"آسفة"، هكذا جذبني صوت لونا من أفكاري.
سألت بارتباك: "بأيّ شأن؟"
"حين كنا نعدو. أنا—"
التقطت نفساً متعباً.
"كنت أهيّئ هجوماً عليك. فقط تحسّباً..."
نظرت إليّ بحرج.
"كنت خلفي، خطأ واحد وكان موتي سيُطمس بسهولة و—"
رفعت يدي لأمنعها.
"اختيار صائب."
ابتسمت لي بابتسامة خفيفة يكسوها الذنب وفتحت فمها، لكنها اكتفت بالتنهد وجلست على الشارع المرصوف بالحصى، دون أن تزيد حرفاً.
سأل الساحر من مجموعة الغرفة الثالثة الأخرى بصوت ضعيف: "أرجوكم أخبروني أن أحداً عثر على مكان آمن؟"
لاحظت أن مجموعته تنقص فرداً. وكان آل ريزوالت يفتقرون لفرد أيضاً، وكذلك إحدى المجموعات الدينية. لم يرد أحد، تماماً كما لم يأتِ أحد على ذكر المفقودين أو حقيقة أن إحدى الجماعات الدينية الأصغر لم تكن قد عادت بعد.
تحدث ليو مشيراً إلى يسار البوابة: "علينا التوجه إلى هناك."
وفي طريقه أردف: "لا بد من وجود مكان آمن على طول الطريق. لم يكن لدينا الوقت للتعمق أكثر."
نظرته بعينين ضيقتين.
سألت وأنا أؤم برأسي في الاتجاه المعاكس: "لمَ ليس هناك؟"
هز الرجل كتفيه قبل أن يوضح سببه: "يبدو أننا تعرضنا لأخف الهجوم، لذا أقول لنواصل السير حيث كانت مجموعتي."
أذهب إلى هناك عالماً بأنه المكان الأنسب، أم كانت مجرد صدفة؟ بدأ صداع يداهمني وانا أحاول فهم خبايا السياسة هنا، إذ انحرفت نظراتي ببطء نحو القطط التي كانت تلصق نفسها بالفصيل الديني—على الأقل في الوقت الحالي. ما استطعت التركيز على كل ما يدور. أفكاري ما كانت تنساب كما ينبغي. القتال الذي قادني إلى هنا كان عالقاً في مؤخرة عقلي، مستهلكاً ما تبقي لدي من قدرة ضئيلة على الاستيعاب.
أولاً، النزف حتى شبه الموت، ثم الخطأ الغبي مع إناء العصير الذي علق بمفرش المائدة... تنهدت وتركت البابا البشري يتابع.
بدأ ليو قائلاً: "حسناً، لنتحرك ببطء و—"
لكن هيلغا قاطعته.
"علينا انتظار المجموعة الأخيرة."
بدا الاضطراب جلياً على وجه ليو قبل أن يجيب: "اسمعي، لا يمكننا إضاعة الوقت. الوقوف هنا في مجموعة بهذا الحجم سيجلب المتاعب."
احتجت هيلغا: "هذا لا يعني أن علينا الرحيل وحسب. لم نُقتل طوال الدقائق القليلة الماضية. ولن نُقتل في الخمس المقبلة."
بدأ ليو يقول: "نحن—"
لكنه قُطع مجدداً.
قالت المرأة الضخمة بنبرة قاسية: "هل نريد حقاً تركهم خلفنا؟ هذه المرة هم، والمرة القادمة..."
وتركت صوتها معلقاً في الهواء.
"أم أن الجميع هنا يريد إخباري بأنهم لم يواجهوا أي مشكلة في العودة إلى النقطة؟ لا عدو غير متوقع؟ لا تعقيد ربما أخركم؟"
دفع هذا الكلام الناس للتفكير، ووافق ليو بسرعة عندما تبين له إلى أؤول الأمور. نظرت إلى هيلغا. كان هذا تلاعباً بارعاً بالجمع. ما توقعت منها هذا.
سأل أحدهم: "يكاد يبدو الأمر كأن تلك ليست كلماتها، أليس كذلك؟"
نظرت إلى أسفل لأرى آرش ينظر إليّ.
"كنت تجلس مع الكنيسة قبل ثانية، والآن تدبر الأمور معي."
