"لا، ما الأمر إذن؟"
قال زين: "يقسم البرج الجميع إلى سبع عشرة منطقة، وبعد كل انتقال بُعدي، يختارون أفضل عشرة مجندين أداءً في كل قسم ليضعوهم في قائمة".
لم يتوقف قط عن التواصل مع شي كي، وبعد أسابيع من التواصل، كشف له الأخير عن هذه المعلومة. وتحقق منها أيضاً مع الأستاذ بربانك. عقدت كييشا حاجبيها.
"لن يفعلوا هذا بلا سبب، فما الفائدة إذن؟"
أجاب زين: "فوائد كثيرة. من مكافآت أعلى إلى موارد أكثر، وحتى مطالبة الأساتذة بمنحنا المزيد من الاهتمام والمساعدة".
"أرى، لكن لماذا تخبرني بهذا؟ هل تريد الاستعداد للانتقال القادم لدخول القائمة؟"
"ليس ذلك".
هزّ زين رأسه.
"إن لم أكن مخطئاً، فأنا وأنت والرقيب رود على قائمة أمريكا الشمالية".
"ححقاً؟"
"لأكون صادقاً، لست متأكداً تماماً. لكن بعد معرفة أمر القائمة، بدأت ألاحظ بعض الأمور. على سبيل المثال، عادة ما يعاملنا المدرب سييا نحن الثلاثة بشكل مختلف مقارنة بالبكس".
"الآن بعد أن ذكرت ذلك، فعلياه غالباً ما تقعان علينا، ويبدو قاسيًا معنا نحن الثلاثة أكثر".
أومأ زين برأسه.
"بالضبط. لكن، كما قلت، لست متأكدًا جداً، لذا خذ ما أوشك على قوله بحذر".
"هناك المزيد؟"
"نجل، لكن قبل ذلك، يجب أن أطرح عليك بعض الأسئلة — والأمر يتعلق بزميلتك في السكن".
"إن كنت تسأل عما حدث بيننا، فلا أريد التحدث في الأمر".
هزّ زين رأسه.
"لا أهتم بذلك. أريد أن أعرف إن كانا في صفك الدراسي ذاته".
"إيفلينا والساحرة الأخرى نعم. لماذا تسأل؟"
"أتلجلوسن بجانب بعضكما في مقدمة الفصل؟"
"كيف عرفت؟"
"الأمر سيان معي"، أجاب زين، مما دفع كييشا لعقد حاجبيها.
"إلى ماذا ترمي؟"
"انتظر، أجب عن بضع أسئلة أخرى فقط: أالساحرات موهوبات؟"
"حسنًا، أنت تعلم أمر إيفلينا، والأخرى هي العاشرة في البطلوة الأخيرة؛ وهي في صف النخبة".
"وماذا عن الفرسان؟ هل هم موهوبون؟"
"هذا، لا أعرفه".
"كان يجب أن تشعر بطاقة حياتهم. كيف تبدو مقارنة بالفرسان العاديين؟"
"ممم، إن قارنتهم بالذين رأيتهم في صالة الألعاب الرياضية، فهم موهوبون حقًا"، تفكّرت كييشا.
"لكن، مرة أخرى، إلى ماذا ترمي؟"
"ألم تلاحظي أن وضعك يشبه وضعي تمامًا؟ ساحرات موهوبات هن زميلاتي في السكن ويجلسن بجانبي في الفصل، ومجموعة صغيرة من الفرسان الموهوبين".
"أتقصد أن البرج صمم الأمور هكذا عن قصد؟ لكن كيف له أن يعلم من سيصل إلى صف النخبة؟"
ما إن سألت كييشا حتى خطر ببالها جواب: العرافة.
"ظننت أن العرافة لا تستطيع التنبؤ بالمستقبل. هل استعانوا بعراف؟"
قال زين: "لعله مجرد نموذج تنبؤي".
العرافة تتعلق برمتها بالمعلومات، ومع توفر بيانات كافية، يصبح التنبؤ بالأمور بدرجة عالية بما يكفي ليبدو كالتنبؤ بالمستقبل أمراً ممكناً.
"يمكننا التحقق غدًا".
"كيف؟"
"اسأل الرقيب عن وضع زميله في السكن".
