كاهن الطبيعة في المدينة الفصل 5 — أمثالكم بطيئون

اقرأ كاهن الطبيعة في المدينة الفصل 5 — أمثالكم بطيئون باللغة العربية على مانجا تايم.

نظر دانتيس إلى الجرذ. وتابع تقريضه لقطعة البطاطا التي رمى بها إليه للتو.

سأل: "أتكلمتَ للتو؟"

توقف الجرذ عن الأكل. وبلع اللقمة التي في فمه.

أجاب: "نعم؟"

توقف دانتيس.

"وتستطيع فهمي؟"

أمال الجرذ رأسه.

"أجل، أستطيع في الواقع. أمر غريب."

حدّق دانتيس مُمَعِناً النظر. بدا الجرذ على حاله التي كان عليها من قبل. كان كبيراً بحجم قدمه تقريباً. ولونه مائل إلى البني المحمر في الغالب. الجرذ نفسه اعتاد رؤيته كل يوم. الجرذ نفسه الذي ظل يطعمه طوال السنوات القليلة الماضية، في الوقت نفسه تقريبا الذي بدأ فيه سقي الطحالب، وزراعة الفطر.

"أكنتَ قادراً على الكلام دوماً؟"

"وأنتَ؟"

"يبدو أن لا... ليس مع الجرذان على الأقل."

"جنسكم بطيء الفهم."

أطلق الجرذ سلسلة من الصرير الذي ذكر دانتيس بضحكة خبيثة. عاد دانتيس إلى الجلوس. لم يعثر على شيء آخر يقوله. انحرفت عيناه نحو خصلات الطحالب الصغيرة التي تنمو بين الصخور القريبة. وحين نظر، شعر أنها بحاجة إلى مزيد من الماء. كان شعوراً دافئاً وجافاً يقرص في مؤخرة حلقه. نهض، وأمسك بإبريق الماء، وسكب كمية صغيرة منه عليها. شعر بالامتنان يتدفق منها، كقطعة قماش باردة على الجبين في يوم حار.

تفقد بقية الكهف. نباتان أخران احتاجتا إلى السقي، وبقية النباتات كانت راضية. أراد الفطر مزيداً من الفضلات، فلبى طلبه بدوره. بدا امتنانها مختلفاً، كأن مجموعة من الناس يربتون على ظهره ويشكرونه دفعة واحدة.

تمتم لنفسه: "تباً."

لم يكن ساحراً. كان يعرف قدراً من السحر يكفيه لاستخدام الأدوات السحرية، لكنه لم يمتلك المواهب اللازمة لإلقاء التعاويذ بيدين فارغتين. وملوك السماوات وحدهم يعلمون كم تمنى ذلك حين كان صغيراً، لكن لم يكن هذا هو المسار الذي اختارته له الحياة. سمع عن أجناس قليلة تستطيع التحدث إلى حيوانات معينة. برز نسل التنانين بقدرتهم على التحدث إلى السحالي، لكنه لم يمتلك أي اختلاط من هذا القبيل في دمه.

ليس على ما يعلم على الأقل. وإن كان يمتلكه، فماذا يعني ذلك؟ أنه يمتلك سلفاً ضاجعه جرذ عملاق؟ سيوفر ذلك تفسيراً على الأقل لتفضيله الأزقة المظلمة على الشوارع المضاءة جيدا.

سأل الجرذ: "أيمكنني الحصول على المزيد؟"

فكر دانتيس في الامر، وهز رأسه.

"ليس اليوم. قد أكون عالقاً في مستوى الإمدادات الحالي لبعض الوقت. أحتاج إلى الاحتفاظ بما أستطيع."

"عليك أن تعطيني مزيداً من الطعام بدلاً من ذلك."

"لماذا؟"

"يبدو أنك ستسقط صريع الموت على أي حال. طعامك قد يكفيني لفترة طويلة. ينبغي أن تعطيه لي."

ضحك دانتيس.

"أنا أناني أكثر من ذلك."

حرّك الجرذ رأسه بطريقة تبدو أشبه بهز الكتفين.

"إذن سآكل جثتك. ستكون معدتي مليئة في كلتا الحالتين."

"أهلاً بك فيها إن آلت الأمور إلى ذلك."

