طارد الأرواح الكوني الفصل 214 — المدينة الضائعة

اقرأ طارد الأرواح الكوني الفصل 214 — المدينة الضائعة باللغة العربية على مانجا تايم.

تفقدت الجثة ريثما ننتظر قدوم موكب مكتب التحقيقات الفيدرالي. كان اللحم الواقع تحت الكييس قد اضمحلّ تماماً تقريباً وتحول ببطء إلى عصارة. وما يدعو إلى الاهتمام أن السحابة الخضراء تتبدد ولم تكن تنتشر في محيطها بل كانت تنتهي رويداً رويداً مع نفاذ السحر الداعم للمرض، مما يعني أنها كانت صيغة تعويذة. حاولت تفحص الجمجمة عن قرب لكن خطم سالي اقتحم مجرى رؤيتي وهي تحاول شمّ الجثة.

دفعت رأسها مبتعدة ومحاولاً إصدار أمر لها بالكف عن المقاطعة دون جدوى. استغرق مني إتمام التفتيش وقتاً بفضل مرافقتي، وما إن فرغت حتى زاحت عيناي نحو الشانصيليزي حيث يجلس جوش. كان يشق بصره من الباب على الجانب الآخر لكي لا يرى اللحم المتحلل، وكانت عيناه على الأغلب ما زالتا زائغتين وتحدقان في الظلمة من حولنا. بعد إلقاء نظرة أخيرة نهضت وتمططت وأطلقت زفرة عالية ثم اقتربت من الفتى.

وتحولت سالي أيضاً إلى هيئة تشبه الكلب متناسية مجموعة القرون التي على رأسها.

سألته غير مكترث بتصحيح مرافقتي: "هل أنت بخير؟"

التفت برأسه نحوي وبدت على وجهه ملامح غريبة للغاية كأن السؤال طُرح بلغة أخرى، قبل أن ترتكز عيناه على المخلوق بجانبي.

سأل وهو يميل مبتعداً عنا: "ما هذا؟"

أجبته: "كلب."

قال مرتبكاً إزاء الموقف: "حقاً إذن."

وبقي جالساً هناك لبضع ثانٍ محاولاً تدبر ما سيقوله تالياً قبل أن يبلغ الأسئلة المهمة أخيراً.

وسأل: "وما ذلك الشيء الذي هاجم للتو؟"

هززت كتفي.

"لست متأكداً بصراحة. مسخ من نوع ما."

"تقولها كأن الأمر عادي. ألهذه الدرجة هي شائعة؟ أينبغي لي توقع زيارة أخرى؟"

"لا، ليس تماماً. هذه أول... ثاني مرة أرى فيها واحداً. لكنها المرة الأولى التي أرى فيها هذا النوع. كان السابق أشبه بنوع متعلق بالروح..."

سأل جوش مطرقاً بصره أمامه مجدداً وهازاً رأسه ببطء من جانب إلى آخر: "نوع متعلق بالروح؟ إذن مسوخ أرواح، مسوخ لحم، سحرة، طفيليات. لست متأكدًا حقاً من أنني أرى في نفسي تلك الإرادة التي تحدثتَ عنها."

"أعطِ نفسك بعض الوقت. ينبغي لمكتب التحقيقات الفيدرالي تولي الأمور الآن. اذهب إلى بيتك واسترح وتحدث إلى أحدهم. استخدم قوى عقلك لإزعاج شخص لا تحبه. كما تعلم، ترويح عن النفس."

نظر جوش إليّ مجدداً واضعاً في الحسبان وضوح أنه لم يكن متأكداً إن كنت أمزح، إذ قُدمت نصيحتي بجدية مميتة.

قال أخيراً بعد عجزه عن قراءة أي شيء من وجهي: "لا أستطيع تبين ما إذا كنت جاداً."

سألته: "لمَ لا أكون كذلك؟"

ثم أردفت: "أرأيت يوماً شخصاً يثير غضبك وهو يهوي على السلالم؟ إنه لأمر مبهج."

كذبْتُ قائلًا: "كان ذلك مزاحاً."

