عقّد الأمور.
وعدتُ قطط المنطقة بألا ألحق الضرر بممتلكاتهم. أكان يتبع لهم؟ سيتوجب علي القبض عليه بوسائل غير مميتة والتحقق لاحقًا. الأمر لا يتعلق بوجود مقاومة لكل أنواع السحر، فلكل امرئ نقطة ضعف. حتى الآن، أعلم أنه بارع ضد الضرر الجسدي كالقطع. لكن التعويذات الجسدية لم تكن سوى بداية ترسانتي. قفزتُ عائدًا إلى الممر، مغلقًا الأبواب بينما يتناول بندقيته. سمعتُه يصرخ بشيء عن عدم خروجي حيًا بينما كنتُ أنتقي تعويذاتي.
لنَر كيف ستؤدي مع اللعنات. مضيتُ سريعًا عبر الممر عائدًا باتجاه السلالم محاولًا فتح إحدى غرف الدعارة المجاورة. كانت صفًا دراسيًا. مثاليّ. وقفتُ بجانب الأبواب، مستعدًا للوثب عبرها في أي ثانية. والآن للّعنة. إلقاء لعنة يستغرق وقتًا أطول بكثير حتى مع وجود أوشامي، لذا شرعتُ بالتعويذة فورًا. فكرتُ في تحطيم سلاحه بتعويذة، لكن بصراحة، إن نجح في تقليص المسافة والوصول إلي بيديه، فسيكون ذلك أخطر من البندقية، لذا كان تلقي الطلقات خيارًا مفضلًا هنا.
مصففًا أصابعي على هيئة رجل عصا، بدأتُ التعويذة، متخذًا من الجسد مرساة لها. ترافقت الكلمات القليلة التالية بتحريك يدي لكشف الرونقات المقابلة. تجمعت المانا، واختيرت المرساة، والآن للضحية والرمز الأخير للععنة. كأنما سمع أفكاري واتخذها دعوة، فتحت الأبواب عند نهاية الممر عن رجل شديد الغضب يحمل بندقية. رفع السلاح. احتجتُ لتسديد هذه الطلقة. لا يمكنني السماح لها بزعزعة تركيزي، فلن أحظى بفرصة أخرى كتللك.
انتظرتُ مع التعويذة تلقي الطلقة الأولى. بعد جزء من الثانية، شعرتُ بما يشبه ركلة أمامية قوية في صدري. كظمتُ غيظي وحبستُ أنفاسي، متلقيًا إياها. مضى الرجل لإعادة تعبئة بندقية الإطلاق اليدوية بينما رفعتُ يدي. مادًّا كفي اليسرى الموشومة بعين، وضعتها بحيث أتمكن من رؤية رأس الرجل بجانبها. بانغ! أطلقت طلقة أخرى سحبت الهواء مني. متممًا الإلقاء، شكلتُ دائرة بأصابع يدي اليمنى ووضعتها حول وشم العين.
نقشْتُ نيراناً على جانب أصابعي، وبدا الرمز المجمع كعين تتلوى وسط لهب. عمى الجحيم السبعة بانغ! صار الرجل على وشك بلوغي، مطلقًا طلقة أخرى في صدري. شعرتُ بطعم الحديد في فمي، فرئتاي على ما يبدو غير مسرورتين بهذا الإيذاء، لكن لا أهمية لذلك. أحسستُ بالمانا تتعرف على الرمز المستخدم وتشق طريقها إلى عيني الرجل. اتسم جسده بصلابة ملحوظة، إلا أن طبيعة اللعنة الشبيهة بالمرض تخطت مناعته.
