استغرق الأمر وقتاً طويلاً لأدرك هويته، فقد رأيته لبرهة قصيرة فحسب. لكن كل شيء بات منطقياً الآن.
سألت الفتاة: "متى يعود والداك إلى البيت؟"
"يعملان حتى وقت متأخر. لماذا؟"
قلت: "جيد، إذن لدينا متسع من الوقت. أعتقد أن أخاك ينبغي أن ينضم إلينا".
نظر إليّ الصبي بريبة.
سأل: "ومن تكون أنت؟"
قلت: "أنا هنا بسبب قضية بيتر"، ورأيت الهلع يعلو وجهه.
لم أكن بحاجة لبذل جهد لأدرك ما يشعر به.
"م-ما علاقتي بهذا الأمر؟"
قالت الفتاة بنبرة أقسى ممّا قصدت، ويبدو عليها الهلع أيضاً بوضوح: "كانا في صفين مختلفين. إنه لا يعرف شيئاً".
"قد لا يكون في الصف نفسه، لكني متأكد من أنه على دراية تامة بالقصة".
رأيت الصبي يزداد شحوباً.
"أنا لا—"
زجرتُه ناظراً في عينيه: "اجلس".
ارتجف، لكنه أطرق برأسه في النهاية وجلس ببطء، ليبدو كسجين سيقت إلى الإعدام.
بدأت الأخت قائلة: "إنه لا يعرف شيئاً. يمكنني أن أخبرك بكل ال—"
لكني قاطعتها مجدداً.
قلت ناظراً إلى الصبي الذي زاد إطراقاً: "إنه يعلم جيداً ما فعلته. ولهذا السبب توقف عن التحدث إليك، أليست هذه هي الحال؟"
وقفت الفتاة وفمها شبه مفتوح، تحدق بأخيها بعينين واسعتين.
سألت بضعف: "أهذا صحيح؟"
فأومأ برأسه بعد تردّد. سقطت على أحد الكراسي بجوار الطاولة.
سألته: "ما اسمك؟"
أجاب بصوت يكاد يكون همساً: "أندي".
بدأت قائلة: "حسناً، أن—"
لكن صوتاً يائساً من الفتاة قاطعني.
"كان يطاردني، أقسم بذلك. كان علينا أن نفعل شيئاً. لم أكن أريد أن تسوء الأمور هكذا، أنا... أنا—"
حاولت الشرح، لكن كل ما فعلته هو جعل الشفة السفلى للصبي ترتجف بينما توترت عضلات وجهه.
نظرت إلى إما ثم التفتّ إلى أندي وقلت: "لم يكن يطاردك. لقد أتى ليراك، أليس كذلك؟"
أومأ برأسه.
حاولت إما الاستيعاب: "لكن لماذا؟ لماذا اضطريت للتسلل لمجرد رؤية صديقك؟ لماذا لم... تأتِ فحسب بدل الالتقاء في منتصف الليل؟ لقد رأيته بين الشجيرات. أقسم لك. أنا لا أكذب".
رفعت حاجبَيّ ناظراً في عينيها. كان فمها مفتوحاً على وسعه وهي تتبادل النظرات بيني وبين أخيها. همّت بالحديث محاولةً الدفاع عن موقفها، لكن ما إن التقت نظراتها بنظراتي حتى تجلى لها الأمر أخيراً.
أطلقت صئتاً وقالت: "آه. أ-أنا لم أكن أعلم. أنا آسفة حقاً. أنا..."
وتلعثمت.
"لماذا لم تقل شيئاً؟"
رفع أخوها رأسه ورمقها بنظرة تبدي غباءها.
قالت بنبرة ملؤها الألم: "لن أبدأ بغضبك فجأة لمجرد أن لديك حبيباً. أنت أخي!"
"اسمعي، كنت أريد أن أخبرك، لكن هذا كان قرار بيتر أيضاً. أرَدْنا الانتظار حتى نتمكن من الذهاب إلى الجامعة، تحسّباً لأي طارئ. لم أكن خائفاً منك ولا من والدينا. بحق الجحيم، لم أكن خائفاً من المجتمع. الأب ماثيو كان الوحيد الذي عرف في البداية".
سألت الفتاة مندهشة: "كاهننا عرف بالأمر قبلي؟"
"علم حين ذهبت للاعتراف. استأثر بي جانباً بعد القداس. ظننت أنني سأحظى بجلسة توبيخ خاصة. لكني أخبرني أننا لا نعلم خطة الملك، لكنه بالتأكيد يحب كل أبنائه".