ثم استطردت: "ولكن بجدية، اعتد على استخدام قواك. استعملها للحصول على خصم، واستعملها للإفلات من غرامة — لا أعلم. لكن حاول الاسترخاء حقاً. الإرادة تشبه العضلة. في هذه اللحظة هي مرهقة وصعبة الاستخدام. إنها تحتاج إلى الراحة. إن اضطرت نفسك إلى النهوض كل صباح وفعل أي شيء، فستنتهي في النهاية إلى إيضائها من فرط الإجهاد تماماً كالعضلة. لذا خذ عطلة ليوم واحد"، هكذا أوصيت.

"لن ينهار مكتب التحقيقات الفيدرالي. وبمناسبة الحديث عن الأمر."

رفعت بصري نحو الشارع حين علت أصوات صفارات الإنكار في الأفق. ودفعتني الظلال الزرقاء والحمراء المتلألئة فوق الأشجار المزينة للموقف إلى جعل سالي تنسحب، إذ هرولت متراجعة خلف الشانصيليزي وعادت هيئة قطران أسود لتغوص صامتة في ظلي.

"كيف لي أن أنال قسطاً من الراحة حتى؟ يصعب علي إيقاف هديتي."

"لهذا السبب أطلب منك استخدامها للمرح، لكيلا يغدو حضورها عبئاً. وقبل أن تحتج بأنه أمر مستحيل، فثق بي أنك تستطيع الاعتياد على الكثير. وأنا متأكد تماماً من أن تيري هناك"، وأشرت خلف نفسي حيث ترقد الجثة على الجانب الآخر من السيارة، "لم يكن يرى إضافاته عبئاً."

رمقني جوش بنظرة مموجة.

"أنا متأكد تماماً من أنه كان مجنوناً."

انحنيت نحوه رامياً إياه بابتسامة عريضة.

سألته محققاً ابتسامة من الفتى أخيراً: "ألسنا جميعا كذلك؟"

اصطفت سيارة دورية لمكتب التحقيقات الفيدرالي بجوارنا مباشرة، وقفز مارفين وفيليب تقريباً قبل أن تتوقف. وترجل عدد إضافي من العملاء من السيارتين الأخريين برغم أنني لم أعرفهم. ولكن ما عرفته حقاً كان رموزاً منقوشة على بنادقهم المعدلة. تعذر عليّ تبين ما كانت عليه تحديداً، نظراً لتعذر رؤية السحر بتمام تجلّيه بفعل أجزاء البنادق المتحركة، غير أن الإحساس العام كان إحساس نيران، نوعاً من الإضافة السحرية العنصرية إلى أي مقذوف يُطلق.

أمر مثير للاهتمام.

سألت مارفين مشيراً إلى البندقية حين اقترب منا ناظراً حوله بحذر: "من أين لي بواحدة من تلك؟"

كانت عيناه مركزتين وبندقيته بيده، في حين تفحص زملاؤه الأكثر تدريعاً المحيط.

اقترب مارفين متجاهلاً سؤالي: "أأنت بخير؟"

قال جوش: "كل شيء على ما يرام هنا."

عندها فقط انساقت عيناه نحو الجثة الملقاة على الأرض وباتت مرئية حين اقتربنا من سيارات مكتب التحقيقات الفيدرالي.

قال مكشرًا أمام الجثة المغطاة بلحمها المميع الآن والمختلط بالبقايا الملطخة بالدماء الأصلية: "أتوهم أنه ذاك الذي تعقبكم."

"أجل."

اقترب منا فيليب من الجانب سائلًا: "أتوهم أنه لم يخبرك بهويته أو بكيفية وصوله إلى هنا؟"

"عرّفني بنفسه على أنه تيري. هذا كل ما ظفرت به. ثم شرع في جانب القتال سريعاً للغاية."

قدم كل من جوش وأنا روايتينا عما جرى. وبعد بضع ساعات حسنة من أخذ الإفادات، حزم فريق مكتب التحقيقات الفيدرالي البقايا ووثق كل شيء حولنا، وغدوت حراً في العودة إلى المنزل بعد أن نال مني التعب جراء ذلك اليوم الحافل. وسررت بالقتال والتنسيق مع سالي برغم انكشاف أمر المزيد من المتورطين. بيد أن أمراً واحداً وقف في وجه مزاجي الجيد: وهو الطريقة التي وصف بها عبدة الأوثان لازاروس — معجزةً.

