ما زلت عاجزاً عن الجلوس فثمة ما ينبغي فعله. للحقت بناثان وطلبت منه بسرعة موافاتي بقائمة الأشخاص الذين تطلب الكنيسة مشاركتهم في المحادثات التشريعية. ثم سألت ريمي الأمر عينه عن البيوت النبيلة وتوجهت للراحة مع رفاقي بعد حصولي على القوائم.
"إذن ما هي خطوتنا التالية؟"
سأل ويليام ونحن نجتمع معاً.
"راقبت النبلاء طويلاً لكنهم يلتزمون بكل قواعد اللياقة ولم يبرز أي شيء غريب"
قال وبصوته مسحة حزن. أومأت لونا برأسها.
"أجل ولا شيء من جهتي أيضاً. لم يظهر أي أمر مريب بين كل من عالجتهم. لا رائحة دم غريبة ولا اختلاف في تفاعل سحري".
"لا تقلقوا سنقبض على ذلك اللعين بعد محطتنا القادمة"
قلت بابتسامة خفيفة. أوقفت كلماتي الجميع عن الحركة.
"ماذا؟"
كاد داروس يصرخ فبادر الجميع إلى إسكاته. جعلتهم يقتربون من بعضهم وألقيت تعويذة كتم الصوت خلفنا. كان الغرض من التعويذة إسكات مكان بحد ذاته لا العمل كحاجز صوتي لكن بتوسيع نطاق تأثيرها صار مستماعاً أن يُلتقط أي همس من الخارج.
"تحدثت مع البابا والقطط وأعتقد أنني وجدت طريقة لمعرفة هويته. وفقاً لأحد الدرويد يحتاج مغير الجلد إلى معلومات موجودة مسبقاً عن ضحيته ليحقق التخفي الذي نراه. لذا كان لا بد من وجود الهدف هنا. وكان عليهم التأكد من حضور الشخص المختار".
رايت علامات الإدراك تلوح على وجه أوفيليا.
"لكننا تعادلنا في التصويت. ما كان ينبغي لبعضنا الحضور يوم الهجوم".
"بالضبط"
قلت.
"لكنهم هاجموا أثناء الإجراءات القانونية. علاوة على ذلك هاجموا رغم وجود العديد من المقاتلين بدل الانتظار ليوم آخر. منحتهم حيلة الخدم فرصة لدفعنا إلى هنا لكن أؤكد لكم أن بقية الأفراد فور خروجهم من ضباب السم سيكونون قادرين على شق طريقهم بالقتل. لو نفذت الطائفة تلك الحيلة متأخرة بيوم لما احتاجوا على الأرجح لاستخدام نصف تلك القوة. هذا يعني أنهم غالباً ما احتجوا توقيتاً محددة".
"أترى أن الأمر مرتبط بشيء في الخارج؟"
سأل ويليام فهززت رأسي نافياً.
"لا. لا أعلم ما الذي يسبب تغير المدينة لكن وصولنا عندما كانت هادئة قد لا يكون صدفة".
شرع ويليام يفكر بصوت عالي وعقدة جبين عميقة تزين وجهه.
"إذن ستكون القطط هناك بالتأكيد. وكل ممثلي فصيل رجال الأعمال أيضاً. و..."
ارتفع حاجباه وهو ينظر إلي.
"وستغادر أنت عند أول فرصة تسنح لك لذا بعد توقيع كل شيء في الصباح".
"بالضبط".
ابتسمت.
"إذن من سيكون حاضرا؟"
سألته أوفيليا.
"سيكون البابوات هناك لكنهم مستبعدون. كانت هيغما برفقة كليمنتون طوال الوقت. وكان ليو محروساً أيضاً لكن حراسه تبدلوا لذا فإن فالادين الخاص به ياكوب على القائمة. ويليهم آل ريسوالت. أحدهم هو اليد اليمنى لإيمانويل وسيكون هناك. والآخر يعارض زعيم البيت الرئيسي وسيُحاول الجدال لذا وضعه القطة على القائمة. الدرويد والرهبان البوذيون خارج المنافسة. فهم قادة روحيون بحت".
"جين دارك هي الخيار الواضح"
قالت لونا.
"وأرون أيضاً"
أضاف ويليام ناظراً باتجاه المشعوذ.
"ونحن كذلك"
قاطعتهم أوفيليا والتفت البقية إليها.
"سيكون ويليام ولونا هناك. وربما لا يكون داروس لكنكما أنتما"
نظرت إليهما "لن تتجاهلا مسؤوليتهما لمجرد شعوركما بالملل".