أعاد ضخ البندقية مرة أخرى، مستعدًا لطلقة جديدة بينما غطستُ داخل الغرفة المفتوحة. كانت تعويذة درعي تلفظ أنفاسها الأخيرة. أخرجتُ تعويذة حماية. كل ما احتججتُ إليه الآن هو قليل من الوقت الإضافي. أغلقتُ الأبواب بينما مزقت طلقة بندقية أخرى المقابض. أولاً، شقّ سبطانة السلاح طريقه إلى الغرفة، تلاه مالكه. ابتسامة منتصرة على وجهه، إلى جانب الدم والدماء اللزجة، جعلته يبدو كمن زحف خارج الجحيم ليأتي إلى هنا ويطاردني.
عوضًا عن إطلاق تعويذة أخرى، لجأتُ إلى نهج موفر للمانا.
"انتظر، انتظر، انتظر، أنا أستسلم، أرجوك لا تقتلني"، قلتُ رافعًا يدي.
"تباً لك، لا أعلم ما أنت، لكن—"
"سأدفع لك ثلاثة ملايين دولار مقابل حياتي هنا وهناك."
فاجأه ذلك، مانحًا إياي ثانية، ثانية من تردده، ثانية للكلام، ثانية يمكنني مدها أكثر بكثير ببعض الهراء. كانت اللعنة تعمل بسرعة. أحسستُ بها تتسرب إلى لحمه.
"نعم، انظر، أنا جزء من منظمة حكومية سرية. وافترضنا بطريق الخطأ أنك اختطفت أحد أصولنا."
"إذن أنت اللعين قتلت الجميع في طريقك."
"هذا ليس قراري. أنت تعرف كيف يكون حال القيادات العليا. رجال مثلي عليهم الطاعة فقط، بغض النظر عن مدى غباء الأمر. ألا تود معرفة الطريقة؟ لم تكن لتملك فرصة قط. أمتلك أسلحة حكومية سرية فائقة التطور. حتى لو قتلتني، فلن تدعك الحكومة الخفية تعيش. لذا سأدفع لك، وتختفي أنت، ونذهب كلانا في طريقين منفصلين."
"ما الذي تت—"
توقف في منتصف جملته. يبدو أنه لاحظ أخيرًا، لكن بعد فوات الأوان قليلًا. انتفخت عيناه بالفعل، وبدتا كمن تعرض للكم في وجهه. استقرت اللعنة أخيرًا وبدأت تعمل بكامل قوتها. وكأنه فيلم عُرض بسرعة فائقة، انتفخ اللحم حول عينيه، والتوى وجهه ألمًا. فتح الانتفخ جروحًا وبدأ يقطر صديدًا في عينيه، معميًا إياه عمليًا. قوة أبعدتُ سلاحه جانبًا، فمزقت الطلقة المذعورة مكتبًا. هجم علي الرجل كحيوان مسعور، لكن رؤيته كانت معدومة فعليًا.
ومثلها أي تفكير عقلاني، مدفونًا تحت الألم. وثبتُ إلى الجانب، منخفضًا متفادياً إياه، دون حاجة للاشتباك الأرضي ضد خصمي الأكبر حجمًا. تخيلتُ أن وجهه لابد أنه مصدر ألم ضخم. ألم، كنتُ على وشك إراحته منه، في كرمي اللانهائي. امتدت يدي نحو خنجري. بالنظر عن قرب إلى الرجل والطريقة التي تقاتل بها وتفاعل مع سحري، تيقنتُ تمامًا أنه ليس من أصول الفرومينتاري. لكن مع ذلك، إن لم يكن جزءًا من العالم الخفي، فلمَ كان مقاومًا للسحر؟
خط دماء استيقظ على الأرجح بفعل المانا، وهذا يعني وجود وريد واحد على الأقل متصل في البرازيل، بالقرب من شقته غالباً. أبدى جانبي الأكاديمي حضوره، طافيًا على السطح بعد أن قمعته غريزة القتال. ربما هناك ما هو أكثر في القصة؟ عضو ما في عشيرة؟ عميل ما؟ أهذا لأني وجدتُ نفسي وسطيًا في أعمال شخص ما؟ حسنًا، حتى لو كان الأمر كذلك، فلستُ مهتمًا كثيرًا. ولم أكن على علم بأي منظمة قوية في البرازيل قد أود اجتناب خطاها.