"كنت أنجز أعمالاً مع الكنيسة. أما الآن فأنا هنا لأجل أعمال معك. هكذا تسير الأمور في العالم."
قلت وأنا لست في مزاج يسمح بالمفاوضات: "لنصل إلى مكان آمن أولاً."
لدهشتي، لان القط بسهولة. وحينها لاحظت أنه هو الآخر كان متعباً. كانت قراءة تعبيرات السقط أمراً عسيراً، لكني كنت واثقاً تماماً من أن التوتر نال منه—مثل كل فرد هنا. تراجع الحيوان إلى الخلف، وتوقف في منتصف الطريق، ثم استدار.
وقال قبل أن يغادر: "يا لِلعجب—كم كانت نسبة الصدفة في انتهاء الكنيسة في «الاتجاه الصحيح»؟"
تأوهت: "تباً للجحيم."
تحركنا نحو الجانب، منتشرين على طول الطرقات لكن ليس بقرب مفرط من المباني. كنا في العراء مثل بطات جالسة. العزاء الوحيد تمثل في أن الكائنات التي كانت تصطاد المدينة بدت مهتمة بتكرار نوع من الروتين بدلاً من اصطيادنا فور رؤيتنا—تلك الكائنات التي رأيناها حتى الآن على الأقل. مستغلاً الاستراحة القصيرة، جلست مع البقية لتفحص الرداء الذي سحبناه من الضيف على مائدة العشاء. كان الرداء نفسه قطعة أثرية يوماً ما، وإن كانت ضعيفة، إذ تعرفت على الرُّقى المنحوتة في القماش.
كانت التعاويذ خاصة براحة العيش لا غير—حماية قوية جداً ضد الحرارة والعناصر—لكن هذا كل ما هنالك. الجزء المثير للاهتمام في الاكتشاف وجدناه في الجيب. تبين أنني رأيت بوضوح: كان الرجل يحمل دفتر ملاحظات في الرداء، إلى جانب بقايا ريشة وزجاجة حبر جافة. كل شيء كان مرتباً بعناية في غلاف جلدي واحد. ومضة حظ—هذه المرة. بدا أننا نجحنا في الحصول على جثة ناسخ. سأبلغ البقية، لكن فقط بعد أن ننتهي جميعاً من القراءة بتمعن.
حثني ويليام وأنا أفتح دفتر الملاحظات برفق، متأكداً من عدم سقوط أي صفحة قديمة: "هيا."
لارتياحي، لم تكن الكتابة سهلة القراءة فحسب، بل حافظ الكتاب على تماسكه أيضاً—فلا صفحات متساقطة ولا تمزقات. كان ورقه أبيض ناصعاً. اتسم الخط بالترتيب والنظام، مذكراً بالنصوص الدينية التاريخية، مع تزيين الحرف الأول في كل صفحة. الحرف الذي استهل الكتاب كان حرف (أ)، وقد زُين بكرمة تتسلق صعوداً، وتحمل قلوباً مكان الأوراق. تسمرت عيناي فوراً على الصفحة.
"أيتها اللطيفة ليندا، يا أجمل غادة بصوت مدوٍّ وعالٍ، كتبت هذه القصيدة ألف مرة وما زلت تبدين بلا تلال. أرجوك، خذِي روحي بيدكِ كما تأخذين جبني، فأنا لكِ إلى الأبد، حتى نسيم الأسبوع المقبلِ يا منية قلبي."
تأوهت وأنا ألقي نظرة على الأبيات: "أوه، لا بد أنك تمزح بحق الجحيم."
انتابنا جميعاً شعور بالهبوط وأنا أشرع في تقليب صفحات دفتر الملاحظات. صار جلياً أكثر فأكثر أنه لم يكن سجلاً أبحاث، بل أشبه بدفتر رسومات فنان لرجل يفيض حباً للشعر وينعدم تماماً من موهبته. قرأنا جميعاً بافزاع متزايد أوصاف حب من طرف واحد للفقيرة ليندا التي، أنا متأكد تماماً، ربما كانت هي من شق حلق الرجل في النهاية—وإن كان الأمر كذلك، فلتبرر أفعالها بالكامل.
تأوه ويليام: "تباً للجحيم. كل هذا العناء لأجل هذه السخافة."
قال داريوس من خلفنا: "حسناً... أنا أميل للإعجاب به بعض الشيء."