قاطعت حديثهما قائلاً: "رجل صالح إذن. لكني لم آتِ إلى هنا من أجل دراما عائلية. بل ابدأ من البداية—كيف بدأ الأمر وكيف انتهى بـ... هذا".
سأل الصبي ناظراً إليّ بمزيج من الحيرة والريبة: "لكن كيف عرفت؟"
"صادفتُك خلال اجتماع أولياء الأمور. كنت تجري مكالمة خارج المبنى".
لمع شيء من الإدراك في عينيه حين قلت ذلك.
"كانت تنقصني قطعة من اللغز. كنت أعرف أن بيتر هو القرج الأرجح إذا كان الخطّاب مستقراً في جسده، لكن لا بد أنه تلقى مساعدة. كنت أبحث عن شخص على تواصل معه. شخص زوده على الأرجح بإشارة بشأن اجتماع أولياء الأمور وغياب والده. شخص على علم بعادات والده. شخص ذي خلفية مسيحية"، قلت ناظراً إلى الصليب المعلق فوق الباب.
"كنت مناسباً تماماً".
أطرق الصبي برأسه بينما حدقت به أخته بصدمة.
سألت: "عن أي شيء يتحدث؟"
"ابدأ من البداية. كي نفهم نحن الاثنين".
تردد بعض الوقت قبل أن يتنهد ويبدأ سرد قصته.
"حسناً، بدأ الأمر في سنتي الأولى بالمدرسة الثانوية. في ذلك الوقت تقريباً تحدثت مع الكاهن بعد اعترافي. وفي الوقت ذاته تقريباً، التقيت ببيتر في المدرسة. ابن المبشر، هادئ وخجول تماماً. اصبحنا صديقين في البداية، لكن الأمر تحول ببطء إلى أكثر من ذلك، وهذا ما أرعبه، وليس العلاقة ذاتها. كلا، لقد كان مرعوباً من اكتشاف والده الأمر. لذا، حاولت إخباره بأن والديْه ليس كل العالم. وأن والدته من النوع الذي يحب طفلها بلا حدود—هذا ما قله هو نفسه. أراح هذا الأمر قليلاً. لكن... ربما، ربما ما كان لي أن أفعل... لأن... زل لسانه أخيراً أمام والده".
أومأت برأسي. استطعت تذكر مشاعر والده. لم تكن تركيبة سارة البتة.
"فحص العجوز هاتفه بعد أن بدأ بيتر يعود متأخراً من الخروج معي، ووجد محادثاتنا. لقد كان متسلطاً دائماً، لكن الأمر ازداد سوءاً بعد ذلك. كان بيتر يعود من المدرسة ويُجبر على حفظ نصوص كتابية وتلاوتها، وممنوعاً من رؤية أي أحد. باختصار، مكان سيء للغاية. لكنه اكتسب بعض الثقة طوال فترة وجودنا معاً، لذا لم ينحنِ بسهولة. ساءت علاقته بوالده حتى بلغت ذروتها قبيل بدء الفصل الدراسي السابق، حين قرر والد بيتر أن التعليم هو الملام وسحبه من المدرسة. وبدأ يعامله كسجين".
قلت: "أتخيل أن ذلك زاد الأمور سوءاً"، فأومأ أندي ببطء.
"نعم، بات الأمر أسوأ بكثير. كنا نلتقي سراً حين يخلو المكان من أحد. كان يتسلل في وقت متأخر من الليل ويأتي إلى هنا".
"أنا... أنا آسفة جداً يا أندي. لم أكن أعلم. لقد حاولنا سؤاله، حقاً".
انتفض أندي صارخاً: "ماذا كنتِ تتوقعين؟! أن يخبرها بأنه يلتقي بأخيك الأصغر في منتصف الليل، حين كان خائفاً من إخبار والديْه نفسيهما؟ كان والده يثور غضباً لمجرد سماعه بعض القيل والقال".
"لم أكن لأخبر أحداً".
"أحتى أصدقاءك؟"
ترددت إما: "حسناً. يمكنهن حفظ سر".
"بالتأكيد، أندرو سيحفظ السر. الشخص ذاته الذي سرق السلاح من أبيه وتفاخر أمام المدرسة بأكملها".
تدخلت قائلة: "تابع من فضلك".