وقالت الجزء الأخير وهي ترمقني بنظرة استياء.
"وسأكون هناك أنا أيضاً"
ختمت كلامها بنبرة ثقيلة.
"أنت تلميذة سام. لسْتِ أفضل..."
"أنتم جميعاً خارج دائرة الشبهات"
قاطعت لونا قبل أن تحاول تلطيف الجو المتوتر.
"أنتم تنسون أمراً ما. كان لصانعي المعجزات جاسوس في مجلس الكنيسة. وكانوا ليعلموا بالخططة الموجهة ضد أكونتي. وإذا كانت لديهم أي معلومات عنا فلا بد أن يفترضوا أننا سنحاول تدبير أمر ما".
"وإذا فشلنا فستكون هناك فرصة كبيرة لاستبعادنا من التصويت والإجراءات التشريعية. كنا خياراً محفوفاً بالمخاطر"
أكمل ويليام.
"نعم. أستبعد اختيار أي منكم ناهيك عن قربكم مني..."
أمالت لونا رأسها بعبوس خفيف.
"لماذا ستشكل كل هذه المشكلة بغض النظر عن كونك تمشي كارثة بالطبع؟"
"لأننا نعاني المشكلة ذاتها. يفتقر المخلوق إلى بنى معينة في روحه لكانت موجودة في ضحيته. وأعلم من التجربة أن هذا يأتي مع طبيعة الحال. هكذا سنقبض عليه. على فرض أن البقية سيصوتون كما أرجح".
استخدم ويليام ولونا علاقاتهما مع النبلاء وشبه البشر لسؤال الأفراد القلائل الحاضرين عن معلومات تخص مشتبهبي بينما شرع داروس ينحت قطعاً خشبية تشبه أعضاء الحيوانات. بعد جمع كل المعلومات تجسدت قائمة مشتبهبي بوضوح تام. كان هناك سبعة أشخاص عليها: الفالادين ياكوب وجين دارك والمشعوذ أرون واثنان من آل ريسوالت هما ألبرت ودانيال إضافة إلى ناثان. لم أكن متأكداً بعد من لينارت.
فقد تبدو وكأنه مجرد دمية لمجموعة النبلاء الأصغر وربما تقاسم المعلومات معهم. والخبر السار الوحيد هو أنهم بدوا منغلقين على أنفسهم لذا لم يتسرب الأمر أبعد من ذلك. كما أنه صوت لصالح الحداد. وكانت المشكلة تكمن في عدم التأكد مما إذا كان سيحضر أثناء المباحثات التشريعية وإذا لم يحضر هو فمن سيحضر من مجموعته. كانت مجموعة الغرفة الثالثة الثانية مزعجة أيضاً لعدم معرفتي بعلاقات أرون ونقص المعلومات إذ لم يمتلك كل من القطط وكليمنتون الكثير عن المشعوذ.
لكنني امتلكت خطة للتعامل مع ذلك لحسن الحظ. من بين السبعة النهائيين كان المشتبه بهم الرئيسيون هم ياكوب وناثان واثنان من آل ريسوالت مستوفين المعايير بأفضل شكل. أعطيت أرون تعليمات أخيرة عما سيصوت له قبيل الاجتماع. وإن غير صوته سيتحول إلى المشتبه به الرئيسي. ثم اقتربت من ممثلي الجماعات الدينية غير المنتمية وطلبت من كل منهما خدمة صغيرة عند اختيار مسارنا القادم. بعد أن أخذ الجميع قسطاً من الراحة حان وقت اجتماع المجلس الأخير حيث سننقسم إلى حملات نحو النقاط الآمنة المتبقية ومعالجة أي مشكلات ظهرت خلال فترة الراحة.
نظرت إلى الخريطة أمامي. رُسمت عليها النقاط الآمنة الثلاث الرئيسية في الجزء الغربي إضافة إلى النقطة التي تسبقها. إلا أن هناك شيئين آخرين أثارا الاهتمام. أحدهما بوابة غربية تؤدي إلى خارج المدينة وطريق أصغر يخرج عبر ممر جانبي يؤدي إلى القصور الصامتة على الجرف الحجري.
"إذن في حال احتجنا للتوجه نحو تلك النقاط مباشرة"
بدأ ليو كلامه مشيراً إلى النقاط الثلاث الأعمق "فكيف سننقسم؟"
"انتظر"
قلت.
"أعتقد أنه يجب أن نتنتشر في اتجاه إضافي".