لقد كان التسمية الصحيحة. أُعيد لازاروس من بين الأموات مما جعله معجزة حرفية، لكن وصفه هكذا في كل مرة... لم أستطع تمييز إن كنت أرى أشياء أم لا. لقد توافق المرض والصياغة رغم ذلك... أطلقت زفرة أخيرة وتخليت عن التساؤل إذ بدأ رأسي ينبض بصداع بليد. كانت تلك القوى الغامضة تُهمس في أذني. وكنت أقود السيارة عائدًا من مقر مكتب التحقيقات الفيدرالي، وبعد استخدام التعويذة السحيقة، أخذ التعب يلف العالم بمزيد من الكثافة، وكأن كل شيء كان يأتيني من مسافة متزايدة.

كان السحر الذي استعملته رفيع المستوى لكنه كان الخيار الأفضل للقتال.

لقد فكرت في مجرد ضرب الرجل بـ"الفراغ المتموج"، لكن التعويذة احتفظت بحضور دائم بعد تجليها، ولم أكن أدري كيف سيتفاعل جوش.

لذا استعملت واحدة تتضمن هجماً خاطفاً. كان حضور الصغار مباغتاً لكنه انتهى بسرعة ظهوره. ولكن ما إن ترجلت من السيارة تحت بناية شقتي حتى تيقنت أن أمراً ما كان معطوباً حقاً. لقد كنت مرهقاً واستنزفت السحر من قبل. وتذكرت أنني انجرفت نحو النوم في الأعماق تحت الفاتكان. وما زلت أتذكر انعدام الشكل في ذلك الحلم آنذاك، والترنيمة، والحقائق المكشوفة قطعة قطعة حتى توصلت أخيراً إلى تعويذة التمزيق.

بيد أن الأمر اختلف هذه المرة. كان جذب الرؤى يتنامى من تلقاء نفسه كورم. وتلك كانت المرة الأولى التي أستعمل فيها سحراً بهذا المستوى مع العصا الجديدة، وما زلت أستطيع حتى اللحظة الإحساس بحضور المكعب السحيق متوجاً السلاح. وبالنظر إلى معصمي، لاحظت أن القطعة الأثرية أفرزت توهجاً خافتاً. ترجلت من السيارة وتركت العصا تتفكك في يدي بينما تفقدت المكعب بدقة أكبر غير مكترث بالمحيط.

وكما توقعت، وُجد شيء ما بالداخل. ولم أكن متأقداً مماهيتها لكنني أمكنني الإحساس بشيء شبيه بضغط منبعث منها، وكأنها تهدد بالانفجار خارج القطعة. ومما زاد الطين بلة أنني لم أستطع فحصها على النحو الملائم إذ ترك التمعن في تاج العصا أثراً مروعاً. ففي اللحظة التي تركزت فيها عيناي على المكعب، تبدل العالم حولي وبدأت النجوم تتساقط من السماء وبدأت المبانِ تذوب مغطاة بالكون الهابط نحوي.

حولت بصري بسرعة مخلّياً سبيل العصا لتعود والتفاف حول ذراعي. وحين رفعت نظري مجدداً كبحت كشراً. لم يستقر العالم كلياً في موضعه لمجرد أنني أنزلت القطعة الأثرية. كانت السماء لا تزال غريبة مزينة بنجوم جوفاء، مع مخطط لمدينة عميق وراء الأفق. شاتماً فضولي مرة أخرى، سحبت نفسي إلى الشقة متيحاً لسالي التشكل إن احتاجت إلى حمايتي، متردداً بين الخوض في النوم أو مقارعة الإحساس ومحاولة تبينه.

كانت الأحلام شيئاً، ولكنها كانت المرة الأولى التي شعرت فيها أنني أحلم يقظة حقاً. جلست متربعاً للتأمل وولجت داخلي مبصراً الاتصال بالعصا الذي أحدثه التناغم. وكما توقعت، تسربت الطاقة الغامضة على امتداد الخيط.

تأوهت: "تباً للجحيم."

ربما أتاحت لي القطعة الأثرية إخراج التدفق الغامض خارج جسدي، لكنها لم تتحلَّ على ما يبدو باللباقة الكافية لكيلا تحاول إفسادي. حرصت على أن يكون عقدي خامداً وعندها فقط أعدت تركيزي على الاتصال. بدا الأمر غريباً. وكأنه كان يهدد بالانفجار برغم إمكانيتي الإحساس بأن المكعب كان خامداً ومغلقاً على ما يُفترض. أخذ عقلي يتسابق عبر الحلول والأسباب لتلك التصرفات الغريبة. وتمثلت إحدى الاحتمالات التي سنحت لي في أن القطعة الأثرية أفرطت في إنتاج الطاقة فحسب.