"تريد مني أن أتحدث إليه؟ مستحيل"، هزت كييشا رأسها.
"ليس عليك فعل ذلك بنفسك. اطلب من إيفلينا فعله؛ فهي تتمتع بجاذبية كافية لتتمكن من انتزاع بعض المعلومات".
"سأسألها، لكني لا أدر إن كانت ستوافق".
"على أي حال، لنرجع إلى الموضوع".
"هناك المزيد؟"
"من خلال ملاحظاتي، يختبر البرج قدراتنا جميعاً، بما فيها مهارات القيادة. كل المؤشرات تدل على ذلك: ترتيبات السكن، وتنسيق الفصول، وترتيبات المدربين —"
"أتعتقد أن هذا كله مرتبط بالانتقال البعدي القادم؟"
توقف زين برهة.
"لم أفكر في ذلك، لكن ربما تكونين على حق".
كان شي كي قد رفض الإفصاح عن أي معلومات تخص الانتقال القادم؛ زعم أنه لا يملك أي معلومات، وكان زين يميل إلى تصديقه.
"على أي حال، ظننت أنه يجب علي تحذيرك من أنه قد يكون من مصلحتك الوفاق مع زميلتك في السكن، أو معظمهن على الأقل. حتى لو كان ذلك لإظهار قدرتك على التعامل مع الآخرين".
عقدت كييشا حاجبيها.
"ألهذا السبب تتعايش مع زميلك في السكن؟"
"إلى حد ما".
"ليس لأنكم أصدقاء؟"
"ذلك أيضاً".
"لا يمكنك الجمع بين الاثنين"، عارضته كييشا.
"إما أنكم أصدقاء أو تعاملهم بلطف لأن ذلك يخدم غايتك".
"لم يجب أن يكون الأمران متنافيين؟ يعاملونني بحسن وأرد جميلهم. مثل هذه العلاقة تساعدني أيضاً في بناء مستقبل أفضل لنفسي".
"طريقة تفكيرك منطقية أكثر من اللازم".
"وطريقتك ثنائية الأبعاد أكثر من اللازم".
"أهذه هي نظرتك تجاهي أنا وإيفلينا؟"
سأل زين: "لماذا تحققين معي فجأة؟ لقد اخترت تحذيرك لأني أردت المساعدة، لكن لا بأس إن كنت لا تريدين نصيحتي. تظاهري فقط أنني لم أقل شيئاً".
بعد أن قال ذلك، فتح باب المصعد ودخل إليه.
"لم أدرك من قبل، لكنك تعاني من مشاكل ثقة كثيرة".
تجاهلها زين؛ كانت هذه المرأة ملحة أكثر من اللازم في لعب دور معالجته النفسية. لذا، تظاهر بأنه لم يسمعها بينما أغلق الباب. لقد كان الوقت متأخراً بعض الشيء، لذا سارع زين بالعودة إلى مهجعه. كانت ثلاجته الصغيرة تحوي ما يكفي من الوجبات الخفيفة، لذا لم يحتاج للاندفاع نحو الكافتيريا للحصول على المزيد. فور عودته إلى المهجع، رأى أحمد بانتظاره ليتأكد من عودته؛ طمأنه زين قبل أن يستقر لليلته.
بعد حمام الثلج الإلزامي، استلقى زين على سريره وراجع التصاميم التي جلبتهاله كييشا. لم تكن سوى سبعة، وبمجرد رؤيته للتصميم الثالث، انجذب إليه زين فوراً؛ بل واختاره في النهاية. كان التصميم على شكل عنكبوت — وهو حيوان أنانسي، وغالباً ما يتخذ شكله — مع رسم رأس أنانسي في مؤخرته. كان الرأس يحوي حتى قرطين شبيهين بشبكة العنكبوت أعبهما زين حقاً، كما أضفى الكريستال المضاف إلى رأس أنانسي أجواء من الغموض والحكمة، وهي إحدى سمات أنانسي.
"أنت هو المقصود"، حسم زين أمره قبل تسجيل الدخول إلى الشبكة وحجز موعد ليومي الثلاثاء والأربعاء.
وأخيراً، أتيح له الوقت للاطلاع على يوميات مستحضر الأرواح.
"لنأمل أن يكون هذا الشيء مفيداً"، هكذا فكر.