بدأ دانتيس يسير على طول حواف كهفه، متتبعا الشقوق التي فيه بأصابعه وهو يفعل ذلك. كان ذلك دأبه غالباً حين يشعر بالقلق أو الهم. لم يفعل ذلك كثيراً في العام الماضي، لكن اليوم الذي علم فيه أن الجن يلاحقونه، وبدأ فيه الحديث مع الجرذان، بدا وقتاً مناسباً لاستئناف الأمر. لم يظن أنه جنّ. لقد رأى الجنون، في الأزقة الخلفية لِريندهولد وفي الحفرة ذاتها. رجالاً مكسورين يبكون علانية في وسط الشوارع، أقزاماً مرعوبين من السماء لدرجة أنهم يغطون رؤوسهم بالتراب، جناً ابتعدوا كثيراً عن غابة وطنهم حتى انهيارهم، فغطوا جدران زنزاناتهم بفضلات حاولوا تشكيلها على هيئة شجرة.

ظل عقله صافياً، حاداً، مستجيباً. العالم مكان رحب، ومن يدري فلعلّه اكتسب قدرة لم يدرِ بوجودها من قبل؟ إن كان فعل، فقد تكون تلك القدرة مفتاح نجاته، وربما أكثر من ذلك بكثير.

"تعلم يا جرذ، هناك خيار ثالث لإبقاء معدتك مليئة."

نظر الجرذ إلى دانتيس متسائلاً.

"يمكننا الاستمرار في الترتيب الذي جمعنا دائماً. أنا أعيش، وأمنحك قليلاً من الطعام من مخزوني كل يوم."

"نعم، وحتى لا أقرض اللحم من قدميك وأنت نائم."

توقف دانتيس. لم يخطر ببار قط أن الجرذ يمتلك فهمه الخاص للصفقة. كان عليه الحذر من ذلك، ومن افتراضاته. وخزته قدماه قليلاً فثنى أصابعه داخل الجلد الرخيص لحذائه الرخيص.

"حسنل، لنقل إنه يمكنني جلب مزيد من الطعام لك. أتقدر على تقديم صنيع لي؟"

"أي نوع من الطعام؟"

"ألديك تفضيل؟"

"اللحم."

جزّ دانتيس على أسنانهم، شاكّاً أن الأنياب الصغيرة المتوارثة من أصوله العوراء تغوص قليلاً في خده. لم يتوقع أن يساوم الجرذ بقسوة. كان الحصول عسيراً على اللحم. امتلك قطعا محفوظة مع ما تبقى من الطعام، لكنه لم يكن كثيراً. وفي الوقت نفسه، كانت حياته أغلى عنده من لحم بقوام الخشب المبتل.

"أستطيع فعل ذلك."

اندفع الجرذ نحوه.

"اللحم أولاً."

ابتسم دانتيس وهز رأسه.

"ليست هذه طريقتي في التعامل. تؤدي العمل أولاً، ثم أعطيك ربع ما أملك من اللحم."

"النصف."

"الثلث."

"ربما الثلث. ماذا تريد مني أن أعل؟"

"أتعرف أين يعيش ملوك أرض الجن؟"

"ما الجني؟"

"طوال، صافو البشرة غالباً، ذوو آذان مدببة، أصوات مزعجة، على الأرجح لا ينظرون إلى أسفل بما يكفي لرؤيتك."

"أعرف المكان الذي يجتمعون فيه."

"بعضهم، المهمون منهم، يحملون شظايا من مرآة، في حجم كفي تقريباً."

أومأ الجرذ.

"نعم. حيث يأتي الطعام والروائح الزكية."

"أتقدر على استعادة إحدى تلك الشظايا لي؟"

"النصف. أصحاب الآذان المدببة يصعب تفاديهم، ويسحقوننا تحت أحذيتهم متى استطاعوا."

قبض دانتيس يده وبسطها.

"اتفقنا. النصف. يُدفع حين أتلقى الشظية."

حرّك الجرذ شاربيه متفكراً.

"سيتم الأمر، لكني سأنتظر حتى يناموا لآتيهم. سأحتاج إلى بعض إخوتي لمساعدتي. سأخبرهم أنك دفعت لي ربع ما ستدفعه لي حقاً. وسأقسمه بينهم."