التفتنا نحوه جميعاً دفعة واحدة، وكنت متأكدأً إلى حد بعيد أن التفرد كان يعبث بدماغه. وبعد أن رمينا الرجل بنظرات لم تكن لطيفة البتة—وهو ما اكتفى بهز كتفيس تجاهه—أعدنا أنظارنا نحو الكتاب الصغير الماثل أمامنا. قلبت الصفحة إلى آخر صفحة مكتوبة وقرأت سطراً دافئاً يثلج الصدر عن بلوزة ليندا الواسعة في صباح ما. ولكن تماماً وهممت بتحويل الكتاب الملعون إلى مقذوف، تذكرت ما كنت أفعله أحياناً عند كتابة سجل بحثي.
إن راودتني فكرة استوجبت التدوين لكنها لم تكن صلة بما أفعله حالياً، كنت أعكس الكتاب فحسب وأكتب من الخلف. قلبت الدفتر الصغير وفتحته. ثمة كتابة هنا. لم يعد يتضمن تلك الحروف المزخرفة أو—ولتشكر الجحيم على ذلك—الشعر. معظم الملاحظات دُوّنت على عجالة وبدت عسيرة القراءة، وتخلت تماماً عن أي بنية، لكنها بدت مرتبطة بما كان الشخص يفكر فيه في اللحظة ذاتها—وهذا يعني... قفزت بسرعة نحو الصفحات القليلة الأخيرة.
باتت الخربشات غير المنظمة سابقاً بالكاد مقروءة. كانت الصفحات مجعدة، وإحداها حملت بقعاً رطبة، داكنة للغاية بحيث لا يمكن أن تكون ماءً. استغرقت كتابة العموم وقتاً لفك رموزها، لكن البداية بدت كأنها محاولات متعددة لوصية أخيرة. تراجعت عدة أسطر سبقت ذلك وقرأت ما يلي.
"وجوه عديدة. بشر كثر. ضائعون. كان يتوجب علينا التراجع. ليندا، كم أشتاق لك. ضائعون من جديد. متأخر، متأخر، متأخر تباً لدرجة اللعنة—كان علينا رؤية الظلال. اللعنة على ذلك الجرس اللعين. الظلال—كانت الظلال خائفة مثلنا تماماً. كان ينبغي—"
البقية كانت مجرد هذيان، ثم الوصية الأخيرة. تخطيت جزء الوصية الأخيرة وانتقلت إلى الأسطر الأخيرة، لكنني توقفت بعدها. شيء ما أزعجني بشأن كون الظلال خائفة مثلهم. أغمضت عيني. كان الإرهاق أشبه بجدار في عقلي يمنع أي أفكار من الدخول، واستطعت الإحساس بفكرة تحاول القفز فوقه.
بدأت أتمتم محاولاً تهدئة أفكاري لتنساب: "ظلال، ظلال—مات بالقرب من المدخل، وحيداً، لكنه دون ملاحظات كثيرة، إذن ليس فوراً، إذن..."
قاطعني ويليام مخرجاً إياي من تأملاتي: "أيمكنك قلب الصفحة؟ لدينا ثانية للاسترخاء أخيراً. فلنحسن استغلالها."
توقفت قائلاً: "نعم—"
ثمة خطب ما في صوته.
كان «الاسترخاء»
كلمة غريبة للاستخدام، لكنها لم تُنطق بسخرية. بدا أقل توتراً—فارق طفيف لم ألاحظه سوى لمعرفتي بالرجل، لكنه كان موجوداً. ركزت وشعرت أنني كنت أكثر استرخاءً أيضاً—فشعور شيء يحوم فوقي تلاشى شيئاً فكما.
رفعت رأسي ببطء متجهم المحيا، ورأيت الظلال، فصرخت: "علينا الانطلاق!"
كان صوتي عالياً بما يكفي ليسمعه الجميع.
قال ليو: "من الجيد أنك عدت لصوابك."
"لا."
قاطعت خطابه السياسي وأشرت إلى المبنى الكبير قرب المدخل والظلال تملأ نوافذه. لم نستطع رؤية سوى جزء منه من مكان جلوسنا، لكن الأشكال الداكنة ما عادت هناك. وبدلًا من ذلك، كانت تغلق الستائر واحداً تلو الآخر—بعضها يكتفي بالنظر عبر الفجوة بين القماش، مخرجة رؤوسها بالكاد، لتعاود الاختفاء بعد ثانية. كانت تغلق الستائر من الطابق الأخير نزولاً، مخلية طابقاً أخيراً وحيداً للعيان.