وبدا الأمر غريباً مع أخذي في الحسبان تيقني التام من أنني أغلقتها لحظة هبوط تعويذتي. غير أن ذلك ظل السيناريو الأفضل في الوقت الحالي والحل الأبسط هو استنفاد الطاقة الإضافية. أحسست بخطم سالي ينخسني في وجهي. فتحت عينيّ مصادفاً الأربع عيون الناظرة إليَّ بفضول. حسناً، كانت مكونة تقنياً بصورة جزئية من الطاقة الغامضة. وأدركت أنها قد تكون قادرة على امتصاص البعض منها. مادداً العصا إليها كمن يقدم كتلة لعق لعنزة، أطلقت بعض الطاقة.

وكما توقعت، أمكنني الإحساس بمرافقتي وهي تمتص جزءاً منها. ولم يفعل ذلك لأجل سالي سوى شفاء المخلوق ومنحه طاقة. وبما أنها لم تكن مصابة كثيراً في المقام الأول، فلم تستنفد الكثير. أدركت أن علي إجهاد عقلي مرة أخرى الليلة.

ومهيئاً نفسي للإحساس شرعت في إلقاء "الفراغ المتموج"، مديراً مجسات إلى التعويذة حتى استُنفدت الطاقة.

أخيراً، وما إن باتت تعويذة ذات ستة مجسات جاهزة، حتى تلوت السحر مستخدماً لغتيّ الاثنين لمساعدتي في الإلقاء، وتركت التعويذة تتجلى لثانية قبل أن ألغيها. شعرت أن عقلي على وشك الانفجار من شدة الإجهاد، لكن وُجدت أخبار سيدة أيضاً. كان الإحساس بإلقاء تعويذات سحيقة من دون استخدام عقدي بل عبر طاقة موجودة سلفاً أمراً غريباً لكنه شبه مبهج. وبدت الطاقة الصادرة عن المكعب مختلفة، وأكثر فوضوية لكنها أقل تسلطاً ومتشوقة للاستخدام.

كانت تلك دراسة لوقت لاحق إذ أمكنني الإحساس بالرؤية وهي تقبل. ولحسن الحظ، بدت نظريتي صحيحة إذ بدا المكعب خامداً مرة أخرى ومنفكاً عن تسريب الطاقة. أبقيت سالي متجسدة بينما رقدت على الأرض وافتقرت إلى الطاقة لأجر نفسي نحو السرير، مؤجلاً التساؤلات العديدة حول التغير المفاجئ في تصرف القطعة الأثرية لوقت لاحق. وانجرفت إلى النوم شاعراً بسالي وهي تضع الجزء الأسفل من خطمها باستقامة على وجهي مستخدمة إياه وسادة، فيما أطلقت زفرة متعبة وافتقرت إلى الطاقة لتصحيح وضعها.

استيقظ في مكان غريب. كانت الساعات القليلة الماضية ضباباً تاماً. بدت الأفكار في رأسه فوضى عارمة. تذكر الحمى. كان يغيب عن الوعي ويحضر حتى أتاه النوم أخيراً. جرفه مثل الموجة. حمل كل من حاول المقاومة. حاول المقاومة لبعض الوقت. عرف في قرارة نفسه أن إغماض عينيه سيكون الأخير. هز رأسه يميناً ويساراً وأخذ يلتفت. وجد نفسه على سهول ممتدة لا يكسر تضاريسها الصخرية سوى أشجار قليلة وحيدة.

بل ليست صخرية. أدرك ذلك حين اقترب أكثر. كانت كل الحجار هناك من صنع البشر بوضوح. ملساء. حُفرت عليها حروف صغيرة. اقترب فتعرف أخيراً إلى ماهيتها. جمد الرعبُ جسدَه مع هذا الإدراك. كانت شواهد قبور. تراجع الرجل مذعوراً. استدار فلم يَر3 سوى حقل الحجارة يحيط به من كل جانب. احتج إلى الخروج. أراد الركض لكنه جهل الوجه. رفع عينيه نحو الأعلى علّه يظفر بمعلم على الأفق. لكنه لم ير سوى سماء غريبة سوداء كأن أحدهم سكب الحبر فوق الأعالي.

