كانت الحشود متراصة بعنف، وتتلوى في كتلة صاخبة تعج باللحم الصارخ المضمخ برائحة العرق والبؤس. حل اليوم الأول من الشهر، وكان ذلك يعني أمراً واحداً، لحماً طازجاً. بدأ الصجيج يعلو مع ظهور الحركة عند فتحة الجرف. تدافع الرجال وتصارعوا لنظرة أفضل وهم يرى الحراس والبضائع يأخذون مواقعهم على حواف الفجوة. راقب دانتيس كل ما يدور من الأطراف. أدرك من خبرته مدى خطورة الاقتراب كثيراً من الإنزال الشهري.
ما زال يحتفظ بندبة بين أضلاعه من طعنة تلقاها أثناء محاولته الوصول إلى كيس بطاطس. امتدت يده اليمنى إلى الندبة بينما كان يراقب. كان يأمل لو وفر ما يكفي لتفادي إنزال هذا الشهر، لكنه بعد خسارة مؤونة أيام قليلة بسبب رمية نرد سيئة، تمنى لو حالفه بعض الحظ الجيد. امتلك خيارات أخرى أقل خطورة بالطبع. استطاع القيام بأعمال غريبة لبعض العصابات، أو السرقة، أو حتى محاولة البحث في الأجزاء الخارجية من الحفرة عن فطر أو لحم.
سيفعل الثلاثة، لكنه أراد أولاً معرفة إن كان بإمكاني توجيه الأمور لصالحه هنا.
قال الحراس من الأعلى بصوت عززه السحر: "أخْلوا الفجوة!"
بدأ أولئك السجناء المتجمعون تحت رقعة السماء الصغيرة التي مثلت المدخل والمخرج الوحيد لسجنهم، في التحرك مغادرين ضوء الشمس إلى الظلال عند الحافة، دافعين بأنفسهم وسط الحشود إلى الوراء. بقي بعضهم في مكانهم بالطبع، مخاطرين بكل شيء مقابل فرصة للحصول على حذاء جديد، أو وجبة لائقة، أو رفيق زنزانة جديد يساعد في قضاء الوقت. شكل ذلك النداء التحذير الوحيد قبل أن يبدأ الحراس في إلقاء المؤونة.
حتى فوق صرخات زملائه السجناء، استطاع دانتيس سماع الارتطامات مع بدء الأكياس التي تتراوح وزونها بين أربعين وخمسين رطلاً بالاصطدام بالأرض، مثيرة سحب من الرمل. تدافع أولئك الذين ما زالوا في وسط الفجوة. ممزقين الأكياس بمخارز بدائية، أو مخالب، أو أسباب، أو أنياب. تعرض إنسان، كان وسط تمزيق ما بدا أنه كيس من اللفت، للتسطيح فجأة بفعل كيس آخر.
صدرت بعض صيحات "آه"
المتعاطفة، لكنها غرقت في ضحكات الحراس بالأعلى والسجناء الأقل تعاطفاً بالأسفل. لطالما اتخذ الحراس من محاولة سحق السجناء متى استطاعوا لعبة، وكان تقليداً يعود لأكثر من مئة عام. بدأ من نجحوا في تفادي السحق في ملء أكياس بدائية، أو جيوب، أو بأيدٍ فارغة بكل ما قدروا عليه. شرع عدد من الأكثر يأساً في التهام أي طعام وجدوه اللحظة التي استقر فيها بأيديهم. بينما استمر بعض الحراس في إلقاء أكياس المؤونة، شرع البقية في صف السجناء الجدد عند حافة الفجوة.
وقفوا هناك بلا شيء سوى الثياب التي على ظهورهم. تذكر دانتيس وقت وقوفه الخاص على الحافة. الخوف، والغضب، والإصرار وهو يحاول تتبع المؤونة الأكثر قيمة أثناء شقها طريقها نحو الأسفل. دوى صوت معزز عرضاً لساحر يلقي تعويذة السقطة الريشية عليهم، تلاه صوت قدم حراس تصطدم بظهر. كان أول من أُلقي في الحفرة، نصف جزم من نوع ما، يبكي وهو يهوي، محاولاً التشبث بالحافة قبل أن يقذف الحراس حجراً باتجاهه.