تردد أندي ثانية، ثم تحدث مجدداً: "بعد أن رأته اختي، غيرنا استراتيجيتنا. بدأنا نلتقي في حفلات المسلخ. كانت حجة رائعة. إن علم والده، فسيقول إنه يحظى باللهو كبقية الأطفال. سيجعله ذلك يصرخ في وجهه ويعاقبه بمزيد من الحبس صحيح، لكن دون ضرب. لذا قررنا المرة الأخيرة الالتقاء في إحدى تلك الحفلات، لكني كنت متأخراً".
ثم نظر إلى أخته.
"لم تذهبي إلى هناك قط، لذا لم أظن أنك ستأخذين سيارة والدينا".
كانت الدموع تنحدر ببطء من عينيه بينما كانت الفتاة تحدق أمامها بشرود.
"لم أكن أعلم... كنا ننوي إخافته فقط..."
انقبض قلبي لذلك، لكني كنت بحاجة للقصة كاملة. الجزء التالي كان مايهمني أكثر. أعطيتهما بعض الوقت ليهدأا قبل أن أتحدث مجدداً.
"حسناً. وماذا حدث بعد ذلك؟ كيف انتهى الأمر بك لتزويده بمعلومات عن ضحاياه المستقبلين؟"
قال بضعف: "لم أكن أعلم أنهم سيكونون ضحايا. بعد تلك الحفلة، عاد بيتر إلى البيت بقميص ممزق في منتصف الليل، فاقداً للوعي تقريباً. أجبره والده على الجلوس وحيداً في غرفته حتى يحفظ النص المقدس. كان يحتفظ بهاتف مخبأ للحظات كهذه، لذا بدأنا نتحدث مرة أخرى. لكنه كان يتصرف بغرابة متزايدة. قال إن ثمة شيئاً في جسده، تحت الجلد تماماً. وإنه يهمس بأشياء مرعبة في عقله. وإن الأصوات تتكاثر وإن جسده يتغير. كان يراسلني عن وجوه تظهر على لحمه، وتتحدث إليه. حاول الصلاة ظناً منه أنه يفعل ذلك لأنه خاطئ. أخبرني أن الشياطين جاءت لمعاقبته، وأنها تغني له حول الانتقام. لذا ظن أن الانتقام سيجعلها تختفي..."
إذن لتكن تلك أرواحاً أخرى. لم أكن متأكدآ بعد كيف التصقت ولماذا شفي فوراً بينما ماتت ساندرا. لكن المثير للاهتمام هو الحاجة للانتقام. لذا كان لديهم هدف بالفعل، رغم أنهم لم بدا بكامل وعيهم، بل أشبه باندماجهم في عقل الصبي المختل.
"هرب من البيت أخيراً وأخبرني أن ألتقي به. وفعلت، في الغابة..."
تجمد الصبي، جالساً والخوف بائن في عينيه.
سألت بلطف لأخرجه من حالته: "كيف كان يبدو؟"
قال بصوت يكاد يكون همساً: "ليس بشرياً. كان يبدو وكأن كائنات ما قد التصقت به. كانت هناك أجزاء أخرى على جسده، وجوه، أيدي... لحم. كان الأمر أشبه... أشبه... لا أعرف. تلك الشياطين، لا أعرف لماذا فعلت به ذلك".
بدأ يهذي، وما زال مستمراً في الحدّاق أمامه مباشرة.
"ليست شياطين. إنه الشيء القابع تحت جلده. هذا هو السبب".
قال أندي مقاطعاً: "أيمكننا إخراجه؟ هل سيشفيه ذلك؟"
فكّرت في الكذب، لكني أدركت أن ذلك سيكون قاسياً حتى بمعاييري.
قلت بصدق: "لا أعرف. أشك في أنه سيعيده إلى ما كان عليه، لكني لست متأكدآ. انهِ القصة، ويمكننا التفكير في كيفية مساعدته".
أومأ الصبي برأسه.
"لذا ظننت ربما أنها شياطين، وإن تمكن من الانتقام، فربما، ربما فقط، ستختفي. لقد همسوا إليه بشأن نوع من 'الجزار'، لذا ظن أن الأمر يتعلق بالمسلخ، وبالأطفال الذين علقوه على خطّاب الجزار".
ارتفع حاجباي عند سماع ذلك.
