طارد الأرواح الكوني الفصل 19 — لماذا لا يكون أي شيء بسيطا

اقرأ طارد الأرواح الكوني الفصل 19 — لماذا لا يكون أي شيء بسيطا باللغة العربية على مانجا تايم.

هَدّأتُ روحي قَليلاً وشحنتُ طاقَتي السحريّة ببلّورة مانا كبيرة أحملُها معي، ثُمّ صِرتُ جاهزاً لِلّقاء. مَشيتُ ببطءٍ في الشوارع المُخصّصة للسوّاح بما تزخرُ به من متاجر ونوادي، حتّى تخلّت تلك الأماكن عن مكانِها لمناطق المدينة الأكثر عاديّة وتأهّلاً بالسُكّان. بيوتٌ بسيطة وشوارع حلَّ صخب المدينة اليوميّ محلَّ موسيقاها.

حتّى أدركتُ أخيراً أنّني أتردّدُ بانتظامٍ نحو المنطقة «السيّئة».

تزايدَت كميّة القاذورات المتناثرة جنباً إلى جنبٍ مع المشرّدين والأطفال المُهملين العابثين في الشوارع، أو أشقائهم الأكبر سنّاً الجالسين في المداخل، يدخنون ويشربون. لحسن الحظّ، كنتُ أُصدرُ هالةً طبيعيّةً تنفرُ الآخرين، وبدت وكأنّها استعادت كامل قوتها بعد أن نلتُ قسطاً وافراً من الراحة، لذا ما لم يكن أحدهم مُصِرّاً حقّاً على مضايقتي، فلن يقترب من تلقاء نفسه. تبيّنَ أنّ مكان اللقاء حانة.

تدلّت لافتةٌ قديمة فوق أبواب بالية عليها رسمةٌ يُرجّح أنّها كانت لزجاجة جعة في يومٍ ما. اقتحمتُ المكان ونظرتُ حولي. وُجدت طاولات متينة قليلة تحيط بها كراسي خشبيّة، وبضعة محلّيين جالسون على مقاعد طويلة عند المنضدة يرمقونني بنظراتٍ غير ودودة، وطاولة بلياردو قديمة، خضراء اللون ربّما في عهدها السابق، عانت من الأيّام ما عانته. عبقَ الهواء برائحة العرق. ولم يُساعد المروحة المُتحرّكة ببطء في السقف في تحسين تلك الرائحة بأيّ شكلٍ من الأشكال.

إنّها حانة نموذجيّة. حانة نموذجيّة لولا تفصيلٌ واحد. ضحكتُ بخفة وألقيتُ تعويذةً بصمت. من الجيد أنّ الهرّ نبّهني، إذ كنتُ أُحسن صنعاً بالتفتيش عن أمرٍ ما. أوقعت عينَيا أخيّراً على الشرطيّة جالسةً في الزاوية ومعها حاسوب محمول وزجاجة جعة نصف فارغة.

قالت وهي ترفع نظرتَها عن الحاسوب: "مرحباً".

وأردفت: "يسعدني أنك لم تتراجع".

ابتسمتُ لها وجلستُ إلى الطاولة.

"إذاً، المعلومات؟"

"لمَ كل هذا الرسم؟ لقد انتهت ساعات العمل، وعليك أن تطلب شراباً. جعة هذا المكان ليست سيّئة في الواقع. والجرعة الباردة مثاليّة لليلة برازيليّة حارّة".

فكّرتُ في العرض. لم أكن شارباً شرهاً، ولكن بما أنّه يُيسّر الحديث، فلا مانع من واحدة.

"حسناً، لمَ لا؟"

توجّهتُ إلى المنضدة وطلبتُ مثل ما تشرب.

سألتُ بعد أن عُدت وجلستُ: "إذن لمَ هذا المكان؟"

"إنّه آمن. فكل مؤسسة راقية تضج بالمخبرين، بدءاً من الموظفين وصولاً إلى الملّاك. أمّا هنا، فلا أحد يكترث. إنّه مجرد حانة قذرة".

أعلنت ذلك دون أن تخفض صوتها ولو قُليلاً. بدا أنّ الرجل الواقف خلف المنضدة قد سمعنا إذ رماها بنظرةٍ جانبيّة، لكنّه لم يُثر ضجّة.

واستطردت: "كما أنّني أُحبّ الجوّ هنا. هادئ، وخالٍ من التكلّف".

جرعتُ جعةً وقطّبتُ جبيني قليلاً.

"حسناً، أُدرك سحر الحانة المحليّة الصغيرة، مع أنّ الميزة الوحيدة لتلك الجعة هي برودتها".

"هه، ما توقعتك من النوع المتكلّف. ظننتُ أنّ هذا المكان سيُشعرك كأنّك في بيتك".

"أكان ذلك إطراءً؟"

هزّت كتفيها وقالت: "نوعاً ما. أُفضي الناس البسيطين والصادقين على أصحاب البدلات بشعرهم المزيف ومساحيق التجميل المزيفة والابتسامات المزيفة. حتّى وإن كان الثمن أن طعم الجعة يشبه البول".