أومأ دانتيس. لقد قابل أناساً دهاة على مر السنين، لكنه وجد نفسه معجباً بالجرذ الذي كان يشاركه طعامه.

"ألديك اسم؟"

عاد الجرذ إلى وجبته الصغيرة من البطاطا.

"لا. تُعرف الجرذان بالروابط لا الأسماء. تدعوني أختي بالأخ، وتدعوني أمي بالابن، ويدعوني ابن عمي بابن العم، وهكذا هلم جرا."

"حسنل، لسنا أقرباء، وأفضل ألا أشير إليك بكلمة «جرذ» فحسب، فبعد كل شيء إن لم تكن الوحيد الذي أستطيع محادثته فقد يغدو الأمر مربكاً كلما قابلت مزيداً منهم."

"صحيح. لا أود أن تدفع لإخوة بدلا مني. إنهم مراوغون."

"هممم، ما رأيك في ياكوبو؟"

"ما هذا الاسم؟ ما معناه؟"

"لا أعلم. كان اسم سفينة أبي. أحببت وقعه دائماً."

"سفينة؟ جتي جدة جدتي أتت من سفينة. إنه اسم جيد."

"إذن ياكوبو."

مد دانتيس إصبعه الصغير إليه.

"أتطلع إلى علاقة طويلة ومتبادلة المنفعة."

"لقد رأيت هذا."

اقترب ياكوبو وأمسك بإصبع دانتيس الصغير بمخالبه. غمس دانتيس إصبعه الصغير وأومأ له، فبادره ياكوبو الإيماءة ذاتها.

…

استغرق الأمر بعض الوقت، لكن قلق دانتس تحول تدريجياً إلى إرهاق بينما كان ينتظر مغادرة ياكوبو في مهمته. أجبر نفسه على تناول القليل من الطعام الذي جمعه، مركزاً على ما سيفسد أولاً، وجلس على كومة الأقمشة التي تتخذ فراشاً له. على عكسه، بدا ياكوبو مرتاحاً تماماً على الرغم من عملية السرقة التي وافق عليها للتو. تناوب بين غفوات، وتمارين إطالة، ومزيد من الغفوات حتى قال وداعه وبدأ يشق طريقه نحو أراضي ملوك إلفلاند.

كانت أحداث اليوم مرهقة. لم يكن دانتس خارج لياقته تماماً، لكنه بالتأكيد لم يعد ذلك الرجل الذي يقفز فوق أسطح المنازل قبل إلقائه في الحفرة. لقد أكل سوء التغذية ونقص الحركة من جسمه على مدار السنين، ولهذا شعر بأوجاع وآلام عميقة تسري في جسده عندما استلقى وأغمض عينيه. كانت أحلامه تأخذ عادةً أحد شكلين. شكل يدي صديقه أمامه، وهما تدفعان سلّمه بعيداً عن السطح، شعور السقوط بلا نهاية، ألم الاصطدام على ظهره.

أو الركض عبر الأجزاء الموبوءة بالنباتات في المدينة، بينما كانت يداه تلامسان حواف الأغصان والكروم وهو يتوارى في الأزقة ويتسلق الجدران المتهالكة. لكن هذه الليلة كانت مختلفة. شعر وكأنّه يطفو، ينجرف عبر الظلام. وتحته، دار مشهد، بدا وكأنّه يتكرر. جلس شخصان هناك. رجل، وامرأة. ارتدي الرجل عباءة بلون منتصف الليل، بأبازيم من الفضة والذهب تثبتها في مكانها، مع لمحة خنجر عند خصره، ووجهه مخفي تحت قلنسوة، ولا يظهر منه سوى ابتسامة خبيثة.

ومقابله كانت امرأة. كان جلدها بلون الخشب الشاحب، وشعرها أخضر داكن. كانت تبتسم هي الأخرى، لكن ابتسامتها كانت مفترسة، جشعة، وبعين واحدة مشقوقة كعين قطة، وعين أخرى بشرائط سوداء في المنتصف، كعين عنز. وبينهما ميزان، وكان كل منهما يتناوب على وضع شيء عليه، أو إزالته منه. مال الميزان إجمالاً لصالح الرجل الملثم، لكن مع كل إضافة، بدا وكأنه ينزلق ببطء نحو المرأة الخضراء. وفي اللحظة التي تعادل فيها الميزان، تغير الحلم.