"جزار كارهيرز؟"
نظر إليّ وبدا مستغرباً بعض الشيء: "لست متأكداً. كانت كلمة غريبة. حاولت إقناعه بأن يحاول جعلهم يعتذرون، ليتعلموا الدرس، تعرف، ربما يكون ذلك كافياً، وألا يقتلهم. ووافق... ظننت أنه وافق. كان حرياً بي أن أعرف أن صوته لم يكن هو من قال ذلك..."
بدأ الصبي يرتجف.
"إذن أخبرته باجتماع المدرسة، وأنه يمكنه مواجهتهم آنذاك، وزودته بالإشارة حين يغادر الجميع من أولياء الأمور".
أومأ برأسه.
"ثم اتصل بي أثناء الاجتماع، ساضلاً عما إذا كان والده هناك. قلت لا. ولم أدرك ما قد يعنيه ذلك إلا بعد فوات الأوان. حاولت الاتصال به مجدداً، لكنه لم يرد، فذهبت إلى منزله بأسرع ما يمكن. كنت متأخراً جداً. رأيته يقف هناك... في شبه الظلام، مغطى بالدماء... وكنت أعرف أنه لا رجعة في الأمر. كانت عيناه فارغتين للغاية. أدركت أنه لم يعد هو الموجود هناك. أخبرني المخلوق أن على الجميع معرفة سبب فعله لذلك، شيئاً عن فريج دي... كلمة أجنبية ما. أ-أنا لا أذكر، أنا آسف، أنا لا—"
اقترحت: "فريج دويلم؟"
نظر إليّ الصبي بريبة أكبر، يرافقها الخوف الآن.
"كيف عرفت؟"
كانت عادة قديمة بعد الحرب. ومع كثرة الضغائن، أصبحت مبارزات الانتقام أمراً شائعاً. وكان فريج دويلم هو اسم تلك العادة. لذا لم تكن الأرواح واعية تماماً. أرادت الانتقام لكنها لم تدرك تماماً ما يدور، نصف واعية، في نوع من الغيبوبة، مندمجة في وعي واحد. لكنها استطاعت التخطيط، لذا وعموماً، ينبغي أن أفترض وجود خصم ذكي.
"إنها عادة قديمة. لا يهم الأمر الآن. إذن ماذا حدث بعد ذلك؟"
نظر الصبي إليّ لبضع ثوانٍ، لكنه استمر في سرد القصة أخيراً.
"حدق في جثة والده كأنه يحاول تذكر هوية الرجل. ثم نظرت إليّ تلك الوجوه الموجودة على جسده، وأمرتني بالاحتفال بهم. كنت خائفاً من أن يقتلوني. كنت أعرف أن والده أحب اقتباس الكتاب المقدس، وتذمر بيتر من اضطراره لقراءة النصوص كعقاب، لذا كتبت الرسالة، وبدا هو، أو الكشيء، راضياً. وكل ما أذكره بعد ذلك هو الركض نحو الغابة وحملي له. تحرك بغرابة شديدة، كأنه كان يركض فوق الهواء... وتمكنت من الإفلات بعد أن أسقطني وركضت إلى البيت مباشرة. وعرفت لاحقاً بأمر ساندرا..."
صمت الصبي بينما كنت غارقاً في التفكير.
"أتعرف إلى أين ذهب؟ أو أين يقيم؟"
"نعم، أظن أنه في المناجم المهجورة قرب البلدة. أو في مكان ما هناك".
سألت بعد برهة: "أتعرف ما هي خططه التالية؟"
هز رأسه نافياً.
"لم أتحدث معه منذ ذلك الحين. لكن..."
"لكن؟"
"الخططة الأصلية، قبل أن أخبره باجتماع الوالدين، هي أنه أراد مواجهتهم أثناء المهرجان. حين يكون الجميع في مكان واحد".
"أكان ذلك قبل أن تحاول ثنيه عن قتلهم صراحةً، أم بعده؟"
"قبله".
انقبض قلبي.
"أيبدو خائفاً من إظهار نفسه؟"
"كان كذلك. لكن الآن... لا أعرف".
"إن كان عليك التخمين، بافتراض أنه ما زال يريد القضاء عليهم دفعة واحدة، أترجح قدرته على اقتحام المهرجان لملاحقتهم؟"
تمتم الصبي بعد تردد: "...نعم".
بدا الأمر وكأنني أكدت للتو وجود معركة الليلة، سواء امتلكت كامل المعلومات أم لا.
قلت: "حسناً، تبّاً".