بسيطون صادقون، لا يمكن أن تكوني أبعد عن الحقيقة، لكنّني سأعزو ذلك إلى محاولتها كسب ودّي مقابل المعلومات.

"حسناً، بولٌ بارد على الأقلّ".

"على الأقلّ. إذن، للناس الصادقين والجعة السيّئة بصدق".

رفعت زجاجتها قليلاً، فقلّدتُها، وتجرّعتُ جرعةً كبيرة. بصدق، أخذ المذاق يروق لي تدريجيّاً. أكاد أتخيل أنّني سأستمتع بها حتّى بحلول الثالثة. على حدّ قول أبي، كلما شربتَ الكحول أكثر، كلما تحسّن طعمها. يا له من رجلٍ حكيم. لكن للأسف، أشكّ في أننا سنبلغ الجعة الثالثة الليلة.

"حسناً، أظنّ أنّه حان الوقت لنشرع في الجدّ. يمكننا الشرب لاحقاً احتفالاً بتبادلٍ مثمر".

وما إن قلتُ ذلك حتّى رأيتُ وميضاً خاطفاً في عينيها.

"حسناً، أرني ما لديك".

"أنتِ أولاً. أنا أنال قائمة العملاء ومواقعهم. وأنتِ تنالين بقيّة معلوماتي. لقد أريتُك جزءاً منها، لذا تعلمين أنّني قادر على الوفاء. والآن جاء دورك".

"بالتأكيد".

وافقت بسهولة، بسهولة مفرطة، وناولتني مستنداً يمتد لصفحاتٍ عدّة. تصفّحتُه. كلّ ما عرفتُه كان أسماء سياسيين بارزين وبعض أعضاء مجلس إدارة شركة سكاي جيت. ومن المعلومات، بدا أنّهم يرتادون النوادي ذاتها، تلك المُخصّصة للعملاء الخاصّين على الأرجح. لم يكن ذلك تأكيداً على وجود الفتاة في أحد تلك الأماكن، لكنّه كان بدايةً، سيّما وأنّني سأحصل قريباً على المزيد من الاستخبارات على الأرجح.

سألت المرأة وقد لاحظت انتهاءِي من القائمة: "أأنت سعيد؟ أَنلتَ ما أردتَ؟"

"للغاية".

"إذن، حصّتك من الاتفاق الآن، معلومات التهريب. أودّ أيضاً معرفة مصدر تلك المعلومات".

اتّسعت ابتسامتي أكثر عند سماع تلك الكلمات. مِلتُ إلى الأمام كمن همّ بالإفصاح عن سرٍّ عميق.

"يُعجبني هذا. يُعجبني حقّاً أسلوب عملك. لا عجب في قدرتك على إدارة الأمر برمّته بهذا الاتفاق".

"ما الذي تـ..."

"ظننتُ أنّك ستمنحينني قائمةً مزيّفة".

قاطعتُها قبل أن تتمّ جملتها.

"ولكن تحسّباً لأن أكون عالماً بأكثر ممّا أظهرتُ، منحتِني الأصلية لتأكيد عدم شُكوكِي، ولما شككتُ فعلاً، ويُحسب لكِ أنني تلقيتُ تنبيهاً مبكراً. لم يمانع مَنحِي بعض المعلومات بالطبع، إذ كنتِ واثقةً من أنني لن أخرج من هنا حيّاً".

تواصلت نظراتُنا بينما تجهمت نظرة المرأة. تحرّكت يدُها قليلاً نحو شيءٍ تحت الطاولة، مسدسٌ مُعدٌّ هناك على الأرجح.

أردفتُ بإعجابٍ صادق: "اتّخاذ وجه مكافحة الاتجار واجهةً لكِ لنيل كل المعلومات أمرٌ ذكي حقّاً، افترضتُ أنّ الشرطة تتقاضى رواتبَ، لكنّكِ، لقد خدعتِني. لا عجب في نيلك المعلومات بهذه السرعة، فقد سألتِ المصدر رأساً".

ضحكتُ بخفة.

"قصّة الاتجار بك وأنت صغرى، بدَت صادقة للغاية. لكنّك أفسدتِ الإعداد. الرجال في الحانة رائعون رغم ذلك".

التفتُ إليهم متجاهلاً صوت الأمان المنفكّ عن المسدس، ولوّحتُ بإبهامي إعجاباً للزبائن في الحانة الذين استداروا نحونا وتأهّبوا للقتال.

قالت سارة وهي توجّه مسدساً إلى رأسي، لتنهي تمثيليّة الشرطيّة برمتها: "حسناً، وكيف اكتشفتَ الأمر؟ تعرف، كمرجعٍ مستقبلي إن لم تمانع؟"

قالت ذلك بنبرةٍ باردة ومسطحة.

"إعدادٌ رائع، لكنّ الأغبياء عند طاولة البلياردو، من هنا أفسدتِ الأمر. لكان الأمر مريباً لو جلسنا إلى جانب أي طاولة أخرى، فغاية الأمر برمتها إجراء الصفقة بصمت. لذا جلستِ في الزاوية اليمنى القصوى، لكنّك أردتِ القوة الضاربة قريبةً تحسّباً لأي طارئ، إذ لم تتلقّي معلوماتٍ عنّي على الأرجح قبل التبادل. فبدل إجلاس مزيد من الناس بالقرب، حركتِ طاولة البلياردو نحو الزاوية حيث يمكنهم التفاعل وقطع طريق خروجي".