وقبل أن يهبط حتى، قفز اورك في وسط الفجوة وأمسكه من كاحليه، ثم طرحه أرضاً. كال له الضربات لبضع لحظات، قبل أن يفرغ جيوبه، ويسرق حذاءه. تاركاً إياه فاقداً للوعي. وما إن فرغ من ذلك، حتى انتقل لسرقة سجين آخر كان يحشو جيوبه بشرائح لحم مجففة من أحد الأكياس. لم يرمش دانتيس وهو يتابع ما يجري. رأى ما هو أسوأ بكثير يحل بالقادمين الجدد. قد يحمل البكاء في طريق النزول نتائج أقسى بكثير من مجرد التعرض للضرب والسرقة.
إن كان القادم الجديد محظوظاً، فسيُترك وشأنه بعد ذلك. اندفع التالي في الطابع ليلقى في السجن قبل أن يتمكن الساحر من تعويذه بالسبطة الريشية، ووجه نفسه مباشرة نحو الأسفل، ورأسه في المقدمة. انكسرت عنقه عند الهبوط. دارت جولة قصيرة من التصفيق التضامني من الحراس والسجناء، فعادة ما وقع اثنان أو ثلاثة من أولئك كل شهر، وصنف دانتيس ذلك بين أفضل حالات الانتحار إتقاناً التي شهدها قط.
نادراً ما تمت بمثل تلك النظافة. بعد ذلك، أصبح اللحم الطازج أكثر دهاء. كانوا يهبطون، ويقاومون، ويحاولون جمع ما استطاعوا من مؤونة، ثم يلوذون بالفرار. عند هذه النقطة، بدأ الكثير من السجناء الآخرين الذين جمعوا المؤونة يركضون بدورهم، فالتحرك بأعداد ضخمة حسّن فرصهم. احتاجوا إلى الأعداد، لأنه عند نهاية النقطة التي يهبط منها النور قادمًا من الفجوة، بدأوا يصطدمون بالعصابات.
راقب دانتيس قزماً يرتكب خطأ محاولة الرقر عبر ملوك إلفلاند. انقض عليه نصف دزينة من الجان في ثوانٍ. لم يستطع دانتيس رؤية سوى ومضات مما حل به بين سيقان الجان، لكنه سُلب وضُرب بالتأكيد، ورجح مقتله. تحرك دانتيس مقترباً أكثر من حافة الحشد، متمعناً في أولئك الواقعين بالوسط والذين شرعوا في تنفيذ حركاتهم. رأى فرداً ثانياً، جنياً مغطى بوشوم الأشجار والكرمات، يمشي بهدوء نحو ملوك إلفلاند، حيث عُمق بالاحتضان، عضواً قادماً من الأعلى إن كان عليه التخمين، وشخصاً يجب تجنبه.
ثم رأى الأورك الذي ضرب اللحم الطازج يتعرض للتضييق من قبل أقزام عشيرة ستوندست ويُطاح به من ساقه. أخيراً، حدق في رجل إنسان. لم يكن الرجل طازجاً، بل مخضرماً واضحاً. بلا وشوم تميزه كمنتمي لعصابة، وكيسين ثقيلين معلقين على كتفه. انتظر الإنسان حتى تتحرك القشاشة الأغبى، ثم في اللحظة التي لمس فيها ثغرة بين ملوك إلفلاند والمطوقين، انطلق ركضاً. راقب دانتيس الرجل وهو يقفز فوق هوبيت حاول الإمساك بساقيه، وتفادى مخرساً من إنسان آخر عبر طرحه جانباً بكيس، وبلغ أخيرًا الفراغ بين العصابات.
شجع دانتيس الرجل أثناء ركضه. تداعت العصابتان نحوه، لكن لحسن الحظ تورطتا في عراك مع بعضهما البعض قبل أن تتمكنا من فعل أي شيء بشأنه. بدأ دانتيس يتحرك بمحاذاة الجزء الخارج للحشد، وهو ما صنعه الرجل عبر قذف كيس في الهواء، ليتدافع الجميع نحوه. لكن دانتيس كان يراقبه، ورأى أنه حمل ذلك الكيس قبل توجهه إلى وسط سجن القاع. وحين أدركوا خلوه من أي شيء سوى الصخور، كان قد اخترق الصفوف بالفعل.