التفت الجميع إلي بينما أشرت إلى البوابة الغربية للخارج من المدينة.
"يجب أن يؤدي هذا الطريق إلى مخرج آخر من هنا أليس كذلك؟"
سألت فأومأ ليو بالإيجاب.
"وينبغي أن تكون هناك بوابة أخرى تحتاج أحد مفاتيح الكنيسة؟"
أومأ مرة أخرى.
"إذن لو وصلت الحملة إلى هذا الحد ومعها مفتاحها الخاص فلماذا لم تغادر ببساطة؟ لقد كانت تبعد ساعة واحدة فقط عن المخرج هكذا يفترض".
"أتريد إرسال شخص لتفقد البوابة؟"
سأل جين.
"نعم. النقطة الآمنة الأبعد من هنا تقع على الطريق نفسه الذي تقع عليه النقطة القريبة من تلك الكنيسة"
قلت مشيراً إلى المكان الذي يرغب كلا البابوين بالذهاب إليه يقيناً.
"كما أن النقطة الآمنة القريبة من الكنيسة هي الأقرب للبوابة. وأتصور أنها الأرجح لتضم بقايا الحملة السابقة إذا كانوا قد وصلوا إلى هنا وحاولوا مغادرة المدينة".
كذبت وأنا أدرك أن الحملة كانت تسعى على الأرجح خلف الدم في تلك الكنيسة.
"يمكن للمجموعة المتوجهة إلى الكنيسة مواصلة السير إلى الأمام إن ثبت أن النقطة خاوية. ونحن نستخدم المجموعات المتبقية لتفقد بوابة الخروج من المدينة والنقطة الآمنة الثالثة بالقرب من الدائرة الثانية".
نظر الناس إلى بعضهم البعض وهم يقلبون اقتراحي في أذهانهم. ولمحت نظرات سريعة من إليسا وساياداو لكنهما لم يبديا أي اعتراض حتى الآن.
"لنقم بما تقترحه"
قال ليو أخيراً مرجحاً أنه لا يهتم سوى بكونه جزءاً من المجموعة المتوجهة نحو الدم. احتجنا الآن إلى إعادة توزيع الفرق نظراً لوجود عدد من الفارّين بعد الاختفاء الأخير لمجموعة كاملة. وفي النهاية توفر نحو ستة فرق ضئيلة العدد. فرقتان من الغرفة الثالثة وواحدة ونصف من الكنيسة وفريق من نبلاء دارك إن احتسبنا معهم لينارت الذي لم يبقَ معه سوى شخص واحد وفريق أكبر مجتمع من الديانات غير المنتمية.
فقد آل ريسوالت فريقهما بعد انسحاب أتباعهم. كما فقدت عائلة دارك بضعة أفراد مما جعل حزبها أصغر حجماً. الآن سيذهب مغير الجلد إما مع الكنيسة لحاجته إلى عصا البابا أو إلى النقطة الآمنة قرب مدخل الدائرة الثانية على افتراض امتلاكه سبيلاً لاستدراج البقية إلى هناك. وإذا كان اختفاء المجموعة السابقة من صنيعه فهو يمتلك إذاً قدراً من السيطرة على ما يجري وغالباً عبر الرموز. لكن أي شخص يذهب إلى البوابة يجب أن يكون بريئاً لكونها في الاتجاه المعاكس تماماً للدائرة الثانية وبعيدة عن البابا.
"أقترح إعادة التنظيم"
قلت.
"يجب أن يكون الحزب المتجه إلى الكنيسة هو الأكبر على فرض احتمال اضطراره للتوغل بعيداً. لذا أقترح أن يضم حزبي وحزب البابا. على أن تسمح الكنيسة لبعض رجالها بالتوجه إلى النقطة الآمنة قرب الدائرة الثانية".
"لماذا تريد فصلنا؟"
سأل ليو مستاءً من الفكرة.
"البقية يحتاجون إلى مقاتلين أقوياء. والأشخاص المتبقون بغض النظر عن الآنسة دارك جلهم من كهنة ومعالجين ومستخدمي تعاويذ. سيحتاجون إلى خط مقدمة ومن أفضل من الفالادين؟ يمكن لاثنين منهما"
أومأت برأسي نحو آل ريسوالت "أن يذهبا معنا لكن يجب أن ينضم فالادينان على الأقل إلى من سيتوغل في المدينة. وسيعوض فريقي النقص في الأعداد".
"سنفقد قوة قتالية. لقد قلت للتو إننا بحاجة إلى أقصى قوة. أليس معك بوليسواف وداروس؟ لماذا لا ترسلهما؟"
ألحَّ ليو.