ما رغبت في معرفة ما الذي لم يرغبوا في رؤيته، ولكن إن كانوا خائفين مثلنا...
قالت هيلغا وهي تلاحظ التغيير: "أجل، أظن أننا أدينا ما علينا. لنذهب."
نهضنا بسرعة ورتبنا أنفسنا في تشكيلات سليمة—إن جاز وصفها بذلك—وأزلنا مؤخراتنا. لم نحافظ على الترتيب السابق. بل تحركنا كمجموعة واحدة ممتدة، منعطفين لنتعمق في الشارع حيث قررت الكنيسة الذهاب، لكن صرخات أوقفتنا.
صاح أحدهم: "انتظروا!"
استدرنا جميعاً نحو الصوت. هناك، اقترب منا ثلاثة أشخاص من المجموعة المفقودة الأخيرة. أقبلوا مسرعين من أحد الطرقات الصغيرة المتفرعة من الاتجاه الذي سلكناه سابقاً—الاتجاه المعاكس لما أرادت الكنيسة قصده.
صرخوا: "انتظروا!"
صاح أحد الكهنة زاجراً، ناظراً حوله ويده على مقبض السيف: "اخرسوا."
تلقت المجموعة الرسالة وانضمت إلينا في صمت. وما إن بلغونا، حتى أخذ الرجل المرتدي لباس كهنة الطبيعة أنفاساً متسارعة وشرع يتحدث بهدوء.
"عليكم الذهاب معنا. التقينا بأحدهم. الكاهن—آه، مم—"
رفد أحد الكهنة الذين قدموا معه: "أرين."
"صحيح. التقى أرين بأحدهم—كان ثمة طفل يختبئ في زقة جانبية. حاولنا التحدث إليها، وأظن أنها لم تكن من التفرد."
ألقى نظرة سريعة علينا جميعا ثم تحدث بحزم: "هناك ناجون."
هتف ليو: "ماذا؟"
"نعم. قالت إنها طفلة إحدى الراهبات اللائي جئن في حملة استكشافية سابقة. يعيشون في المدينة الآن ولهم مكان آمن."
نظر بعضنا إلى بعض، وازدادت عبوساتنا عمقاً. تجمدت المجموعة بأكملها في مكانها. انقسم الجميع حيرة.
قال الرجل مستديراً في الاتجاه الذي أتى منه: "تعالوا. ذهب اثنان آخران مع الفتاة وسيعودان من أجلنا. نحن نعرف الطريق."
قال ليو: "انتظروا."
سأل أحد نبلاء ريزوالت: "هل أنتم متأكدون من وجود مكان آمن حيث تقودوننا؟"
وسأل آخر: "أمتأكدون أن هذا ليس فخاً؟"
لكن قبل أن يتسنى لنا اتخاذ قرار، سمعنا شيئاً—طبولاً، طبولاً آتية من أعماق المدينة.
قرر ليو مشيراً إلى الثلاثة الذين كانوا يتوجهون نحو الجنوب الشرقي بالفعل: "اتبعوهم!"
إذن لم يكن ليو متأكداً من معلوماته، هذا ما أدركته. تبعناهم، لكنني لم استساغ الأمر. ناجون من مئات السنين—ما هي الاحتمالات؟ وكنا متوجهين في اتجاه مشابه لما سلكته مجموعتي، بانحراف بسيط نحو مركز المدينة. وبينما كنا نتحرك، طلبت من داريوس حراسة ظهري وفتحت الدفتر الصغير، محاولة العثور على الموضع الذي تتحول فيه الكتابة العشوائية عن الحياة اليومية إلى أفكار حول التفرد. ووجدت ضالتي.
استطعت تمييز ذلك من تغير الأسلوب. تحولت الكتابة غير المنظمة سابقاً إلى تخبط، وقد مزق المؤلف ثقبة في الصفحة بالفعل.
صرخت ونحن نقترب من زقاق: "توقفوا!"
بلغ صراختي من العلو حداً التفت معه الجميع إلي بغضب فوري. لكنني لم أبالِ. كانت عيناي معلقتين على المقطع.
«لا تتبعوا الكائنات الصغيرة. لا يوجد أطفال هنا.»