لسوء الحظ، وبعد أقل من ثلاثين دقيقة من القراءة، رغب في نتف شعره. ولم يكن ذلك بسبب مدى بشاعة المحتويات، بل لأن مستحضر الأرواح كان مجنوناً ببساطة، وهي حقيقة انكشفت فوراً من طريقة كتابة هذه اليوميات. كانت المشكلة الأولى التي واجهت زين هي مزيج اللغات. ففي لحظة، يسجل الرجل نتائجه باللغة الغريمورية؛ وفي اللحظة التالية، يكتب باللغة الإلفية، والأوركية، ولغات أخرى. أحياناً، قد تكون الجملة الواحدة بخمس لغات مختلفة.
لحسن حظه، كان الأستاذ قد ترجم هذه اللغات بل وترك ملاحظاته، لكن هذا كان بعيداً عن أن يكون التحدي الوحيد. تمثلت المشكلة الثانية في الكلمات العامية. وبينما تُعد الغريمورية لغة واسعة الانتشار عبر الكون النجمي، فإن اللغات لا تظل ثابتة أبداً. على العكس من ذلك، تتطور اللغات باستمرار بناءً على المناطق، والثقافات، والتقاليد، وعوامل أخرى عديدة. لم تكن الغريمورية موجودة على الأرض لفترة طويلة كافية ليحدث هذا التغيير، لكن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة لأي أبعاد جاء منها مستحضر الأرواح.
أثناء القراءة، اكتشف زين عدداً هائلاً من الكلمات التي لم يكن يعرفها. بعضها هجاؤه مختلف فحسب، وهو أمر ليس بالسيء، لكن الكثير منها كان فريداً من نوعه وينتمي للأبعاد التي ينحدر منها مستحضر الأرواح. مرة أخرى، كانت ملاحظات الأستاذ بربانك مفيدة، لكن حتى هو واجه صعوبة في بعض الترجمات، مقدماً معاني متعددة محتملة. ولم تكن هاتان المشكلتان أكبر هموم زين مع هذه اليوميات. لقد اخترع ذلك المستحضر اللعين كلمات جديدة بكل بساطة.
ظن في البداية أن الأخير فعل ذلك لأنه ابتكر مفهومًا جديداً واختنع كلمة لتعريفه؛ استطاع زين تقبل ذلك نظراً لشيوعه في الأوساط الأكاديمية. غير أنه بعد قراءة متعمقة، أدرك أن هذا لم يكن سوى نتاج لجنون هذا الرجل.
تنهد زين في نفسه: "سيستغرق هذا وقتاً طويلاً. لو أنني أستطيع الحصول على بعض المساعدة".
تذكر فجأة ليون ديماالا، اللغوي الذي التقاه في أول محاضرة لنادي التحليل حضرها. قرر زين التواصل معه وسؤاله عما إذا كان بإمكانه استنباط معاني هذه الكلمات. لم يستطع إطلاع ليون على اليوميات، لكن لم تكن لدى زين أي مشكلة في مشاركة بضع عبارات وكلمات والتعريف الذي اختاره الأستاذ بربانك، وطلب رأيه. وبصفته لغوياً، قد يكتشف ليون أنماطاً معينة.
فكّر قائلاً: "على أي حال، لا يضر المحاولة".
أرسل بريداً إلكترونياً على الفور، شارحاً الموقف. قال زين الحقيقة بشأن اليوميات وكيف تعذر عليه إطلاع ليون عليها، لكنه سيظل ممتناً لأي مساعدة؛ كما عرض تعويضاً إن رأى ليون أن ذلك مناسب. لقد تأخر الوقت، لذا لم يتوقع زين رداً في هذه الليلة. لذا، بعد قراءة بضع صفحات من اليوميات، ركّز على شيء آخر. فمع توجيه المانا، كانت كفاءة كتابته البرمجية عالية للغاية. وطالما أن عقله يستطيع مواكبة الوتيرة، تستطيع يداه الكتابة بسرعة مذهلة.
بالإضافة إلى ذلك، أثبتت هذه الطريقة المتمثلة في استخدام توجيه المانا أنها نهج تدريبي ممتاز. وكالعادة، أنهى زين ليلته بعد الانتهاء من واجباته المدرسية وقليل من القراءة في نظرية السحر.