انسل دانتيس إلى تجويف جانبي للنفق الذي توجه نحوه الرجل. أُعجب بحظ الرجل وبراعته. كما شعّر بامتنان شديد له. مع مرور الرجل بجانبه، التقط دانتيس حجراً كان يمسكه بيده، وهشمه في مؤخرة رأس الرجل. سقط بارتطام، وأسرع دانتيس بالاستحواذ على كيسه، راكضاً أعمق في النفق. متمتماً بصلاة صامتة لسيّد اللصوص وهو يشق طريقه أعمق في سجن رينهولد السفلي.
…
سلك درباً طويلاً ومتعرّجاً في طريقه العائد إلى زنزانته، فكان ينعطف مراراً إلى ممرات جانبية ويغير اتجاهه. يصعب تعقب الأفراد خفية في الممرات الضيقة، لكن توخي الحذر يجدي نفعاً. عرف كثير من السجناء حِيلاً للبقاء في الخفاء. أنارت طريقه فطريات مضيئة وحجارة أرجوانية غريبة وضعها من اختاروا العيش هناك في يوم ما بينما كان يتقدم. سلك الطريق الأطول حول السوق السفلي، وعبر منطقة المطرودين حيث بادل عدداً ممن عرفهم إيماءات رأس سريعة، ثم انتقل إلى الأقاصي التي لا يسكنها سوى الكوبولد في أعمق أجزاء السجون، والجرذان، وهو نفسه.
تعلم دانتيس في سنواته الخمس في السجن السفلي قيمة التخفي بسرعة، خصوصاً إن كان يخطط لشق طريقه بلا حماية العصابات. سهل البقاء على الأطراف ذلك. تسلل عبر صدع كبير في الجدار، ساحباً كيس المؤونة خلفه، وبلغ ملاذه. سمع صريراً، فأدخل يده في الحقيبة التي سرقها ليجد قطعة لحم مجفف. شطرها نصفين ووضعها في الزاوية. بعد لحظات قليلة، خرج جرذ بني كبير من الظلال وشرع يمزقها.
قال وهو يتحرك إلى الداخل: "على الرحب والسعة".
رمى الكيس جانباً، وأمسك بإبريق الفخار الصغير الذي يحتفظ به وسط الغرفة حيث يتجمع قطرات الماء العذب التي تتساقط بلا انقطاع. ارتشف منه مباشرة رشفة عميقة، ثم سقى بعناية كتل الطحالب الخضراء الصغيرة النامية في أرجاء كهفه، فهي المصدر الوحيد للألوان الذي يراه عادة يوماً بعد يوم. وما إن أتم هاتين المهمتين اليومية حتى أفرغ غنيمته على الحجر المرتفع الذي اتخذه طاولة. ثلاث بطاطاس ونصف، حفنتان من اللحم المجفف، بضع حاويات من البسكويت الصلب، بعض لفات القطن، وحتى فاكهة، وربما ما يكفي لصنع القليل من الشراب المخمر أيضاً.
ابتسم وأومأ لنفسه. كانت حصيلة صلبة، وستكفي الشهر إن توخى الحذر ووجد التجارة المناسبة للقطن. تحولت ابتسامته ببطء إلى صرير أسنان وهو يتفقد البضائع. قبل خمس سنوات فقط كان ليفرغ كيسًا من العملات والجواهر. بات الآن متحمساً للفتات الذي ترسله المدينة إلى الأسفل. شعر بالمرارة التي كبح جماحها تبدأ في التطفح إلى السطح. تذكر شعور حين دفع السلم الذي كان يقف عليه من جانب المبنى، وحين هبط على شوارع الحجارة المرصوفة القاسية.
والضرب الذي كابده من حراس رينهولد بعد ذلك. سمع صريراً آخر خلفه. أطلق نفساً، فقطع قطعة أخرى من اللحم المجفف، ورماها في الزواية حيث كان الجرذ ينتظر بترقب.
"لدي المزيد اليوم، لكن لا تعتد على هذا".
أجاب الجرذ بالأكل في صمت.
"نقطة وجيهة، لا مبرر للإسهاب. لدي طعام، لدي مأوى، أنا حي. لا شيء سواه"، قال، وكان ذلك صحيحاً.
البقاء هو الأمر الوحيد الذي يهم الآن، وهو الأمر الوحيد الذي يمكن أن يهم.