لم تزينها سوى نجوم غريبة مجوفة. أدرك أنه الليل لكنه استطاع الركض بوضوح تام. تصاعد الذعر. أخذ المنظر الغريب والمتصاعد للأرض حوله يخدش شيئاً غريزياً في الأعماق. شيئاً يخبره بأن يركض وأن يختبئ وأن يفعل أي شيء سوى النظر إلى الأرض من حوله. أطاع غريزته إذن. ركض نحو أقرب شجرة آملاً الاختباء بين جذورها حتى طلوع النهار على الأقل. لاحظ أثناء ركضه أظلالاً أخرى تمشي بين القبور أشباحاً غُسلت من كل شعور.

تتحرك ببطء ودون غاية. عيناهما فارغتان كنجوم فوقه. وصل أخيراً إلى الشجرة مستعداً للالتحاق بجذورها لكنه رأى رجلاً هناك. تجمد مكانه. بدا الرجل غريباً تماماً عن المكان. رفع رأسه بابتسامة مسترخية كأنه في عطلة. والأغرب أنه كان يحدق باهتمام واضح في شيء بعيد. حول الكيان عينيه نحوه فلاحظ الوافد الجديد. ومجدداً قبضة يد باردة من الرعب قلبَ الرجل حين رأى عيني ذلك الشخص مهشمتين.

تكونت الحدقتان من شظايا عائمة تشبه قطع الزجاج المعشق المكسور.

قال المخلوق: "مرحباً".

أجاب الرجل بحذر: "أهلاً. هل تعرف اين نحن؟"

أجاب الرجل: "أعرف. على الأرجح على الأقل".

ثم صمت.

استمر الصمت حتى كسره الرجل الضائع بصوت ملؤه الذعر: "إذن أين هذا؟"

"أنت تعرفه أيضاً. ينبغي أن تعرفه. الجميع هنا يبحث عنه".

هم الرجل بالاعتراض لكن كلمة أفلتت من ل اللاوعي: "كاركوسا".

ابتسم الكيان لذلك.

"بالضبط".

سأل الرجل: "لكن كيف أتينا إلى هنا؟ كيف نخرج؟"

"أخشى أننا حلمنا بعمق شديد كلينا. لقد جُلبت إلى هنا. أما أنت فتسللت عبر شقوق الحلم. أو هكذا يقولون. أما عن الهروب فأتمنى أن أستيقظ قريباً. وأنت... لا أعرف. ربما إذا وجدت الشيء يوماً فقد تجد المخرج أيضاً. لكن احذر... إنه لأمر مخيف أن يقع المرء في يد الملك الحي".

سأل الرجل بارتباك: "ماذا؟"

لكن فكرة الوصول إلى وجهته طفت فجأة في رأسه. نشأت حاجة من الأعماق لتصطدم بالخوف الباقي.

"فكيف أجده؟ أين هو؟"

أجاب الرجل مشيراً أمام نفسه: "هنا. إنه لمنظر يستحق العناء إن كنت مجنوناً بالقدر الكافي".

قال ذلك وهو يحدق أمامه مجدداً.

"المدينة جميلة".

تبع الرجل نظره فلم ير سوى حقل شواهد القبور.

"ماذا؟ أين؟"

أحس بالرعب يتصاعد مجدداً.

"لا. لا يمكن. لا يمكن".

بدأ يرتجف وهو يلتفت حوله. كان عليه إيجادها. لا يمكن أن تكون هذه النهاية. أهمل الكيان الراقد بين الجذور وأخذ يبحث خلف الشجرة وحولها متغلغلاً في غابة شواهد القبور باحثاً عن المدينة.

سمع الكيان يهمس وهو يمضي في طريقه: "أظنك لست مجنوناً كفاية إذن. حان وقت الاستيقاظ".

في آخر فعل واعي له التفت الرجل الضائع خلفه فلم ير أحداً تحت الشجرة. شعر حينها بالرعب يسيطر عليه بينما هيم في غابة شواهد القبور باحثاً بيأس عن المدينة الضائعة.