"من أجل التوازن"
أجبت فوراً.
"النقطة القريبة من الكنيسة هي الأرجح لمكوث الحملة السابقة فيها. في المرة الماضية كان رجالكم هم من أرادوا الفرار قبل عودة المجموعة الأخرى عند بوابة المدينة. لذا أنا متأكد تماماً أن كل من هم خارج هذا الاجتماع سيوافقون على أن حزبكم يحتاج إلى ثقل موازن. وأشك في أن أحداً سيتسملني بتهمة العمل مع أي شخص في الكنيسة"
أنهيت كلامي بابتسامة.
"«خارج هذا الاجتماع». إذن أنت رجل جماهير الآن يا سيد ألهاذرد؟"
سأل ليو وهو يملي بصره في عيني.
"كنت دائماً كذلك".
"يا صاحب القداسة".
التفت ليو هذه المرة نحو كليمنتون.
"سيبدد هذا قواتنا. لا يمكننا المجامرة بحياتك هكذا".
"أه لا لا".
هز كليمنتون رأسه بابتسامة خجولة.
"إذا كان هذا سيخرجنا من هذا المكان اللعين أسرع فأنا أثق بأن أناسنا الباقين سيمضون لحمايتنا. وحياة الآخرين ليست أقل قيمة في عين الملك. لا يمكنكم نسيان ذلك. إذا كان على الآخرين الاقتراب من الحلقة الثانية فسأشعر براحة أكبر إن اصطحبوا رجالنا معهم".
تفرس ليو في وجه كليمنتون بحدة كأنه يبحث عن شيء ما ملامحه. صار الجو متوتراً. تقنياً لم يكن مسموحاً له بمعارضة كلام البابا الحقيقي علانية لكن هل سيفعلها؟ التفت ليو أخيرة نحو الفالادين الصامت بينما أومأ الرجل المدرع برأسه بخفة.
"كيف نضمن ألا يقودنا السيد ألهاذرد إلى نوع من الفخ؟ قد يظل خائناً".
"لأجل ماذا؟ لو كنت أستهدف البابا لكنت قصدت طاقم حمايته لا حراسك".
تبادلنا النظرات قبل أن يتدخل ساياياداو.
"يكفي هذا القدر من العداء. نحن نوافق على تلك الخطة وسنحمل على عاتقنا خطر التوغل في أعماق المدينة".
وافق هو وإليسا على دعم خطتي. وبهذا الشكل سيتجه الأشخاص الذين أيقنت ببرائتهم نحو مركز المدينة واصطحاب جزء من قوة ليو معهم. بينما سيتوجه الاثنان اللذان شككت في أمرهما نصف شك نحو البوابة المكان الوحيد الذي ظننت أن المخلوق لا يرغب في ارتياده بعيداً عن البابا ومركز الأبحاث لذا سيحاول تدبير أمر ما قبل أن ننفصل عند النقطة التالية التي تسبق الثلاث. وأخيراً سيحمل الحزب المتجه مباشرة إلى الكنيسة كل المشتبه بهم الرئيسيين لدي.
لقد رُميت النرد. وإن سار الجزء الأخير من الخطة بلا عوائق فسيكون مغير الجلد ميتاً قبل وصولنا إلى النقطة. ما زلت بحاجة إلى بعض المساعدة بخصوص المعلومات اللازمة للتأكيد. يمكنني تفقد ناثان بنفسي. ومن الطريف أنني عرفت كل ما أحتاجه سلفاً. امتلك كليمنتون معلومات واسعة جداً عن ياكوب ودانيال ريسوالت. بينما ظهر ألبرت ريسوالت في قائمة ريمي نظراً لبحث القطة عن نقاط الدخول إلى تحالف الكنيسة وريسوالت بأكمله قبيل السبت.
سارت الخطة بشكل جيد حتى الآن. وبينما كنت واقفاً هناك انزلقت عيناي ببطء نحو النقطة الآمنة الأبعد عنا ثم أبعد على طول الطريق الأصغر المؤدي إلى القصور لتستقرا أخيراً على ختم عائلتي الواسم لأحد المباني. توتر جسدي بينما كان مخلوق آخر يتسطل عبر عيني في انتظار صامت. وشق تصدع طفيف من عدم اليقين طريقه إلى عقلي. سيكون الذهاب إلى هناك بمثابة انتحار لكن... هل عليّ إدخال بعض التعديلات على خطتي؟
حدثت نفسي «فقط تحسباً».