لكن فضولي كان يتصاعد. ما هي طبيعة هذا؟ أكان خط دماء حقًا؟ يمكنني البحث عن أي علامات تشير لشيء كهذا. هذا إن تفضل بالتوقف عن التخبط، بالطبع. حاولتُ إسقاطه بهجوم عقلي، لكن بدل الخوف، ظل في الغالب غاضبًا، لذا لم يفلح الأمر. بحثتُ عن شيء ثقيل. وأخيرًا، عثرتُ على بندقيته، واستخدمتُ تعويذة التحكم بالقوة لأستعملها كقذيفة تسقطه أرضًا. استغرق الأمر محاولتين لأجعله فاقدًا للوعي تمامًا.
في الوقت الحالي، على الأقل. لقد كان لعيناً مقاوماً. لنرَ ما يملكه. صحيح، لدي مهمة لإنجازها. ذكرني جزء مني بذلك. خمس دقائق كحد أقصى لفضولي، ثم العودة إلى المهمة. وعدتُ نفسي. أولاً، تفقدتُ جسده. كان عضلياً، مع بطل خدوش من سكاكين ورصاص، إن اضطررت للتخمين. لكن لا شيء خارج المألوف. ضغطتُ على بعض عضلاته، حتى أني جرحته بخنجري، لكن الكثافة بدت طبيعية. ثلاث دقائق متبقية. لذا ربما غول أو عور من نوع ما، في مكان ما من شجرة العائلة، أمر محتمل، لكن شيئًا ما بدا غير صحيح.
العيون الصغيرة الغائرة كانت موجودة، لكن نسب الجسد بدت بشرية أكثر من اللازم. فحصتُ الأوشام، باحثًا عن أي انتماءات لعشيرة أو عائلة، لكنني لم أجد شيئًا. تفحصتُ محفظة الرجل، لكنها لم تساعد أيضًا. كانت دقائق الخمس تقترب من نهايتها المحتومة، ولم أقترب من التوصل إلى نتيجة. لم أكن سعيدًا بترك لغز دون حل. كان هناك شيء أعرفه، شيء يفوتني ويصرخ عقلي الباطن بشأنه. وحينها ضربتني الفكرة.
بينما كنتُ أفحصه، أحسستُ بالحرارة تنبعث من جسده. ظننتُ أن ذلك بسبب المعركة، لكنها لا تزال حاضرة. حرارة زائدة قليلاً بالنسبة لبشري. أيمكن أن يكون سليل عمالقة النار؟ كان ذلك محتملاً. خطوط الدماء لا تظهر كثيرًا في عالم يفتقر لمانا محيطة، بلا شيء يوقظها. لذا ضاع الكثير منها ونُسي. هذا الظهور الجزئي كان نادرًا... أو إشارة. إشارة لزيارة مرتقبة لمخلوق ما إلى عالمنا الفاني. رسمت ابتسامة شقّت وجهي.
عرفتُ طائفة ستهتم لأمره، وإن أحسنتُ لعب أوراقي، فلربما يتسنى لي شهد طقوسهم. فضلاً عن ذلك، إن استطعت استخدام معلوماته لتعقب وريد في البرازيل، فمن المرجح أن بيع تلك المعلومات سيجعل سمساري سعيدًا جداً، ناهيك عن حصولي على نصيب. احتاج لنقل هذه الكتلة من اللحم خارج ريو، لكن ينبغي أن يكون ذلك مقدورًا عليه ببعض المساعدة من السحر القديم الطيب. ولربما، ربما فقط، أتمكن من عقد صفقة مع طائفة الأشجار العتيقة.
ففي النهاية، لن يرفض أي سيد طقوس قربانًا بشريًا مثاليًا كهذا.