تحركتُ في مقعدي وأشرتُ إلى الأرض بجوار طاولة البلياردو.

"لكنّك تركتِ آثار سحب في الغبار حيث استقرت الطاولة، منذ ساعة تقريباً على الأرجح. وأيضاً، وضع الأوغاد كرات عشوائيّة في الحفر كأنّهم يتظاهرون باللعب بينما ينصتون إلينا".

حسناً، ناهيك عن تلك النظرة التي اختلستها إلى هالتها فور أن لاحظتُها، فبدون تدريب، لا يعلم العاديّون كيف يخفون نية القتل لديهم. تدهور تعبير رجل طاولة البلياردو بينما استدرتُ إلى المرأة مجدّداً، لتصوب مسدساً إلى وجهي الآن.

"ألسْتَ شديد المُلاحظة؟ يا للأسف لأنّك انطلت عليك مع ذلك. لربما حظيتَ بفرصة لو هرعتَ إلى الباب فور ملاحظتك لأمرٍ ما. لكنّنا سنقوم برحلة الآن إلى مكان تخبرنا فيه كيف نلتَ المعلومات، ومن منحك "التنبيه"، سيّد جون".

ذُكر اسم جون بوضوح، مشوباً بالسخرية. نهض رجال الحانة، كاشفين عن مسدسات في أحزمة تحت قمصانهم الفضفاضة، والتقط بضعة منهم مضارب بيسبول من تحت المنضدة لوسائل إكراه أقل فتكاً، على ما أظن.

"حسناً، تبدو الرحلة لطيفة. لكنّني أخشى أنّه مع تحوّلك إلى خائنة، صار لدي وقت أقل بكثير تحسّباً لأن يقرر رؤساؤك نقل ما أهتم به، لذا أخشى عدم قدرتي على مؤانستك".

ضحك الرجال والنساء في أنفسهم.

قلتُ وفضولٌ صادق يملأ صوتي: "لكنّ ثمة أمراً يشغل بالي قبل أن نبدأ".

قالت المرأة وقد هزّت كتفيها واثقةً بفوزها، وبدت مسرورةً بالموقف برُمّته: "اطرح سؤالك".

"قصّة الاتجار بك وأنت صغرى، أكانت حقيقيّة؟ أقصد، يصعب زيفها مع الاهتمام الدوليّ الذي تحظين به".

"إلى حدٍّ ما، قصدتُ عرض عمل مشبوه وأنا مراهقة، لكنّني فررتُ منها قبل وقوع ما هو أسوأ. لكنّني شغلتُ بذلك العالم بعدئذ، وكان عملي في البداية شريفاً. لهذا لم يكتشفني أحد. كنتُ نقيّة كالبلّورة في البداية، والآن لا يزال فرانسيس يمنحني انتصارات أحياناً للحفاظ على صورتي وتحويل الانتباه عن الأعمال الأكثر ربحيّة".

مالت إلى الأمام مع المسدس.

"عملتُ بجد في سبيل العدالة في البداية، لكن أتدرك ما اكتشفتُه؟ لا أحد يكترث. فكل السياسيين ومن يُفترض بهم حفظ القانون يتلقون المال ويلزمون الصمت. أينما توجهتُ، لقيتُ ظهورهم المستدارة وجدرانهم السياسيّة. الجميع يمضي في حياته، يستمتع، يربت أحدهم على كتف الآخر لإنجازه عملاً جيّداً بعد القبض على مجرمين صغار. واجهتُ طرقاً مسدودة. صار الأمر مُتعباً، أتعلم. لذا إن لم تستطع قهرهم..."

"صحيح".

أومأت برأسي شارداً.

"أستلقي عليّ خطبة بشأن الإيمان بالمبادئ، أو كيف تتكشف الأمور في النهاية إن واصلتَ السير؟ لأنّك إن ظننتَ بقدرتك على إقناعي بتركك تذهب، فلا تضيّع وقتي أرجوك".

علّقتُ قائلاً: "حسناً، لستُ من أهل الوعظ، رغم اختيارك أحد أبشع الأنشطة الإجراميّة، وصدور ذلك عنّي يُعد شتيمة كبرى. لكنّني أسعى لعدم الحكم على وسائل أحد. بصراحة، أتفهم كراهية الدوران في حلقات مفرغة، مع أنّ الانضمام إلى الطرف الآخر بدل الاستقالة كان حركة طماعة ودنيئة بعض الشيء".

"حسناً، المال يُسيّر العالم، تحرّك الآن".

لوّحت بمسدسها نحو المخرج.

"أم ماذا؟"

ألت برأسي، متيحاً لبعض التسلية بالظهور على وجهي.

"أأبله أنت؟ ستتلقى رصاصة في الركبة أولاً، ثم أعلى".

"أوه، ولكن كيف ستضغطين على الزناد بلا إصبع..."